منذ تسلّم بشار الأسد الحكم في سوريا، أصبحت العقوبات الدولية عموماً والعقوبات الأمريكية أداة مركزية في إدارة الصراع، ليس فقط من زاوية سياسية، بل كوسيلة ضغط اقتصادي وقانوني تهدف إلى تقييد النظام ومنعه من مواصلة ارتكاب الانتهاكات في المنطقة. وقد تصاعدت وتيرة هذه العقوبات بشكل ملحوظ بعد عام 2011.
وبعد 8 ديسمبر، ومع سقوط نظام الأسد وبروز القيادة السورية الجديدة، جرت سلسلة لقاءات بدفع من قوى إقليمية مؤثرة مثل تركيا والسعودية وقطر، وصولًا إلى لقاء جمع الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بالرئيس السوري أحمد الشرع. هذا اللقاء مثّل منعطفًا مهمًا، إذ أعقبه حديث أمريكي متكرر عن قرب رفع العقوبات المفروضة على سوريا.
ومع مرور أربعة أشهر على تلك التطورات، بدا واضحًا أن واشنطن التزمت بتعهداتها فقط بالقدر الذي التزمت فيه القيادة السورية الجديدة بتعهداتها هي الأخرى. فجاء رفع العقوبات تدريجيًا على شكل تعليق مؤقت، ما فتح الباب أمام كثير من الجدل. فبينما حاول بعض المحللين الاقتصاديين المقربين من الحكومة السورية تبسيط المشهد أو تضخيم أثر التعليق ، ظل الواقع أكثر تعقيدًا، إذ تكشف التجربة أن العقوبات تُدار ضمن شبكة متداخلة من الإجراءات القانونية والسياسية، تجعل من قياس آثارها الاقتصادية بدقة مسألة شديدة الصعوبة.
إن هذه العقوبات لا تتحرك في فراغ، بل تتشابك مع سياق جيوسياسي معقد وتُدار ضمن منظومة قانونية دولية متعددة الأطراف، ما يجعل التعامل معها أو تجاوزها عملية مشروطة بإرادة سياسية دولية أكثر منها مجرد إجراءات اقتصادية.
التعليق المفخخ: عقوبات معلّقة و أمن إقليمي هش
من الخطأ الخلط بين تعليق العقوبات ورفعها؛ فالتعليق لا يعني الإلغاء، بل هو تجميد مؤقت فرضته اعتبارات سياسية وأمنية شديدة التعقيد. تخشى واشنطن وبروكسل أن يقود انهيار الدولة السورية إلى فراغ أمني خطير تستغله الجماعات الراديكالية بمختلف أطيافها الدينية، إلى جانب الجماعات الإثنية التي انضمت للصراع ويهدد تمددها بتفجير صراعات جديدة قد تشعل كامل المنطقة. في ظل هذا المشهد، أصبحت العقوبات أداة ضغط سياسي قبل أن تكون وسيلة اقتصادية.
من الخطأ الخلط بين تعليق العقوبات ورفعها؛ فالتعليق لا يعني الإلغاء ، بل هو تجميد مؤقت فرضته اعتبارات سياسية وأمنية شديدة التعقيد.
من منظور القانون الدولي البحت، فإن التعليق لا يُلغي الأثر القانوني للعقوبات، بل يجمّد تطبيقها مؤقتًا. أي التعامل الاقتصادي مع سوريا يظل خاضعًا للرقابة القانونية الصارمة وفق الجهة التي أصدرت العقوبات، ويعرّض الأطراف المخالفة للمساءلة والعقوبات الثانوية في حال انتهاك الشروط من دول صاحبة العقوبات.
لكن لابد من تنويه انه جرى تعليق العقوبات على دمشق ضمن توافق دولي حذر يهدف إلى منع انهيار الدولة السورية الهشّة، دون منح دمشق حرية اقتصادية حقيقية. لذلك تُدار العلاقات الاقتصادية عبر استثناءات محدودة ومشروطة، تحت رقابة مشددة تجعل أي تجاوز محفوفًا بالمخاطر، فيما يظل الإقليم بأسره مهددًا بالانفجار أمام أي اختلال في هذا التوازن.
