هبة محمد
أكد وزير الخارجية السوري، أسعد الشيباني، أمس الأربعاء، أن العقوبات المفروضة على سوريا هي التحدي الأكبر أمام بلاده، مشيرا إلى أن رفعها هو أساس الاستقرار فيها، كما كشف عن عزم الإدارة الجديدة خصخصة الموانئ والمصانع المملوكة للدولة.
جاء ذلك خلال جلسة حوارية على هامش مؤتمر دافوس، وجه خلالها الأسئلة للشيباني رئيس الحكومة البريطاني السابق توني بلير، واعتبر الشيباني أن على العالم أن يوجه عقوباته لبشار الأسد المتواجد في روسيا.
وبين إن الأوضاع الأمنية في سوريا باتت مقبولة، وإن بلاده ستكون لكل أطياف الشعب، ولن تدخل في حرب أهلية أو طائفية.
وبخصوص الدستور قال إن لجنة خبراء من مختلف مكونات الشعب السوري ستعمل على صياغة دستور بعد إجراء حوار وطني.
بخصوص العملية السياسية، قال الشيباني إن سوريا ستحكم بسيادة القانون والدستور والبؤس الذي عاشه السوريون لن يتكرر ، وأضاف، أن رؤيتنا تلتزم بمشاركة جميع السوريين بلا أي استثناء في وضع مستقبل بلادنا.
وأردف قائلا، ينبغي إقناع السوريين في الداخل والخارج بأن حكومتهم الجديدة تسعى لتحقيق السلام والأمن والاستقرار.
وأكد وزير الخارجية على أهمية دور المرأة ومشاركتها في الحياة السياسية بقوله إن «المرأة السورية سيكون لها دور أساسي في مستقبل بلدنا».
ودعا الشيباني اللاجئين السوريين للعودة إلى بلادهم للاستفادة من خبراتهم في عملية إعادة الإعمار وبناء سوريا الجديدة،
مؤكدا بقوله «نعمل على بناء بلادنا بأسرع وقت ممكن». وقال أيضا إن سوريا ستفتح اقتصادها أمام الاستثمار الأجنبي.
وأوضح أن الإدارة الجديدة لا تريد أن تظل البلاد معتمدة على المساعدات.
وأضاف أن دمشق تعمل على إقامة شراكات مع دول خليجية في قطاع الطاقة والكهرباء في سوريا.
وبين أن هناك فرصة كبيرة للاستثمار في الموارد الصناعية والسياحية، كما أكد أن الإدارة الجديدة ستقدم مناهج تعليمية احترافية.
وشدد على أن سوريا تريد أن تكون دولة سلام، ولن تشكل أي تهديد لأي بلد في العالم.
وقبل الجلسة، كشف الشيباني في حوار مع صحيفة «فايننشال تايمز» أن الإدارة السورية الجديدة تعتزم خصخصة الموانئ والمصانع المملوكة للدولة، ودعوة الاستثمار الأجنبي، وتعزيز التجارة الدولية، في إطار إصلاح اقتصادي يهدف إلى إنهاء عقود من الزمن في سوريا «كدولة منبوذة» لافتا إلى أن المفتاح في ذلك هو تخفيف العقوبات الأمريكية والأوروبية على سوريا وعلى هيئة تحرير الشام.
وقال: إن مشاركته في منتدى دافوس الاقتصادي في سويسرا «سوف يستخدم لتجديد الدعوات لرفع العقوبات التي فرضت في عهد الأسد، لافتا إلى أن العقوبات على سوريا «تمنع التعافي الاقتصادي، وتحبط الاستعداد الواضع للدول الأخرى للاستثمار».
وبين أن رؤية رئيس النظام المخلوع، بشار الأسد، «كانت تتلخص في دولة أمنية، أما رؤيتنا فهي التنمية الاقتصادية»، مضيفا أنه «لابد من وجود قانون ورسائل واضحة لفتح الطريق أمام المستثمرين الأجانب، وتشجيع المستثمرين السوريين على العودة إلى سوريا».
وذكر وزير الخارجية السوري أن «التكنوقراط والموظفين الحكوميين السابقين في عهد الأسد، عملوا منذ ذلك الحين على الكشف عن الأضرار التي لحقت بالبلاد وخزائنها بسبب النظام المخلوع».
ووفق الشيباني، فإن هذه التحديات والأضرار تشمل اكتشاف ديون بقيمة 30 مليار دولار لإيران وروسيا، واحتياطيات أجنبية غير موجودة في البنك المركزي، وتضخم رواتب القطاع العام، وانحدار قطاعات الإنتاج مثل الزراعة والتصنيع، التي أهملتها وقوضتها سياسات عهد الأسد الفاسدة.
