محمد كساح
رغم التحديات الكبيرة التي تواجهها، تواصل وزارة الاقتصاد والصناعة تنفيذ رؤيتها الاستراتيجية، لإعادة تنشيط القطاع الصناعي الوطني، من خلال تطوير البيئة التشريعية والإجرائية، وتقديم التسهيلات اللازمة لعودة الاستثمارات، بما يحقق نموًا مستدامًا ويعزز قدرة المنتج السوري على المنافسة إقليميًا ودوليًا، وتحقيق التوازن بين الانفتاح الاقتصادي وحماية الإنتاج المحلي، وفقًا للتصريحات المعلنة.
300 منشأة تستأنف عملها
وفي هذا الصدد، كشف معاون وزير الاقتصاد والصناعة، محمد ياسين حورية، عن عودة أكثر من 1600 منشأة صناعية للعمل بعد سقوط النظام، منها نحو 300 دخلت مرحلة الإنتاج الفعلي، ولا سيما في محافظتي حلب وريف دمشق. وأوضح في تصريح رسمي أن القرارات الحكومية الأخيرة، مثل إعفاءات الرسوم الجمركية على تجهيزات المصانع، وتسهيلات الترخيص، وفتح الاستثمار في المناطق الصناعية، شكّلت عاملًا رئيسيًا في تشجيع الصناعيين على إعادة تشغيل منشآتهم.
وأكد حورية أن مشاركة سوريا في القمة العالمية للصناعات الغذائية والمؤتمر الحادي والعشرين لمنظمة الأمم المتحدة للتنمية الصناعية “اليونيدو” في الرياض، مثّلت محطة مهمة لاستعادة حضور الصناعة السورية على الخريطة الإقليمية والدولية، وتعزيز فرص التعاون مع الشركاء الدوليين.
وتم خلال الأشهر الأربعة الماضية، بحسب حورية، إعداد برنامج متكامل للتعافي الصناعي يضم عشرة مسارات رئيسية، وتم توقيعه رسميًا مع “اليونيدو” على هامش القمة، ما يسمح باستقطاب دعم يقدّر بنحو 150 مليون دولار لتطوير الاستراتيجية الصناعية، وتحديث الحوكمة، وتعزيز المدن الصناعية، وتحسين منظومات الجودة والمقاييس والبنية التحتية للإنتاج.
وبحسب تقرير لوكالة “سانا”، شهدت الصناعة السورية تحولًا تدريجيًا بعد سقوط النظام، حيث سجلت وزارة الاقتصاد والصناعة 1389 طلبًا لاستيراد خطوط الإنتاج للمعامل الجديدة، بدءًا من كانون الأول/ديسمبر 2024 وحتى نهاية آب/أغسطس الماضي، وتم استيرادها جميعها.
مؤشر على إنقاذ الاقتصاد
عودة 300 منشأة للإنتاج الفعلي تعد مؤشرًا على وجود تحرك فعلي لإنقاذ الاقتصاد، وأن الحياة الاقتصادية والصناعية بدأت في العودة إلى عجلة الإنتاج، بحسب حديث الباحث ومدير منصة “اقتصادي” يونس الكريم لموقع “الترا سوريا”.
لكن في المقابل، تواجه هذه التحركات ملاحظات عديدة يرصدها الكريم، أبرزها أن حجم الحوافز الجمركية والضريبية كبير جدًا مقارنة بعدد المنشآت التي استأنفت نشاطها، وتشكل نسبة 18% من حجم المنشآت السورية.
ومن جانب آخر، لا تُبرز التصريحات الحكومية حول المنشآت الصناعية حجم ونوعية هذه المنشآت، الأمر الذي يجعلها أرقامًا عامة، بحيث لا توضح الحجم الحقيقي لعجلة الإنتاج الصناعي العائدة إلى الدوران، خاصة في ظل توقف الصناعات التحويلية الكبيرة والصناعات النسيجية التي كانت تأخذ حيزًا كبيرًا في الإنتاج الصناعي السوري.
