هند خليفة
تتشابك خيوط الأزمة السورية من جديد في مشهد جيوسياسي شديد التعقيد، حيث وضعت واشنطن “خطوطًا حمراء” أمام طموحات الحكومة السورية الجديدة بقيادة الرئيس أحمد الشرع، محذرة من مغبة الانزلاق نحو مواجهة عسكرية شاملة ضد قوات سوريا الديمقراطية “قسد” في شرق الفرات.
هذا التوتر الذي تصدر واجهة الأحداث، تفجر عقب تصريحات نارية أطلقها السيناتور الأميركي ليندسي غراهام، الحليف الوثيق للرئيس دونالد ترامب، هدد فيها بفرض عقوبات اقتصادية “أشد وطأة” من قانون قيصر إذا ما أقدم الجيش السوري على أي تحرك عسكري يستهدف المناطق الخاضعة لسيطرة الأكراد.
التلويح بعقوبات أقسى من قيصر
غراهام، وفي تدوينة له عبر منصة “إكس”، اعتبر أن لجوء النظام السوري الجديد إلى القوة العسكرية لن يزعزع استقرار المنطقة فحسب، بل سيعطي واشنطن صورة واضحة ومبكرة عن طبيعة هذا النظام وتوجهاته، مؤكدًا أنه سيبذل قصارى جهده لإعادة تفعيل العقوبات وتحويلها إلى أداة خنق اقتصادية لا تقبل الهوادة، مما يضع دمشق أمام اختبار حقيقي بين رغبتها في استعادة سيادتها الجغرافية وبين تجنب عزلة دولية خانقة قد تطيح بآمال التعافي المبكر.
وفي عمق هذا المشهد، كشفت تقارير استخباراتية نشرتها صحيفة “وول ستريت جورنال” أن الرئيس السوري أحمد الشرع يخطط بالفعل لعملية عسكرية واسعة النطاق ومتعددة الجبهات ضد “قسد”، مدعومة من الجيش التركي، في تحول استراتيجي يهدف إلى تصفية النفوذ الكردي في ريف حلب الشرقي والعبور نحو ضفاف الفرات الشمالية والشرقية.
هذا المخطط أثار قلقًا بالغًا في دوائر القرار الأميركي، حيث يرى مسؤولون في البنتاغون أن هجومًا من هذا النوع قد يشعل فتيل صراع أوسع يهدد القوات الأميركية المنتشرة في المنطقة، ويؤدي إلى انهيار التفاهمات الأمنية بين الشركاء الذين يقاتلون تنظيم “داعش”.
تحركات ميدانية ورسائل ردع
لعل المؤشر الأخطر في هذا السياق هو ما تضمنته تقارير الاستخبارات من خشية فرار آلاف الدواعش من السجون التي تحرسها “قسد”، في حال اضطر المقاتلون الأكراد لترك مواقعهم للدفاع عن أنفسهم أمام تقدم الجيش السوري، وهو سيناريو تعتبره واشنطن تهديدًا مباشرًا لأمنها القومي وللاستقرار الإقليمي الهش.

وعلى الأرض، لم تكتفِ واشنطن بالتحذيرات الدبلوماسية، بل ترجمت قلقها بتحركات ميدانية لافتة، إذ أكد المتحدث باسم القيادة المركزية الأميركية، تيم هوكينز، وصول تعزيزات وقوات عسكرية أميركية إلى منطقة “دير حافر” للقاء الشركاء الميدانيين، في خطوة فُسرت على أنها رسالة ردع واضحة لمنع أي تجاوز لخطوط التماس الحالية.
هذا التصعيد العسكري يرافقه تلويح مستمر بسلاح العقوبات، حيث هددت واشنطن صراحة بإعادة تفعيل “قانون قيصر” كأداة ضغط سيادية، وهو ما يفتح الباب أمام نقاش اقتصادي وقانوني محتدم حول فاعلية هذه العقوبات في ظل المتغيرات السياسية الراهنة.
العقوبات التنفيذية.. الخطر الحقيقي
في هذا الإطار، يقدم المحلل الاقتصادي يونس الكريم قراءة مغايرة وأكثر دقة لواقع العقوبات المتداولة، محذرًا من حالة الخلط الشعبي والإعلامي بين المفاهيم القانونية الدولية وبين الإجراءات الإدارية العابرة.
ويوضح الكريم في منشور له عبر منصة “فيسبوك”، أن الحديث عن “قانون قيصر” بشكله القديم بات يفتقر إلى المضمون العملي، خاصة وأن صفحاته الرسمية قد أُغلقت إجرائيًا، مما يجعل إعادة تدوير المصطلحات القديمة نوعًا من مطاردة الأشباح التي لا تخدم الواقع السوري.
ومع ذلك، ينبه الكريم إلى أن الخطر الحقيقي لا يكمن في “قيصر” بحد ذاته، بل في “العقوبات التنفيذية” التي يمتلك الرئيس الأميركي دونالد ترامب أو وزارة خارجيته صلاحية إعلانها بلمحة بصر وبزخم سياسي هائل.
وأكد أن هذه العقوبات الجديدة، في حال إقرارها، لن تكون مرتبطة بقيود “قيصر” البيروقراطية، بل ستكون إجراءات سريعة وحادة تهدف إلى تحقيق مكاسب سياسية فورية، مرجحًا هذا السيناريو بقوة إذا مضت دمشق في خياراتها العسكرية.
كلفة العقوبات على التعافي والاستثمار
بعيدًا عن ضجيج العقوبات الخارجية، يرى الكريم أن التحدي الأكبر يكمن في الداخل السوري، حيث تتبع الحكومة الحالية استراتيجية اقتصادية وميدانية محكمة تُعرف بسياسة “القضم” المنهجي، وهي محاكاة للتكتيكات الروسية السابقة التي تهدف إلى تحويل مناطق المعارضة والنفوذ الخارج عن الدولة إلى “جزر معزولة” ومفتتة اقتصاديًا ولوجستيًا.
وأوضح أن هذه السياسة تعتمد على التحكم في الموارد الأساسية وعصب الطاقة، مما يجعل من يملك القدرة على التخطيط الاستراتيجي هو المالك الفعلي لزمام الأمور في سوريا.

يشار إلى أن التهديدات بإعادة فرض عقوبات واسعة النطاق على سوريا تحمل مخاطرة مباشرة على أي مساعٍ لإنعاش الاقتصاد السوري أو جذب استثمارات خارجية، فالعقوبات المتشددة تؤثر على قطاعات حيوية كالطاقة والتمويل وتقويض عملية إعادة الإعمار.
ويظل بذلك المشهد السوري مرشحًا للتصاعد أو لتهدئة نسبية تبعًا لقرارات فاعلين إقليميين ودوليين، فإن خطوة عسكرية موسعة من قبل دمشق قد تعيد فتح ملف العقوبات كخيار رادع، بينما إن اختارت واشنطن والكونغرس ضبط النفس أو استغلال قنوات دبلوماسية، فالمعركة قد تبقى محتواة ضمن أطر تفاوضية.