وأشار إلى أن «التحديات المقبلة هائلة، وسوف تستغرق سنوات لمعالجتها»، موضحا أن الحكومة الجديدة «تعمل على تشكيل لجنة لدراسة الوضع الاقتصادي والبنية الأساسية في سوريا، وستركز على جهود الخصخصة، بما في ذلك مصانع الزيوت والقطن والأثاث».
وقال إن الحكومة الجديدة «سوف تستكشف الشراكات بين القطاعين العام والخاص لتشجيع الاستثمار في المطارات والسكك الحديدية والطرق»، مشيرا في الوقت نفسه الى أن «التحدي يتمثل في إيجاد مشترين للكيانات التي كانت في حالة من التدهور لسنوات، في بلد ممزق مقطوع عن الاستثمار الأجنبي».
وأكد الشيباني على أن «التعافي هو الأولوية الفورية، بما في ذلك تأمين القدر الكافي من الخبز والمياه والكهرباء والوقود لشعب دفعه حكم الأسد والحرب والعقوبات إلى حافة الفقر». وشدد على أنه «نحن لا نريد أن نعيش على المساعدات الإنسانية، ولا نريد من الدول أن تعطينا أموالا وكأنها ترمي استثماراتها في البحر».
واعتبر الشيباني أن العقوبات على سوريا «تمنع التعافي الاقتصادي، وتحبط الاستعداد الواضع للدول الأخرى للاستثمار»، مشيرا إلى أن الإعفاءات المحدودة التي أصدرتها الولايات المتحدة الأمريكية من العقوبات، «ليست كافية، ويجب فتح الباب أمام الدول للبدء في العمل».
سوريا لن تشكل تهديدا
وطمأن وزير الخارجية السوري «المسؤولين الخليجيين والغربيين بأن البلاد لن تشكل تهديدا»، موضحا أن الحكومة الجديدة «لا تخطط لتصدير الثورة، أو التدخل في شؤون الدول الأخرى».
وأكد أن «أولوية الحكومة الجديدة ليست تشكيل تهديد للآخرين، بل بناء تحالفات إقليمية تمهد الطريق للازدهار السوري». وعن العلاقة مع تركيا، وصفها الشيباني بأنها «علاقة خاصة»، موضحا أن تركيا «الداعم الأكثر نشاطا للمعارضة السورية، وستسمح للبلاد بالاستفادة من التكنولوجيا التركية وثقلها الإقليمي وعلاقاتها الأوروبية».
وعن «قوات سوريا الديمقراطية»، قال إن «المناقشات جارية مع قسد»، مؤكدا استعداد الإدارة السورية الجديدة لإدارة السجون التي تضم آلاف المقاتلين من تنظيم «داعش»، مشددا على أن «وجود قوات قسد لم يعد له مبرر»، مشيرا إلى أن السلطات «تعهدت بضمان حقوق الأكراد في الدستور الجديد، وضمان تمثيلهم في الحكومة الجديدة».
ويحتضن المنتجع الجبلي في مدينة دافوس السويسرية الاجتماع السنوي للمنتدى الاقتصادي العالمي لعام 2025 في الفترة من 20 إلى 24 يناير/كانون الثاني، بحضور نخبة العالم الاقتصادية والسياسية وممثلي عالم المال والشركات، يعتبر من أهم المنصات التي تشهد لقاءات مهمة وصياغة الشراكات والصداقات، وذلك تحت عنوان «التعاون من أجل العصر الذكي».
وحسب بيان صحافي صادر عن المنتدى الاقتصادي العالمي، يشارك في نسخة هذا العام، قطاعات متنوعة وصناعات وأجيال مختلفة، وهو تنوع «يشكل عنصرا أساسيا في نهج المنتدى لضمان مناقشة القضايا الأكثر أهمية في العالم على نطاق واسع قدر الإمكان وتصميم الحلول من خلال عدسة متنوعة ومتعددة القطاعات.
وتحمل دعوة الحكومة الحالية في دمشق إلى لقاء «دافوس» الاقتصادي العالمي أبعادا دبلوماسية وسياسية، حسب ما قال مراقبون ومحللون لـ «القدس العربي».
الخبير الاقتصادي يونس الكريم، اعتبر أن مشاركة سوريا هي إقرار بأهمية القضية السورية على مستوى العالم، حيث تعتبر من الأولويات الآن، وتأكيدا على تأثير الملف السوري على كثير من دول العالم اقتصاديا، وبالتالي كان لابد من حضور سوريا لفهم الواقع من أصحاب السلطة.