منظومة العقوبات الأمريكية — شبكة قانونية ودبلوماسية متشابكة
العقوبات الأميركية على سوريا لا تعمل كتشريع منفصل، بل كمنظومة قانونية مترابطة تضم قوانين فيدرالية وأوامر تنفيذية وتراخيص مؤقتة. هذه الشبكة تمنح واشنطن مساحة واسعة للمناورة: فهي قادرة على تعليق بعض العقوبات دون أن تفقد ضغط باقيها، ما يجعل أي رفع جزئي أو شكلي للعقوبات خطوة رمزية لا تغيّر فعليًا من الواقع الاقتصادي أو السياسي القائم.
أبرز أدوات العقوبات الأميركية على سوريا
القانون / القرار | الهدف | الوضع الحالي |
---|---|---|
قانون قيصر 2019 (Caesar Act) | معاقبة الداعمين للنظام السوري ومراقبة التحويلات الدولية | ما يزال ساريًا مع بعض الاستثناءات |
الأوامر التنفيذية EO 13338 و EO 13582 | مكافحة الإرهاب وانتهاكات حقوق الإنسان | أُلغي جزء منها بموجب EO 14312 (يونيو 2025) |
الترخيص العام GL25 | تسهيل تعاملات اقتصادية وإنسانية محدودة | ترخيص مؤقت يتطلب تجديدًا دوريًا |
من الطوارئ إلى إعادة تشكيل الإطار القانوني
في يونيو 2025، أصدر الرئيس الأمريكي الأمر التنفيذي رقم 14312، الذي أنهى حالة الطوارئ الوطنية الخاصة بسوريا وألغى بعض الأوامر التنفيذية السابقة. إنهاء حالة الطوارئ يعني أن الإدارة الأمريكية تعتبر سوريا ليست في وضع استثنائي يبرر اتخاذ إجراءات غير محدودة على الفور، ما يمنح واشنطن مجالًا للمناورة الدبلوماسية والسياسية، ويتيح تعديل العلاقات مع دمشق تدريجيًا ضمن شروط محددة، خاصة المتعلقة بـ حقوق الإنسان، عودة اللاجئين، والتعاون الأمني.
إنهاء حالة الطوارئ يعني أن الإدارة الأمريكية تعتبر سوريا ليست في وضع استثنائي يبرر اتخاذ إجراءات غير محدودة على الفور
إلغاء القرار التنفيذي DE 4810-AL: خطوة محدودة التأثير
لاحقًا، ألغت الولايات المتحدة القرار التنفيذي DE 4810-AL (المستند إلى EO 13338)، والذي كان قد فرض عقوبات على سوريا بسبب التدخل في لبنان واغتيال رفيق الحريري ودعم جماعات مصنّفة إرهابية.
ورغم الإلغاء، بقي تجميد الأصول السورية قائمًا، فيما أصبح الانفتاح الاقتصادي وفق هذا الالغاء مرهونًا بالترخيص المؤقت GL25، الذي يتيح تشغيل أنظمة التحويل المالي مثل SWIFT ضمن شروط صارمة مثلاً.
لكن رفع العقوبات اظهر الخلل بمؤسسة البنك المركزي وهشاشتها وضعف قدرتها على استثمار الانفتاح المحدود ، حيث أعلن نائب الحاكم بوقت سابق أن الأمر يحتاج شهرين — ليتفاجى السوريين بتفعيل السويفت الجزئي بعد يومين من تصريحه! . واليوم الكرة في ملعب البنك المركزي ومجلس الاقتصادي الاعلى التابع لرئاسة الجمهورية لإيجاد حلول لأزمة السيولة وتأمين بنوك مراسلة تتيح الحوالات الخارجية.
