عامر عرابي
منذ وصوله إلى الحكم، بدأ الرئيس السوري في المرحلة الانتقالية، أحمد الشرع، اتخاذ خطوات عاجلة لفرض سيطرته على الاقتصاد بمختلف جوانبه، مستخدماً، في سياق بناء منظومته الخاصة، خليطاً من القرارات الرئاسية والإجراءات الفردية، ومعتمداً على شخصيات مقربة وموثوقة من جانبه. وفي ما يشابه سياسة النظام السابق، تبدو «الأمانة العامة لرئاسة الجمهورية» في صدارة المشهد باعتبارها الجهة التي يُدار عبرها الملف الاقتصادي، والتي يقودها، منذ نيسان الماضي، شقيق الشرع، ماهر، الذي ظهر في لقطات بثّتها وسائل إعلام رسمية سورية، وهو يقوم بمهمات الرئيس الانتقالي، عبر عقد لقاءات مع وزراء ومسؤولين خلال فترة سفر أخيه خارج البلاد. وعند النظر إلى الهيكلية التنظيمية التي يجري بناؤها، يمكن ملاحظة إخضاع مجموعة واسعة من الموارد الاقتصادية والهيئات المشرفة عليها، لإدارة الأمانة العامة بشكل مباشر، من دون أي معايير مؤسساتية أو آليات رقابة أو محاسبة.
صلاحيات فوق القانون
يرى الخبير الاقتصادي في الشأن السوري، يونس الكريم، في حديثه، أن السلطة «تناقض نفسها» في ما يتعلق بـ«الأمانة العامة لرئاسة الجمهورية» التي باتت «السلطة الأعلى» في سوريا، لافتاً إلى أن «المادة 51 من الإعلان الدستوري أقرت بقاء القوانين والأنظمة السابقة سارية إلى حين صدور دستور جديد، وهو ما لم يحدث حتى الآن، في وقت ينصّ فيه الدستور النافذ على شكل المؤسسات ولا يمنح الأمانة العامة صلاحيات تتجاوز دورها الإداري».
وبناءً على ذلك، يقول الكريم إن المراسيم الاستثنائية التي تُبرَّر بضرورات التنسيق أو تسريع العمل «تفتقر إلى أساس قانوني، ولا يمكن أن تكتسب الشرعية إلا باستمرار السلطة الانتقالية وانتخاب مجلس شعب جديد يُقر دستوراً يحدّد طبيعة هذه التغييرات». ويضيف أن منح الأمانة العامة صلاحيات تنفيذية واسعة «يخلق فراغاً دستورياً خطيراً، بعدما أصبحت تقوم مقام رئاسة الوزراء، وبات أمينها العام يؤدي دوراً شبيهاً بدور نائب رئيس الجمهورية؛ إذ أصبحت الأمانة، رغم كونها هيئة مساعدة إدارية لرئاسة الجمهورية، تتحكّم في الوزارات وتراقبها وتقيّم أداءها بلا إطار شرعي يحدّد طبيعة عملها وحدود سلطتها، في وضع يعيد إنتاج الدور الذي كان يمارسه القصر الجمهوري في عهد النظام السابق».
وزارات شكلية
على أن الأمر لا يقتصر على التحكم في الوزارات فحسب، إنّما يتعداه إلى إحداث تغييرات في الدور التقليدي لبعض الوزارات الأساسية في العمل الحكومي، مثل وزارتَي الاقتصاد والصناعة، اللتين فقدتا دورهما في صياغة السياسات الاقتصادية، وبات تركيزهما منصبّاً على تنفيذ ما يصدر عن «الأمانة العامة»، التي توسّعت صلاحياتها لتتولى أدواراً تنفيذية كانت سابقاً من اختصاص رئيس الجمهورية. وفي هذا السياق، يشير الكريم إلى أن «بعض الصلاحيات التقليدية لوزارة الاقتصاد، مثل الاستيراد والتصدير وإدارة الوكالات والتشكيلات، باتت تُدار ضمن الدوائر العليا، فيما يقتصر دور الوزارة حالياً على التعامل مع صغار المستثمرين وإدارة الموارد المتاحة داخل سوريا».
وبصورة أعم، يعتبر الكريم أن الواقع الاقتصادي والسياسي يشير إلى «تباين بين مصالح الفئات الكبيرة والنخب الاقتصادية، وبين المواطنين العاديين الذين يواجهون البيروقراطية، ما يجعل الدولة عملياً دولتين: واحدة فوق دستورية تقدم خدماتها لكبار المستثمرين عبر الأمانة العامة وهيئاتها، وأخرى مثقلة بالروتين والخسائر الموروثة من النظام السابق تخدم المواطنين والقطاعات الأصغر ضمن الجهاز التنفيذي التابع للأمانة العامة»، لافتاً إلى أنه، بحسب هذا التحليل، فإن وزارة الاقتصاد «تتابع مصالح الفئات الأوسع والأقل قدرة على التأثير».
