الرئيسية » هندسة الإفقار في سوريا بين جنون أسعار الكهرباء وخديعة الوعود الحكومية

هندسة الإفقار في سوريا بين جنون أسعار الكهرباء وخديعة الوعود الحكومية

بواسطة Younes

هند خليفة

تواصل الحكومة الانتقالية في سوريا فرض واقع مزدوج، بين وعودها الرسمية بقدرة إنتاجية متصاعدة واستثمارات كبرى من جهة، وفواتير مفاجئة تقرع أبواب السوريين بأرقام تفوق قدرتهم على الدفع من جهة أخرى، في ظل انسداد أفق العيش الكريم.

واستيقظ السوريون خلال الأيام الماضية على زلزال معيشي لم يكن في الحسبان، تمثل في أكبر قفزة لأسعار الكهرباء  في تاريخ البلاد الحديث، إذ لم تكن فواتير نظام التعرفة الجديدة مجرد أرقام تُسجل على ورق، بل كانت بمثابة صكوك إعدام اقتصادي لأسر لم تعد تملك من أمرها شيئًا.

خديعة الإصلاح

هذا الارتفاع الجنوني الذي أقرته الحكومة عبر وزراتي الطاقة والاقتصاد، لم يكن مجرد إجراء تقني لتغطية العجز، بل كشف عن هوة سحيقة بين وعود السلطة وواقع الناس، وعن خديعة كبرى غُلفت بمصطلحات “الإصلاح الهيكلي” و”الاستدامة”، بينما هي في جوهرها تجريد للمواطن من آخر حصونه المعيشية.

 

ويتجاوز المشهد اليوم مجرد أزمة طاقة، ليتحول إلى حالة من الفوضى العارمة التي تهدد بانفجار اجتماعي وشيك، وسط تساؤلات مشروعة حول الشفافية والمساءلة، والسيطرة المتنامية لشركات أجنبية ورجال أعمال مقربين من دوائر القرار على مستقبل الطاقة في البلاد، مما يضع السيادة الوطنية والعدالة الاجتماعية في مهب الريح.

وجاء الإعلان عن هذه القرارات كالصاعقة في توقيت مدروس بعناية لكسر إرادة الاستهلاك الشعبي، ففي الثلاثين من تشرين الأول/ أكتوبر، أصدرت وزارة الطاقة القرارين 686 و687، اللذين أعادا صياغة حياة السوريين من خلال هيكلة جديدة لتعرفة الكهرباء طالت كافة القطاعات دون استثناء.

شرائح فوق الاحتمال

هذا النموذج التسعيري الحاد، القائم على نظام الشرائح، ألقى بعبء مالي لا يطاق على كاهل الأسر والمشاريع الصغيرة التي كانت تحاول جاهدة البقاء فوق خط الفقر الذي وصل معدله إلى 90 بالمئة من السوريين بحسب الأمم المتحدة.

تدرجت هذه الشرائح من 600 ليرة سورية للكيلوواط الواحد للمستهلكين ذوي الدخل المنخفض، بذريعة وجود دعم بنسبة 60 بالمئة، لتصل إلى 1400 ليرة للأسر متوسطة الدخل والمشاريع الصغيرة، ثم تقفز إلى 1700 ليرة للقطاعات الحكومية والمصانع، وصولًا إلى 1800 ليرة للاستهلاك الكثيف.

ومع دخول هذه التعرفة حيز التنفيذ في مطلع تشرين الثاني/ نوفمبر، وبما أن دورة الفوترة تمتد لشهرين، وجد السوريون أنفسهم مع بداية عام 2026 أمام فواتير خيالية تعكس حجم المأزق الذي سقطوا فيه، في توقيت يمثل ذروة الاحتياج للتدفئة والمياه الساخنة، ما جعل الكهرباء ترفًا لا يقوى عليه إلا الأثرياء.

طعنات متتالية

لم يكن رفع سعر الكهرباء ضربة معزولة، بل جاء ضمن سلسلة من الطعنات المتتالية، فقبل القرار بأيام، كانت الحكومة قد رفعت سعر الخبز المدعوم إلى 4000 ليرة سورية، والسعر التجاري إلى 6000 ليرة، مع تقليص عدد الأرغفة في الربطة الواحدة.