تحديات وتداعيات سلبية
يرصد الكريم تحديات كبيرة تواجه عملية التصنيع، منها ما يتعلق بالتكاليف الكبيرة التي تؤدي إلى رفع سعر المنتج، وأبرز هذه التكاليف المباشرة تتعلق بحوامل الطاقة المرتفعة جدًا. ومن التحديات ارتفاع أجور الأيدي العاملة بسبب تصاعد مستوى التكاليف المعيشية، يضاف إليها سياسات البنك المركزي، المتمثلة بتجفيف السيولة وعدم توفير التمويل للقطاع الصناعي، مع صعوبة استخدام البنوك وغياب دعم المصارف للقطاع الإنتاجي عبر القروض والاعتمادات المستندية، والتي تعد أبرز أسباب الجمود في القطاع الصناعي الذي كان سابقًا يتميز بالمرونة.
ومن جهة أخرى، يلفت الكريم إلى التداعيات السلبية لتعدد أسعار الصرف على عملية التصنيع، حيث توجد ثلاثة أسعار تصريف، يلخصها بـ: السعر النظامي الذي يصدره المركزي ويعد مؤشرًا استدلاليًا فقط، سعر الحوالات وهو سعر السوق السوداء، وسعر الأرصدة المجمّدة الذي يتم تحديد القيمة الحقيقية للسلعة من خلالها والذي يعد كبيرًا جدًا.
وفي السياق، يشير الكريم إلى أن فتح بوابة الاستيراد انعكس سلبًا على المنتج المحلي، نظرًا للحجم الهائل للسلع المتدفقة من الخارج، والتي تتميز بأسعارها المنخفضة، ما يهدد المنتج المحلي ويجعله خارج إطار المنافسة. ولا يخفي الكريم أهمية الجانب الأمني الذي يلقي بظلاله على قطاع التصنيع، فالواقع الأمني الهش يؤثر على عمليات الشحن والنقل.
يلاحظ الكريم، أن هذه العوامل والتحديات تبطئ عجلة التصنيع وتعرقل الدورة الإنتاجية، كما أنها تحول قسمًا من المصانع إلى مستودعات تقفل أبوابها بعد خروج منتجاتها من المنافسة، لا سيما مع غياب سياسة واضحة ومحددة يفترض أن تتبعها الحكومة، إذ لا يمكن معرفة توجهاتها من حيث اعتماد دعم الصناعي، وتوفير البدائل للقوى الشرائية. يضاف إليها تعدد الجهات الحكومية المشرفة على عملية التصنيع، ما يعرقل هذا القطاع بسبب حالة الفوضى المترتبة عن تعدد الجهات وتضاربها.
صعوبة تطبيق مبدأ التنافسية
رغم أن وزارة الصناعة أكدت ارتكاز الرؤية الاقتصادية للحكومة على سوق حرة تنافسية، إلا أن تحديات المرحلة والتدهور الذي طاول الاقتصاد السوري على مدار السنوات الماضية، يجعل من تحقيق هذه الرؤية مهمة عصية على التطبيق الحقيقي.
وكان معاون وزير الاقتصاد حورية أشار إلى أن الرؤية الاقتصادية للحكومة اليوم ترتكز على سوق حرة تنافسية، مع توفير حماية مؤقتة للصناعة خلال مرحلة التعافي فقط؛ بهدف الوصول إلى صناعة سورية قادرة على المنافسة إقليميًا ودوليًا دون الحاجة إلى قيود حمائية، وقال: “نريد أن نخوض معركة التصدير، ويجب أن يخشى العالم من جودة المنتج السوري، لا أن نخشى نحن من المنتجات القادمة”.
في المجمل، يتعرض الاقتصاد إلى نكسات متسلسلة، يصعب في ظل استمرارها إطلاق اقتصاد حر تنافسي، لا سيما في ظل ارتفاع معدل التضخم، انخفاض القدرة الشرائية للمواطن، وسياسة تجفيف السيولة التي يتبعها المركزي، وإمكانية حصول بعض الفاعلين الاقتصاديين على عقود بالتراضي دون تطبيق مبدأي المنافسة وتكافؤ الفرص، فضلًا عن حالة عدم الانضباط التي تؤثر على تأمين الفرص المتساوية لجميع المواطنين.
المصدر : الترا سوريا