ولا يقتصر أثر ذلك على وزارة أو هيئة بعينها، بل يمتد إلى كامل الاقتصاد، وله تبعات اجتماعية وسياسية واسعة، وفقاً للخبير الذي يبيّن أيضاً أن «احتكار الأمانة العامة لهذه السلطات يمنح الرئيس الانتقالي نفوذاً مباشراً على الحياة السياسية والعسكرية عبر بوابة الاقتصاد، خصوصاً في بلد فقير خارج من حرب مدمرة».
ويؤكد الكريم أن هذا الوضع يشكّل «تهديداً للاستثمار، لأن نجاح أي مشروع بات مرتبطاً بدرجة القرب من المسؤول، في ظلّ غياب الرقابة على عمل الأمانة العامة – بما في ذلك الرقابة التشريعية – التي تتبع مباشرة لرئيس الجمهورية، والأخير لا تُراجع قراراته وفقاً للإعلان الدستوري، وهو ما يعيد البلاد إلى الحالة السابقة، حين كان شرط الثراء هو امتلاك مفتاح الوصول إلى القصر الجمهوري». ويرى الكريم أن أخطر ما يتعلق بالأمانة العامة يتمثّل في «تحوّلها من جهة إدارية إلى كيان يقوم فعلياً بدور رئاسة مجلس الوزراء أو منصب نائب الرئيس بشكل غير معلن.
تحولت الأمانة العامة «إلى كيان يقوم فعلياً بدور رئاسة مجلس الوزراء أو نائب الرئيس»
فمنصب الأمين العام يعادل وفق القوانين رتبة معاون وزير، ولكن شاغلها بات اليوم يشرف على رئيس الهيئة العامة للمنافذ والجمارك الذي يحمل رتبة وزير، ويقود عدداً كبيراً من اللجان العليا التي تضم معاونين من وزارات المالية والاقتصاد والصناعة وغيرها». وجزء كبير من هؤلاء المسؤولين كانوا، بحسب الكريم، في «حكومة الإنقاذ» في إدلب، وما زالوا محسوبين على «هيئة تحرير الشام»، الأمر الذي يعزز سيطرة الأمانة العامة على القرار التنفيذي.
وهكذا، تحوّلت الأمانة العامة إلى «السلطة التنفيذية الفعلية الوحيدة»، التي تعمل كـ«حكومة ظل» تتحكم في شكل الدولة واستثماراتها وقراراتها الاقتصادية، وتمارس دور الوسيط بين «جمهورية الأغنياء» و«جمهورية الفقراء»، وهو ما يعني نشوء «دولة داخل دولة». وفي ما يتعلق بآلية اختيار الجهات التابعة للأمانة العامة، يوضح الكريم أنها «ليست مبنية على سياسة اقتصادية أو إدارية واضحة، بل على اعتبارات أمنية وسياسية، وبناءً على توصيات أو استشارات المجلس الاقتصادي الأعلى»، مبيناً أن الهدف من ضم هذه المؤسسات هو «السيطرة على كل القطاعات، وتطويعها لضمان استقرار السلطة الانتقالية وصناعة الولاءات».
الولاء مقابل الامتيازات
في 12 تشرين الثاني، أصدر الرئيس الانتقالي المرسوم الرقم 263 لعام 2025، والذي يقضي بتشكيل «اللجنة الوطنية للاستيراد والتصدير» برئاسة رئيس «الهيئة العامة للمنافذ والجمارك»، وعضوية خمسة من معاوني الوزراء ومدير الجمارك؛ وتخضع هذه اللجنة هي الأخرى للأمانة العامة، وتتولى إقرار السماح والمنع في مجال الاستيراد والتصدير. وأثار هذا المرسوم قلقاً كبيراً لدى التجار، الذين قال أحدهم لـ«الأخبار» إن الهدف منه «واضح»، وهو «بناء طبقة تجارية جديدة وإزاحة القديمة أو ابتزازها لمنحها صلاحيات كما كان يفعل النظام السابق».
ومن جهته، يؤكّد الكريم «أحقية» مخاوف التجار، لافتاً إلى أنه «لا توجد ضمانات تمنع الأمانة العامة من استخدام اللجنة كأداة اقتصادية للضغط على شركات محددة». ويعتقد أن أحد أهداف المرسوم هو «تحييد الوزارات عن التدخل في الحياة الاقتصادية، وربط القرارات مباشرة بالأمانة العامة والمجلس الاقتصادي الأعلى». أما الهدف الأعمق، بحسب الكريم، فهو «خلق طبقة اقتصادية خاصة تتحّكم في الاقتصاد تدين بالولاء المطلق للأمانة العامة، وتجبر التجار على الدخول في شراكات معها، بما يسمح بتمدّد السلطة بشكل أفقي داخل المجتمع تماماً كما كان يحدث في عهد الأسد».
المصدر : الاخبار اللبنانية.