لكن التأثير الاقتصادي الفعلي لهذا الرفع يبقى محدودًا، إذ لا يمكن أن يحدث أي تغيير جوهري إلا ضمن نطاق التراخيص المؤقتة للقوانين العقوبات الاخرى ذات الصلة مثل قانون قيصر الذي جاء ترخيص GL25 بشكل مسبق ، ليكملوا بعض في دعم الجوانب الإنسانية وتشجيع الحكومة على الالتزام بالمسار الأمريكي. هذا يعني أن رفع العقوبات الاخيره لا يحقق تحسنًا طويل الأمد، لكنه يوفر هامشًا لتخفيف الأزمات الإنسانية ومنع انهيار الدولة، فقانون سيزر الذي يعتبر الان نواة العقوبات على السورية لشموله كل العقوبات لن يتم إلا إذا التزمت الحكومة السورية بمعايير صارمة لمدة عامين متتاليين، أو بحلول عام 2029، أيهما يأتي أولاً. وبالتالي، ما يُتداول إعلاميًا حول رفع العقوبات يظل رمزيًا وتشجيعيًا، ولا يمثل تغييرات فعلية على الأرض.
مما يجعل أي تعامل اقتصادي مع سوريا يظل خاضعًا للرقابة القانونية والسياسية، ويعرّض الأطراف المخالفة للمساءلة والعقوبات الثانوية. وهكذا تبقى سوريا تحت ضغط قانوني ودبلوماسي مستمر، بينما يمنح هذا التعليق للولايات المتحدة مرونة استراتيجية كبيرة بالتفاوض واجبار الحكومة السورية على تقديم تنازلت لها ، لان رفع للعقوبات جزئيًا أو شكليًا غير قادر على تحرير سوريا اقتصاديًا أو سياسيًا بالكامل.
الأثر الاقتصادي — بين الانكماش والتقييد
رغم تعليق بعض العقوبات، لم يشهد الاقتصاد السوري أي تحسن ملموس، لأسباب متعددة:
أولاً، عدم وضوح الإطار القانوني:
يجعل الشركات الدولية مترددة في الاستثمار أو التصدير إلى سوريا، كما في حالة شركات الطيران الدولي التي تمنع من بيع قطع الغيار أو تقديم خدمات الصيانة، أو مشاريع حقول النفط التي تواجه مخاطر توقف التمويل المفاجئ.
ثانياً، غياب الثقة في الاستقرار السياسي:
يزيد من صعوبة أي استثمار حتى بعد تعليق العقوبات. التفاهمات المعلنة التي تم توقيعها بين الرئيس الشرع وجهات دولية تبقى في إطار نفوذ دولي محدود وهش، ولا تترجم إلى مشاريع استثمارية فعلية على الأرض.
ثالثاً، القيود على القطاع المصرفي والتحويلات المالية:
التعامل مع البنك المركزي السوري عبر شبكة سويفت (SWIFT) عمليًا متوقف، إذ تتجنب البنوك الدولية إجراء أي تحويلات مباشرة خوفًا من خرق العقوبات. إعادة تشغيل التحويلات عبر البنوك التجارية تتطلب إجراءات معقدة تشمل مراجعات قانونية دقيقة والتنسيق مع “غرف المقاصة”، وهي مؤسسات تتحقق من صحة كل تحويل دولي قبل تنفيذه، ما يستغرق شهورًا ويكلف كثيرًا، مع عدم اليقين بشأن استمرار التعليق.
في المقابل، تم تفعيل خدمات التحويل المالي مثل ويسترن يونيون (Western Union) وموني غرام (MoneyGram) بشكل محدود، لكنها تقتصر على الحوالات الشخصية والشركات الصغيرة التي يمكن عدّ السماح بتفعيلها ضمن إطار المساعدات الإنسانية. هذه الخدمات مرنة وسريعة نسبيًا ويمكن الانسحاب من السوق بسهولة، لكنها لا تغطي الصفقات الكبيرة أو التجارية، وتواجه قيودًا إضافية بسبب شبكات غسيل الأموال، ما يجعل إرسال مبالغ كبيرة صعبًا جدًا، إضافة إلى ارتفاع تكلفة التحويلات، ايضاً سعت الحكومة بذات الوقت الى تفكيك الشبكات غير الرسمية للحوالات المصرفية التي كانت تدعم السيولة في السوق و تقليصها حتى إلغاؤها للسيطرة على الاقتصاد، مع توقعات برفع العقوبات وفق وعود دولية سابقة .
عمل خدمات التحويل مثل ويسترن يونيون وموني غرام بشكل محدود على الحوالات الشخصية والشركات الصغيرة التي يمكن عدّ السماح بتفعيله ضمن إطار المساعدات الإنسانية،
نتيجة لذلك، أصبحت العقوبات اثارها اقوى و أداة رئيسية للتحكم في أي تعامل دولي مع سوريا، سواء على المستوى المالي أو الاقتصادي.
