الرئيسية » سوريا والعملة الجديدة.. هل كانت “موسكو” محطة الطباعة السرية؟
البنك المركزي السوري

سوريا والعملة الجديدة.. هل كانت “موسكو” محطة الطباعة السرية؟

بواسطة Younes

هند خليفة

في لحظة تترنح فيها سوريا بين تطورات الساحل السوري وما تحمله من نذر تصعيد أو انفراج، ومحاولات استعادة هيبتها النقدية وواقع اقتصادي يضغط بثقله على تفاصيل الحياة اليومية، يبرز إعلان المصرف المركزي عن العملة السورية الجديدة كخطوة تحمل بريق الوعود وغموض المخاطر في آن معًا.

ولم يأتِ القرار بوصفه تحديثًا تقنيًا عابرًا، بل كحدث سياسي واقتصادي واسع الدلالة، يتجاوز حدود تغيير ورقة نقدية إلى إعادة رسم خريطة النفوذ داخل واحدة من أكثر الملفات حساسية في الدولة.

السيادة النقدية والارتهان للخارج

بين خطابات رسمية تتحدث عن “السيادة النقدية” وواقع اقتصادي مطوق بالقيود والعقوبات والتدخلات الخارجية، يتقدم سؤال جوهري إلى واجهة المشهد، “هل كانت موسكو شريكًا في صناعة الليرة الجديدة؟”، لا من باب الدعم الصديق فحسب، بل بوصفها ركيزة أساسية في إعادة إنتاج النظام المالي السوري؟، حيث تتقاطع الأسئلة مع مخاوف الشارع، وتنهض الشبهات حول موقع الطباعة والجهة الممولة وحدود القرار الوطني.

في هذا السياق، قدم الخبير الاقتصادي يونس الكريم قراءة تحليلية معمقة لما وراء هذا التوجه، معتبرًا أن المؤتمر الصحفي الذي عقده حاكم المصرف المركزي، الأحد، بشأن طرح فئات نقدية جديدة وتغيير شكل الليرة السورية، جاء مشحونًا بالغموض ومفتقرًا للشفافية المطلوبة في مثل هذه العمليات النقدية المعقدة.

وقال إنه بينما كان الشارع السوري منشغلاً بالتطورات الميدانية المتسارعة، كان المصرف المركزي يمرر رؤية نقدية تهدف ظاهريًا إلى السيادة النقدية وباطنيًا إلى إعادة ترتيب أوراق اقتصادية تتداخل فيها المصالح الدولية والضغوط الاقتصادية.

الطباعة في موسكو.. الاحتمال الأقوى

حول التساؤل الجوهري الذي يفرض نفسه بشأن حقيقة استعانة سوريا بموسكو لطباعة العملة الجديدة، رجح الكريم وبقوة أن تكون روسيا هي الوجهة النهائية والأساسية التي احتضنت طباعة الورق النقدي السوري الجديد، فبالرغم من رفض حاكم المصرف المركزي الإفصاح صراحة عن مكان الطباعة خلال ظهوره الإعلامي، مكتفيًا بالإشارة إلى تلقي عروض دولية، إلا أن المعطيات والوقائع تشير إلى مسار محدد.

وكشف عن وجود عروض سابقة من دولة الإمارات العربية المتحدة وعرضين من ألمانيا، إلا أن العروض الألمانية اصطدمت بحواجز معقدة، حيث رفضت إحدى المطابع الألمانية المضي قدمًا في المشروع، بينما رفضت الحكومة السورية العرض الألماني الآخر بسبب ارتفاع التكاليف المادية، ناهيك عن دور العقوبات الدولية “الخفي” الذي لعب دورًا حاسمًا في تعثر هذه المسارات، وهو ما أدى في نهاية المطاف إلى العودة إلى الحليف الروسي، حسب تحليله.

