يعاني الاقتصاد السوري من اختلالات هيكلية ناتجة عن سوء في اداراته خلال حكم الاسدين والتي تفاقمت خلال عمر الثورة الى مستويات بات اصلاحها امر بالغ التعقيد ، وهو ما انعكس على حجم التحديات أمام الحكومة الحالية التي وجدت نفسها امام معضلات باتت تؤثر على السلم الاهلي و الاستقرار، والتي تحاول فرضه على المجتمع لتجاوز عنق الزجاجة واخذ البلد الى ضفة اعادة اعمار الخراب .
لكن نتيجة الحداثة في خبرة الحكومة الحالية و منبتها الاسلامي الراديكالي وعدم خوضهم سابقاً العمل في المؤسسات الدولة السورية للاطلاع على تلك التعقيدات، جعلها تتخبط في قرارتها ، فالحكومة الحالية تارة تعلن أنها سوف تقوم بالتخلص من مؤسسات الدولة للتخلص من العجز والحصول على سيولة للانفاق على باقي القطاع التي يغلب الظن انها الجيش والامن، وتارة تعلن عن اعادة هيكلة المؤسسات الدولة مع الابقاء عليها وتمويل الهيكلة عبر طلب القروض من المؤسسات الدولية والدول العربية ورجال الاعمال الدوليين من اصول سورية، عبر مسوغات كثيرة من المشاركة الى التعاون إلى تبادل الخبرات الى التأجير ..الخ ، فمؤخراً التقى وزير الاقتصاد باسل عبد الحنان مع المدير الاقليمي لدائرة الشرق الاوسط في البنك الدولي ، جون كريستوف في 25/شباط ، لطلب القروض من المؤسسات الدولية أو العربية لإنقاذ الاقتصاد السوري، وهو ليس اللقاء الاول فقط سبقه لقاءات كثيرة قامت بها الحكومة الحالية وعلى راسهم الرئيس احمد الشرع و تستمر كل يوم وفق ما تطالعنا به الدوائر الاعلامية المقربة من القصر الجمهوري ، ثم التقى الوزير مع مجلس الاعمال الدول الاسكندنافية و قبل مجلس رجال الاعمال الفرنسي و الامريكي ..الخ
وغالبا ، يتم الرد على صيغ الطلبات السورية لبدأ الاستثمار و المساعدة المالية بانها قيد الدراسة، فتترك الباب مواربا ، فيعتقد الساسة السوريين ان المنع هو نتيجة العقوبات ، وهذا السبب ليس هو الوحيد او الجوهري في التمنع بالتمويل ، انما من وجهة تلك المؤسسات الذي يمكن ان نستشفه من تجاربها في تعامل مع دول ليس عليها عقوبات تقدمت بطلب قروض ومساعدات مالية ، تتم عبر شروط تعتبر مرجحة في الحصول على قروض و الاستفادة منها، مثل أن لا تذهب لدعم رجال السياسة وانما لمؤسسات الدولة ، وهي طريقة لضمان استرداد لقروضها .
وهذا الشروط المرجحة تبدأ من العمل على اصلاح الاقتصاد الكلي واستقراره بشقيه المالي والنقدي .
الإصلاحات المطلوبة على المستوى الكلي
ويقصد ب “إصلاح الاقتصاد الكلي” التركيز على توسيع نطاق الإصلاحات الهيكلية في الاقتصاد بشقيه العام و القطاع الخاص عبر اعادة تنظيم دورهم لتجاوز الاختناقات و مواضع الضعف في أدائهم ، في سبيل تحقيق التوازن الاقتصادية فيما بينهما مما تعزيز النمو و الاستقرار.
هذا التناغم في الاداء يتطلب البدأ بالتوسع في القاعدة الإنتاجية، وجعل تكامل القطاعين العام والخاص حقيقي ، دون إلغاء احدهما للاخر او إلغاء كلاهما عبر فتح باب الاستيراد المنفلت، مع تعزيز دور القطاع الخاص ورفعه ليصل إلى أكثر من 60% بدل ما هو سابقاً والذي لم يتجاوز ٣٦% في احسن احواله .