وأضاف لـ «القدس العربي» أن وجود سوريا مهم، لمعرفة رأي العالم حول إمكانية تمويل سوريا، ونتكلم عن أرقام ضخمة جدا، وشركات كبيرة وتضافر عالمي، لإنقاذ الاقتصاد السوري.
وسيكون للمؤتمر، القرار، حسب المتحدث «حول ماذا سيتم العمل عليه خلال السنة المقبلة، وإعادة طرح ملف العقوبات»، لافتا إلى أن ما سينتج من دافوس سوف يؤثر على هذا الملف، سواء كان العقوبات المزمع تجديدها في مؤتمر بروكسل، أو بالضغط على ترامب لإزالة هذه العقوبات.
وبرأي المتحدث، فإن الحكومة السورية «أخطأت بإرسال وزير الخارجية إلى مؤتمر دافوس دون أن يكون لديها سياق يطمئن المستثمرين، سيما أنها تكلمت عن الخصخصة، ولكن المستثمرين الدوليين في المنتدى والذين هم قادة سياسيون يعلمون أن هذا الأمر يتطلب وجود دستور وقانون، كان الأولى بوزير الخارجية القول والتأكيد أن البلاد سوف تتجه بنظرة بعيدة لكن عبر ما يقرره الدستور، وهذا سوف يجذب الانتباه».
وحسب الكاتب والسياسي السوري الدكتور محمد وجيه جمعة، فإن وزير الخارجية ركز في كلمته على ناحيتين عدا عن الخطط الاقتصادية وبرامج التنمية التي تتبناها حكومة تسيير الأعمال حاليا، حيث تضمنت في الشق الثاني آلية ترميم الخراب والتدمير والحالة الاقتصادية على المدى القريب.
ويقول لـ «القدس العربي»: تحمل كلمة الشيباني في المنتدى العالمي، توضيحا للحالة الاقتصادية «دون الصفر نظرا لما تركه نظام الأسد، ومن ثم الانطلاق إلى مرحلة التنمية المستدامة وصولا إلى أن تعود سوريا لتأخذ مكانها الجيوسياسي والاقتصادي وموقعها الجغرافي من خلال طاقتها البشرية الهائلة والشابة».
كما تضمنت الكلمة التي قدمها الشيباني وفق المتحدث، خلاصة الفكر الاقتصادي والمالي والتنموي لحكومة تسيير الأعمال، وهذه الأفكار انطلقت من خلال الثورة، يضاف إليها، مجموعة اللقاءات الهامة التي قام بها قائد الإدارة الجديد أحمد الشرع مع قمم اقتصادية على مستوى العالم عبر الشخصيات التي زارته وأعطاها الوقت الكافي ليستمع منها عن طريقة تفكير جديدة وخطط وبرامج جديدة، وطموحات كثيرة لتحقيق هذه الأمور، بالإضافة إلى ذلك تأمين الوسائل الممكن أن تأتي بنتائج إيجابية.
وفي بعده السياسي، يقول جمعة، يعني أن هناك قبولا سياسيا دوليا، لحكومة تصريف الأعمال بقيادتها الموجودة، ولكن الشيء الأهم الذي يحمله هذا اللقاء هو التمهيد لرفع العقوبات.
وأضاف: منذ سنوات طويلة، لم تمثل سوريا كدولة في لقاء على هذا مستوى، واليوم نشهد بادرة جيدة من المجتمع الدولي. وتأمل أن تكون سوريا كشعب وكحكومة على قدر المستوى المطلوب.
واعتبر أن هذه الخطوات الدبلوماسية، تخبئ وراءها خطوات سياسية و»نأمل أن تتحقق بأسرع وقت، لأن المشاكل عميقة وأليمة وشاملة لكل الشعب السوري على كافة المستويات، ونتمنى أن تتحقق الرؤية الحسنة والطموحات إلى مستوى التنفيذ».
ما ينتظره السوريون، حسب المتحدث، من الطرف المقابل، تنفيذ العمل لهذه الطموحات، سيما أن «الأجواء كلها مهيأة لبداية علاقات مع كافة دول العالم، إذ أن هناك 3 آلاف شخصية رفيعة المستوى، بينهم 300 من الطراز الأول منهم رؤساء ورؤساء وزراء وهو ما يفتح الباب أمام علاقات دبلوماسية كبيرة في الأيام المقبلة».
المقالة منشورة على موقع القدس العربي