كما أفاد بأنه تم وضع اللمسات الأخيرة وخطط الطباعة الكاملة خلال لقاءات جرت في شهر آب/ أغسطس الماضي، لتصبح موسكو هي الشريك الفعلي في إنتاج هذه الكتلة النقدية الضخمة التي قدرت الدراسات وزنها الورقي بما يتراوح بين عشرين وتسعة وعشرين طناً من الورق المطبوع.

إزالة الرموز القديمة بلا خطة اقتصادية واضحة

يرى الخبير الاقتصادي أن إزالة صور “الأسدين” عن العملة، وإن كانت تمثل في ظاهرها خطوة سيادية ضرورية لفك الارتباط برمزيات المرحلة السابقة، إلا أنها لم تتبع المسار الاقتصادي الأسلم، إذ كان من الأجدى سحب الفئات النقدية القديمة تدريجيًا وبشكل هادئ بانتظار تحقيق استقرار نقدي حقيقي، بدلًا من الدخول في مغامرة نقدية تعتمد على سياسة “الصدمة” التي تفتقر إلى المعلومات الدقيقة حول كميات الطبع وتوزيع الفئات.

وأشار إلى أن الفئات الثلاث التي أعلن عنها المصرف المركزي تشكل وحدها نحو 67 بالمئة من حجم الكتلة النقدية المتداولة بناءً على تقديرات بحثية سابقة، وهي كتلة ضخمة تتراوح قيمتها التقديرية بين 42 و60 تريليون ليرة سورية، مما يضع مصداقية المصرف المركزي على المحك في قدرته على ضبط التضخم ومنع انهيار القوة الشرائية، رغم التطمينات الرسمية المتكررة بأن هذه الخطوة لن تؤدي إلى موجة تضخمية جديدة.

وفيما يتعلق بآليات التبديل والضمانات الأمنية، انتقد الكريم غياب الضوابط الحقيقية لمنع عمليات الغش والتدليس والتزوير التي قد يقع ضحيتها المواطن العادي أثناء عملية الاستبدال، لافتًا إلى أن المصرف المركزي لم يضع معايير واضحة لمصدر الأموال أو سقوف التبديل للأفراد والشركات، مما يفتح الباب واسعًا أمام المتنفذين والمقربين من السلطة لتبديل مدخراتهم الضخمة بسهولة ويسر، بينما يواجه المواطن البسيط صعوبات لوجستية وأمنية.

ثغرات رسمية وثقة شعبية معدومة

كما فند ادعاءات المصرف المركزي بشأن حصر التبديل داخل الأراضي السورية لمنع دخول الأموال المهربة، مؤكدًا أن الواقع الميداني والحدود المفتوحة في درعا والقنيطرة والسويداء، وحركة السلاح والسلع عبر الحدود مع تركيا وشمال شرق سوريا، تجعل من هذه القيود مجرد كلام نظري يفتقر إلى آليات التنفيذ، حيث يمكن للأموال أن تتدفق مجدداً عبر ذات القنوات غير الرسمية التي تفتقر إلى الرقابة الصارمة.

وخلص الكريم إلى أن خطاب حاكم المصرف المركزي كان محاولة للإجابة على التساؤلات العامة التي تطرح على منصات التواصل الاجتماعي دون الغوص في العمق التقني والاقتصادي للأزمة، مما يعكس حالة من عدم الجاهزية أو غياب المعلومات الحقيقية لدى صانع القرار النقدي.

وشدد على أن النقد هو المعيار الأكثر حساسية لاستقرار الدول، وأن النجاح في استبدال العملة لا يتوقف على جودة الطباعة في موسكو أو غيرها، بل على بناء جسور الثقة المفقودة بين المواطن والمؤسسة النقدية، وهي الثقة التي لا يمكن ترميمها عبر إجراءات إدارية غامضة تفتقر إلى الشفافية والخطط الاقتصادية المتكاملة، ليبقى الاقتصاد السوري في مهب التجاذبات الدولية والارتهان للمتغيرات السياسية التي صاغت شكل الليرة الجديدة قبل أن تصيغ قيمتها الشرائية في الأسواق.

المصدر : موقع الحل

مقالات ذات صلة