ويتم تحقيق ذلك عبر وضع خطط قصيرة، متوسطة، وطويلة الأجل تهدف إلى تحقيق نمو اقتصادي مستدام وزيادة الإنتاج الاستثماري.
ففي الخطة القصيرة الاجل: يتم التركيز على توفير سلع الاساسية للمواطنين عبر استيرادها لكل ما لم تنتجه القاعدة الانتاجية السورية(الخاص_العام) ، مع دعم استيراد المواد الصناعية الاولية لتكون اساس انتاج للخطط المتوسطة و الطويلة، وذلك سواء عبر حصول على تسهيلات بالتمويل او وعود بشراء المنتجات سواء من الصديقة ومؤسسات التمويل .
الخطة المتوسطة الاجل :ريثما تنضح العملية السياسة التي يجي ان لا تتجاوز ١٨ شهر ، حتى لا ندخل في حلقة مغلقة ، يجب دعم الصناعات اعادة الاعمار والثروات الريعية ، لأنها الاساس الذي يخفف فاتورة اعادة الاعمار و بكافة الحصول على قروض تيسيرية .
اما الخطة الطويلة الاجل: فهي الخطة التي ستفرزها نتائج النضج السياسي الذي سينعكس بالدستور والسلطات الثلاثة الفضائية والتشريعية والتنفيذية.
والمؤشر على انطلاق الاصلاح الاقتصاد الكلي يكون عبر :
- السياسة المالية:
تعبر السياسة المالية على ان خزينة الدولة تسير بالاتجاه الصح ، وان النمو الاقتصادي عبر زيادة وسائل الانتاج في ارتفاع وبالتالي تعزيز الناتج المحلي.
ويتم دعم السياسة المالية عبر تعزيز الإيرادات العامة من خلال توسيع القاعدة الضريبية بدلًا من إلغائها بالتخلي عن القطاع الحكومي والانتظار من القطاع الخاص ملئ الفجوة ومنحه اعفاءات ضريبة لذلك!، مع تحسين آليات التنبؤ بالإيرادات والمصروفات وهو ما يعني عدم تحميل اي قطاع ( الخاص) عبء خدمة المواطنين و تكامله مع القطاع الحكومي ، لان بعض الخدمات الدولة على سبيل المثال هي ايراد ضمنية لا تظهر مباشرة بالميزانية، انما يظهر بايرادات القطاع الخاص ، مثل الخدمات الادارية وخدمات البنى التحتية ..الخ التي يستخدمها و تشكل عامل جذب للقطاع الخاص وتوسع استثماراته ، مما يتيح له( القطاع الخاص) القيام بدوره بتحقيق الاستقرار المالي.
- ضبط الإنفاق العام وترشيده، وتقليل الاعتماد على الاقتراض من البنك المركزي، فالتمويل بالعجز ينعكس بالتضخم وانخفاض القدرة الشرائية واتخفاض جودة الاعمال ، ويتم ضبط الانفاق عبر وجود موازنات وميزانيات .
- تطبيق قوانين وإجراءات مالية شفافة، مثل قانون الإجراءات المالية والمحاسبية، وقانون الشراء والتعاقد، مع تعزيز الشفافية في تنفيذ الموازنات العامة للمؤسسات والدولة.
- أتمتة العمليات المالية الحكومية وربط المؤسسات بوزارة المالية للحد من الفساد وتقليل الهدر المالي.
