تتزايد المؤشرات على أن فوضى اتخاذ القرارات في سوريا باتت تُلحق أضراراً تفوق أي مكاسب محتملة وهو التفسير الوحيد المتوفر حاليا حول تراجع الزخم والاهتمام بالاستثمار في سوريا .
آخر الأمثلة كان عبر تصريح لرئيس اتحاد غرف الصناعة في سوريا مازن ديروان الذي لم يحضر عن إعلان الهيئة العامة للمنافذ والجمارك عن توقيع اتفاقية “استراتيجية” لإدخال صناعة السفن إلى البلاد وفق معايير دولية.
حيث جاء بالتصريح : ” وقّع رئيس الهيئة، قتيبة أحمد بدوي، اتفاقاً مع شركة KUZEY STAR SHIPYARD – DENİZCİLİK SANAYİ VE TİCARET A.Ş التركية لإنشاء حوض سفن متكامل في مرفأ طرطوس بكافة أحجامها وأشكالها وفق المعايير الدولية، الاتفاقية تمنح الشركة بناء حوض سفن متكامل في مرفأ طرطوس وتشغيله، يشمل مختلف أعمال صناعة وبناء وصيانة السفن لمدة 30 عاما باستثمار يبلغ 190 مليون دولار خلال 5 سنوات
لكن هذا الإعلان يطرح سؤالاً أساسياً:
ما علاقة هيئة مختصة بالمنافذ البرية والجمارك بصناعة السفن، وهي صناعة ثقيلة تتبع لوزارات أخرى؟
اين وزارة الاقتصاد والصناعة، هئية الاستثمار ، وزارة النقل… من التوقيع؟
كل هذا يقود المستثمر والشركات الدولية والهئيات التمويل الدولية الى الاعتقاد :
-
غياب التخصّص المؤسسي :
عندما تتولى هيئة منافذ وجمارك توقيع اتفاق صناعي بحجم “حوض سفن”، فهذا يعكس تفككاً في هيكل الدولة، حيث لا تُحترم الصلاحيات ولا تُراعى الأدوار.
-
كلفة اقتصادية مباشرة :
فوضى الصلاحيات تؤدي إلى رفع الكلف الاقتصادية من خلال الفرص البديلة وهذا بسبب :
- غياب دراسات الجدوى الحقيقية.
- توقيع اتفاقيات بلا تقييم للمخاطر.
- تضارب بين الجهات الحكومية.
- ضعف القدرة على جذب استثمارات جدية.
- ارتفاع احتمالات الفساد بسبب غياب المساءلة.
- عدم معرفة كيف وما هي الشروط والفوائد وحدود الصلاحيات للشركات الجديدة .
بالتالي هذه المشاريع هي رسائل مفادها انها ” مشاريع تُعلن ولا تُنفّذ، أو تُنفّذ بشكل مشوّه، أو تُستخدم لأغراض سياسية لا اقتصادية”.
-
القرار الاقتصادي ليس اقتصادياً:
عندما تُسند مشاريع صناعية لجهات غير مختصة حسب احتياجات البلد ، فهذا يعني أن القرار لا يصدر من مؤسسات اقتصادية، بل من مركز سياسي ضيق يوزّع الملفات وفق الولاءات لا وفق الكفاءة، فهو يشير الة وصايا سياسية ، فالمستثمرين سوف يذهبون الى تركيا بدل الذهاب الى دمشق وهذا يفسّر لماذا تصبح الاتفاقيات “شكلية” أكثر منها “تنموية” ، وهذا ماحدث مع الصين و قبلها مع مستثمرين اوربيين .