كل هذا انعكس على السيولة في السوق وقيّد قدرة سوريا على الانخراط الكامل في النظام الاقتصادي العالمي وإعادة استقرار القطاع التجاري والمالي.
الخيارات السياسية — تفاوض مشروط أم تحالف محفوف بالمخاطر
في ظل الوضع الحالي، تواجه الحكومة السورية خيارين رئيسيين، كل منهما يحمل فرصًا ومخاطر مختلفة:
الخيار الاول : التفاوض المباشر مع الولايات المتحدة:
يشمل هذا الخيار تقديم تنازلات سياسية واضحة على شكل تنفيذ اجراءات تعزيز الشفافية، الحد من الانتهاكات، ومكافحة الجماعات المتطرفة.
كما يتطلب فتح الباب أمام استثمارات أمريكية وحلفائها في قطاعات اقتصادية حيوية مثل النفط والكهرباء والبنية التحتية، مع استبعاد أي دولة لا ترغب بها واشنطن، مثل روسيا، الصين، وتركيا.
من جهة أخرى، قد يشمل هذا الخيار مفاوضات رمزية مع إسرائيل تنتهي باتفاقيات تمنع التسلح السوري مقابل اعتراف متبادل، وهو أمر مشوب بالشكوك، وقد يمتد ليشمل توقيع اتفاقيات رمزية على مستوى اتفاقية ابراها لتعزيز الثقة الدولية. ومع ذلك، يبقى تنفيذ هذه التفاهمات صعبًا لرفع العقوبات في الامد القصير اذا ما اعتمد على الجانب الاقتصادي للهروب من الالتزامات السياسية التي يفرضه هذا السناريو، إذ إن القطاع الخاص الأمريكي لا يملك صلاحية رفع العقوبات المفروضة رسميًا على سوريا، اضافة ان اتباع هذا المسار محفوف بانفجار الوضع الداخلي اذا السوريين والدول الإقليمية غالبًا لن تقبل بنفوذ أمريكي بعيد عن التوازنات الدولية.
الخيار الثاني :التحالف مع المعسكر الروسي–الصيني:
يعكس هذا الخيار استمرار الاعتماد على الداعم التقليدي للنظام السابق في مواجهة الضغوط الغربية، لكنه يحمل مخاطر كبيرة. فمثل هذا الاصطفاف قد يؤدي إلى تصعيد الصراعات الداخلية وخلق أطر توتر جديدة بين الجماعات المختلفة، بما فيها تيارات داخل الحكومة الحالية، مما يزيد احتمالية اندلاع أعمال عنف أو نزاعات مسلحة واسعة النطاق. كما أنه يعمّق العزلة الدولية لسوريا ويحد من قدرة الحكومة على استقطاب الاستثمارات أو إعادة دمج الاقتصاد السوري في الأسواق العالمية، وقد يفرض عليها حزم عقوبات أشد.
ليبقى موقف الحكومة السورية صعبًا، وقد انعكس ذلك في كثرة التفاهمات أحيانًا على نفس المشروع، والتي تتجاوز مجرد اتفاقيات تفاهم شكلية. ويشير ذلك إلى أن الحكومة، عاجلًا أم آجلًا، إذا أرادت التحرر من هذه السيناريوهات المعقدة، يجب أن تعيد ترتيب اصطفافاتها بناءً على الجغرافيا السورية ومصالح الشعب، لا على أساس العقيدة أو الانتماء الإثني.
ويمكن القول ان العقوبات على سوريا باتت نموذجًا واضحًا لكيفية تحول الإجراءات القانونية إلى أدوات سياسية واقتصادية معقدة، تتجاوز تأثيرها المباشر لتصبح جزءًا من لعبة النفوذ الدولي. بين التعليق والتعقيد، تبقى سوريا عالقة في شبكة من الحسابات الجيوسياسية؛ فرفع قرار أو منح ترخيص لا يكفي لتغيير الواقع، بل يتطلب إعادة صياغة شاملة للعلاقات الدولية والسياسات الداخلية والنظام القانوني الذي يحكم الاقتصاد السوري.