- السياسة النقدية :
رغم تكرار السياسات المالية في سوريا وحتى مصطلحات قبيل بازل واحد واثنين، الا ان الحقيقة ان سوريا كانت تُسيّر السياسات النقدية عبر القرار الإداري بحيث يخدم رؤية متخذه ، وهو ما قاد الى استمرار وتفاقم أزمة ركود تضخمي عقود من الزمن، وخلال الثورة السورية وفي السنوات الاخيرة خرجت معظم الكتلة النقدية من الجهاز المصرفي إلى قنوات غير رسمية، مما أفقد البنك المركزي قدرته على المناورة والتي يمكن رصدها بشكل واضح منذ ٢٠١٨ عند استلام حازم قرفول حاكم المركزي وتغير في رؤية المشرع للسياسات النقدية الادارية وقتها، ولاستعادة السيطرة النقدية، يجب:
- اتباع سياسة نقدية تقشفية تمتص فائض السيولة للحد من التضخم وتعزيز القوة الشرائية لليرة السورية ، عبر السماح بتداول الدولار بشكل صريح والسماح بحرية تجارة العقارات القائمة ، على أن يوضع نصف ثمن اي عقار مباع وديعة لدى احد البنوك العاملة في سورية بفائدة محددة لستة اشهر وبسعر السوق لدعم الاحتياطي النقدي ، ونفس الشي يطبق لأي عملية تجارية في السوق السورية عند البدأ بقيمة معينة يتم تحديده دوريا عبر المركزي .
- تسعير المنتجات والخدمات الحكومية والسلع الاساسية لما فيها القطاع الخاص وإلزام الرواتب بالليرة السورية.
- تنظيم الاستيراد لمنع استنزاف الدولار على سلع كمالية وتنافسها مع المنتج المحلي ، وضبط السوق من المضاربة والاحتكار.
- إعادة هيكلة البنوك الخاصة التي تواجه عقوبات ودمجها بتراخيص جديدة لتجاوز العقوبات، وإجبارها على استبعاد الشخصيات المعاقبة من مجالس الادارة وتجميد ارصدتهم ، واجراء تسويات مع شركائها بالخارج ، لاجل الاستعادة الثقة بالنظام المصرفي ومحاربة غسيل الأموال.
- سياسة القروض: بما أن السياسة العامة تتجه نحو التقشف، فإن تخصيص السيولة يجب أن يكون موجهًا نحو تمويل المشاريع الإنتاجية . يشمل ذلك دعم رأس المال العامل، وتوسيع الصناعات التحويلية والإنتاجية الزراعية والصناعية، مع وضع ضوابط تحمي المنتج المحلي وتضمن استدامة التنمية.
- القطاع الخارجي: يُعد بناء الاحتياطات النقدية ضرورة ملحة، ويمكن تحقيق ذلك من خلال:
- ترشيد الاستيراد للحد من استنزاف العملة الصعبة، والتركيز على السلع الأساسية لزيادة المعروض وتقليل التضخم.
- تشجيع الصناعات المحلية المنافسة للمنتجات المستوردة.
- استعادة السيطرة على الموارد الوطنية واستثمارها محليًا أو بشراكات مؤقتة، مع إعطاء الأولوية للصناعات التحويلية والاستخراجية.
- تعزيز الصادرات عبر تحسين القيمة المضافة للمنتجات الزراعية، وإنشاء مناطق حرة مع الدول العربية غير الساحلية لتعزيز التبادل التجاري.
أن تحقيق الاستقرار في الاقتصاد الكلي من شأنه يمكن من معرفة حجم القروض الحقيقة التي تحتاجها البلاد و يحسن من ادارة هذه القروض ويخفف وطئه شروط الاستدانة ، ويحد من الفساد والهدر، وزياد الثقة بالمؤسسات المالية في دراسة طلبات القروض المقدمة الحكومة السورية ويقلل من تدخلها المباشر في الاقتصاد السوري. إن تبني هذه إصلاحات الاقتصاد الكلي سيؤدي إلى تحفيز الاستثمار المحلي، ودعم الاستقرار المالي، وتحقيق معدلات نمو اقتصادي مستدامة مستقبلية .