وزير الاقتصاد د. نضال الشعار مستنكف عن العمل بالوزارة ؟
في ضوء هذا المشهد،يمكن قراءة موقف د. نضال الشعار بوصفه مؤشراً على خلل بنيوي في منظومة الحوكمة الاقتصادية، لا كتعبير عن اعتراض شخصي أو خلافات ظرفية. فجوهر الإشكال يتمثل في نمط صناعة القرار الاقتصادي، حيث تُنتَج السياسات خارج القنوات المؤسسية المعتمدة، وتُنقل إلى الوزارات بصيغة قرارات ملزمة دون المرور بسلسلة التحليل الفني، أو التنسيق الأفقي والعمودي، أو الالتزام بالتسلسل الإداري وحدود الاختصاص التي تشكل أساس الإدارة العامة الرشيدة. وفي هذا السياق، يفقد خطاب “بناء مؤسسات الدولة” صدقيته العملية، في ظل واقع تُهمَّش فيه المؤسسات، وتُفرَّغ الصلاحيات من مضمونها، وتُركَّز عملية اتخاذ القرار ضمن دوائر ضيقة، بينما تُختزل الوزارات إلى أذرع تنفيذية لا فاعلين سياساتيّين. إن هذا النموذج لا يعيق فقط كفاءة الأداء الاقتصادي واستدامته، بل يقوض أسس الإصلاح المؤسسي ذاته، ويطرح تساؤلاً جوهرياً حول طبيعة الدولة القائمة: هل هي دولة تسعى فعلاً إلى ترسيخ بنية مؤسسية حديثة، أم كيان يُدار عبر شبكات غير رسمية ومنظومات ولاء، بما يجعل أي حديث عن إصلاح أو انفتاح اقتصادي أقرب إلى خطاب سياسي تجميلي يفتقر إلى مرتكزات حوكمة حقيقية.
ان اتخاذ القرارت بات ليس فقط هو امر يتم خارج الوزارات بل بات يقوض الحكومة ويحولها الى شركة باسم دولة وهو شكل جديد وغريب بعالم الاقتصاد
الاتفاقيات ليست انفتاحاً… بل انعكاس للفوضى
على الرغم من الخطاب الرسمي الذي يروّج لما يُسمّى “الانفتاح الاقتصادي”، فإن المعطيات الواقعية تشير إلى مسار معاكس تماماً. فغياب سياسات اقتصادية واضحة ومعلنة يحرم الحكومة من إطار مرجعي تبنى عليه قراراتها، ويمنع المستثمرين من تطوير تصورات وسيناريوهات مستقرة يمكن الاعتماد عليها في بناء خطط طويلة الأجل. كما أن افتقار الدولة إلى مؤسسات مستقلة ذات أنظمة عمل واضحة، واستبدالها بشبكات علاقات فردية مرتبطة بمراكز القرار، يشكّل عاملاً طارداً بطبيعته للشركات الكبرى، ولا سيما تلك الخاضعة لرقابة صارمة من أنظمة دولها الأم.
الأكثر إرباكاً للمستثمرين هو غياب آليات المساءلة والحوكمة، إذ إن إعادة تدوير شخصيات مرتبطة بنظام الأسد إلى الواجهة الاقتصادية يضع أي نشاط اقتصادي منضبط أمام مخاطر عالية، بما في ذلك التعرض لعقوبات مباشرة أو غير مباشرة. وفي هذا السياق، تُصاغ القرارات الفعلية داخل دائرة سياسية ضيقة، بينما تُستخدم بقية المؤسسات كواجهات شكلية لإضفاء شرعية إجرائية على خيارات لم تمر عبر قنوات مؤسسية حقيقية.
بمعنى آخر، ما يجري ليس انفتاحاً اقتصادياً بالمعنى المتعارف عليه، بل إدارة مرتجلة للاقتصاد عبر اتفاقيات متفرقة وتوقيعات معزولة. فالانفتاح الحقيقي يفترض دولة مؤسسات، وقواعد شفافة، وسياسات قابلة للتنبؤ، لا دولة تُدار بمنطق الاستثناءات والعلاقات الشخصية.
اإن الاستمرار بهذا النهج من قبل أصحاب القرار لا يمثّل مساراً نحو الإصلاح أو الانفتاح، بل يعيد إنتاج بنية النظام السابق بآلياته ذاتها وأدواته نفسها، وهو ما يجعل المنظومة الاقتصادية والسياسية برمتها مرشحة مجدداً للعقوبات، سواء المباشرة أو غير المباشرة. ومع تصاعد الضغوط الاقتصادية وتآكل فرص النمو المشروع، تصبح بيئة العنف وعدم الاستقرار نتيجة شبه حتمية، لا استثناء عابراً. والأخطر أن هذا المسار يقوّض أي محاولة جادة لإعادة البناء، عبر إرساء نموذج حكم قائم على منطق “العصا والجزرة” بدل دولة القانون والمؤسسات، ما ينذر بسقوط ما يُحاول البعض ترميمه شكلياً، قبل أن تتوافر له أسس الاستدامة السياسية والاقتصادية.

