خلال اليومين الماضيين، انعقد اجتماع بين وفد إيراني وممثلين عن وزارة التجارة الداخلية في حكومة النظام السوري، حيث تم التوصل إلى اتفاقية مقايضة للمنتجات الأساسية؛ إذ تشمل الصفقة تبادل العدس وزيت الزيتون السوريين مقابل زيت عباد الشمس الإيراني. وقد أثار هذا الاتفاق تساؤلات عدة تتعلق بالوضع الاقتصادي وإمكانات الإنتاج السوري، خاصةً فيما يتعلق بزيت الزيتون، كما ناقشها المحلل والباحث الاقتصادي يونس الكريم.
أزمات إنتاج زيت الزيتون السوري
يعاني قطاع زيت الزيتون في سوريا من مشاكل تقنية وإدارية عدة أدت إلى تراجع الإنتاج بشكل ملحوظ. فقد شهدت مساحات شاسعة من أشجار الزيتون خروجها عن الإنتاج، سواء نتيجة لفقدان السيطرة على بعض المناطق مثل إدلب وريف حلب الشمالي، أو بسبب السياسات العسكرية للنظام التي استهدفت مناطق كمعظمية الشام وجرود القلمون. ولم يقتصر الأمر على ذلك، إذ لعبت العوامل البشرية دورًا حاسمًا؛ فقد أدت عمليات الاعتقالات، وهروب المنتجين، وتهجير الخبرات إلى تدمير الكفاءات اللازمة لمواصلة الإنتاج بكفاءة.
قبل تفجر الثورة، كان إنتاج سوريا من زيت الزيتون يتراوح بين 150 إلى 175 ألف طن سنويًا، مع استهلاك محلي يقارب 75٪ من هذا الإنتاج. إلا أن الانتاج بدأ يتناقص ، فحسب تصريحات شبه رسمية للمهندس محمد حابو، مدير مكتب الزيتون بوزارة الزراعة، أفادت بأن الإنتاج انخفض إلى نحو 16 ألف طن في عام 2020، في وقت تصل فيه احتياجات السوق المحلية إلى 100 ألف طن فقط. وتوافق هذه الأرقام مع تصريحات ماجدة مفلح، مديرة الهيئة العامة للبحوث العلمية الزراعية السورية، كما نقلتها صحيفة “الوطن” المحلية مشيرة إلى أن صادرات زيت الزيتون لعام 2019 بلغت 8,619 طنًا.
تداعيات انخفاض الإنتاج على الأسعار والسوق المحلية
أدى التراجع الإنتاجي إلى ارتفاع أسعار وحدات التعبئة؛ حيث ارتفع سعر “صفيحة” الزيت التي تزن حوالي 18 كغ إلى ما بين 100 و120 ألف ليرة، في حين حافظت تنكة زيت الزيتون على سعر يتراوح بين 50 إلى 60 دولار أميركي، وهو من بين الأسعار الأرخص عالميًا. ويعود هذا الاختلاف في الأسعار بشكل أساسي إلى انخفاض القدرة الشرائية؛ ففي السابق كان راتب الموظف يغطي نحو 17٪ فقط من تكلفة الزيت، أما اليوم فيلجأ إلى دفع راتبه بالكامل للحصول على صفيحة تزن حوالي 16 كغ.
تحولات قنوات التصدير والتحديات الدولية
كان لهذة التطورات الاقتصادية تأثير واضح على قنوات التصدير. ففي السابق، كان يتم تصدير الحمضيات وزيت الزيتون إلى روسيا، لكن المنافسة الشرسة من قبل الدول الأوروبية وتركيا ومصر والمغرب، إلى جانب تعقيدات الشحن متعدد المراحل وإغلاق الطرق التركية، أدت إلى تغير المواصفات وتعقيد عمليات النقل. كما أن امتناع المستوردين الروس عن سداد مستحقاتهم للسوريين زاد من الضغوط على المُصدِّرين، مما جعلهم يرفضون إرسال الشحنات إلى روسيا.
اعتمد المُصدِّر السوري سابقًا على لبنان كحلقة وصل لتصدير المنتجات إلى أوروبا عبر وسطاء تجاريين، لكن تفجير ميناء بيروت زاد من تعقيد المشهد اللوجستي. نتيجةً لهذه التحديات، تحول النظام السوري بشكل تدريجي إلى تصدير المنتج إلى إيران. ويعود تاريخ الاتفاق مع الإيرانيين إلى عام 2017، مع إعادة تأكيده بواسطة غرفة التجارة الإيرانية السورية في عام 2019 وتجديده مع زيارة ظريف إلى دمشق في مايو 2020.
الأهمية الاستراتيجية لزيت الزيتون بالنسبة لإيران
يرى المحللون أن اهتمام إيران بزيت الزيتون السوري لا ينمّي عن جودته فحسب، بل يمتد إلى الأهداف الاستراتيجية. ففي ظل زراعة الزيتون بمناطق استراتيجية مثل حلب، ريف دمشق والساحل السوري، والتي تتسم بتوزع ملكياتها الزراعية بشكل غير مركزي، تُمكِّن هذه المناطق إيران من تكوين قاعدة موالية تتألف من الفقراء وصغار التجار. كما تُعتبر هذه المناطق نواة شعبية متماسكة للنظام السوري، مما يعزز من قدرة إيران على التأثير مادياً وسياسياً في تلك الفئات. ولا يقتصر الدور على الإنتاج فقط؛ إذ تصاحب زراعة الزيتون سلسلة واسعة من الأنشطة التجارية والخدمات الداعمة.
من ناحية أخرى، فإن مبلغ تصدير زيت الزيتون ليس له تأثير كبير على الموازنة الوطنية أو على تأمين العملات الأجنبية؛ بل يُنظر إلى صفقة المقايضة كوسيلة فعالة للتحايل على العقوبات المفروضة على بعض القطاعات. وفي ظل غياب العقوبات عن الصناعات الغذائية السورية، أصبح التصدير لصالح إيران خياراً اقتصادياً واستراتيجياً. أما زيت عباد الشمس الإيراني، فقد أعلن أنطوان بيتنجانة عن كساده في السوق السوري، مما أدى إلى إغلاق العديد من معامل الإنتاج، وقوبل المنتج الإيراني بانتقادات بسبب رداءة جودته كما اتضح من السوق العراقية، ما دفع المستوردين إلى تفضيل المنتجات الدولية مثل “أونا” و”مازولا”.
يعكس هذا المشهد الاقتصادي والتجاري التعقيدات التي يواجهها قطاع زيت الزيتون في سوريا؛ من تحديات الإنتاج والتأثير المباشر على الأسعار، مرورًا بتغير قنوات التصدير في ظل ضغوط المنافسة الدولية واللوائح اللوجستية المتغيرة. من جانبها، تسعى إيران لاستغلال الفرص الاستراتيجية التي توفرها المناطق الزراعية السورية لتوسيع نفوذها ومساندة طبقات معينة على الصعيد الداخلي.