واستهدفت هذه السياسة ركيزتي البقاء، الخبز والكهرباء، بينما في محاولة بائسة لتبرير هذا “الجنون السعري”، استعارت الحكومة لغة المؤسسات المالية الدولية وصندوق النقد، متحدثًة عن “تصحيح التشوهات السعرية” و”ضمان استمرارية الخدمة”، زاعمًة أن قطاع الكهرباء يستنزف مليار دولار سنويًا من ميزانية الدولة.

وبينما كان المسؤولون، ومن بينهم مدير الإعلام في وزارة الطاقة عبد الحميد سلات، يطمئنون المواطنين بأن الهدف هو إنقاذ القطاع من الانهيار، كانت الوعود بالإصلاح وتركيب ملايين العدادات الذكية تبدو كذر للرماد في العيون، إذ إن المواطن الذي لا يملك ثمن الخبز لا يكترث بذكاء عداد يسرق ما تبقى في جيبه.

تبرير رسمي وخصخصة مقنّعة

إن لغة التبرير التي تبناها وزير الطاقة محمد البشير، مدعومًا بوزير الاقتصاد نضال الشعار الذي اتهم الإدارات السابقة بمحاباة الشارع عبر “أسعار مصطنعة”، لم تعد تنطلي على أحد، حيث تتعالى الأصوات المطالبة بكشف التكاليف الحقيقية للإنتاج، ومعرفة أين تذهب أموال الدعم الخارجي التي تتدفق باسم الشعب السوري.

الحقيقة المرة التي تطل برأسها خلف هذه القرارات هي التمهيد الواضح لخصخصة قطاع الطاقة وتسليمه لقمة سائغة للاستثمارات الأجنبية، وتحديدًا التركية منها، ورجال الأعمال الذين بدأت محطاتهم الخاصة تظهر.

ومع وصول أولى الفواتير، انفجر الغضب الشعبي، إذ تراوحت القيم المطلوبة ما بين 600 ألف ليرة سورية وأكثر من مليوني ليرة، وهو رقم يتجاوز في كثير من الأحيان ضعف الراتب الشهري للموظف الذي لا يتجاوز مليونًا ونصف المليون ليرة، بينما يغرق المتقاعدون في عجز كامل وهم الذين لا تتجاوز رواتبهم المليون ليرة.

أسئلة بلا إجابات

في هذا السياق، يبرز صوت الخبير الاقتصادي يونس الكريم الذي فكك خطاب السلطة واصفًا إياه بالمبالغ فيه والمتناقض مع الواقع المرير.

الكريم أشار في منشور له عبر منصة “فيسبوك”، إلى أن حديث وزير الطاقة عن رفع القدرة الإنتاجية إلى 4500 ميغاواط، وزعمه بأن هذه الكمية تكفي لتغطية احتياجات المدنيين لـ 20 ساعة يوميًا، يفتح الباب أمام تساؤلات وجودية، إذا كان الإنتاج كافيًا وفائضًا.

وتساءل لماذا تستمر الأسعار في الارتفاع الجنوني؟، ولماذا يُحمل المواطن كلفة السوق السوداء بينما تُخصص محطات الدولة لمصالح ضيقة؟، مشيرًا إلى أن الإشكالية الكبرى تكمن في توزيع هذه الطاقة.

واستنكر قائلًا بينما يُترك المدنيون لنهب الفواتير المرتفعة، تُمنح التسهيلات والقدرات الإنتاجية لمحطات يملكها مستثمرون ورجال أعمال مثل “أولاد الخياط”، الذين يديرون قطاع الطاقة بمنطق الربح الصرف وعلى حساب الملكية العامة.

من دولة رعاية إلى دولة جباية

أكد  الكريم أن هذا التحول من “دولة الرعاية” إلى “دولة الجباية” لصالح أوليغارشية جديدة، يعكس اختلالًا بنيويًا في الأولويات، حيث تصبح مصالح الحفنة المرتبطة بالسلطة هي المحرك الوحيد للسياسات الاقتصادية.

ورأى أن الحديث الرسمي عن دعم يصل إلى 60 بالمئة هو محض خيال في ذهن المسؤولين فقط، مؤكدًا أن السوريون لا يلمسون هذا الدعم لا في ساعات التغذية المتقطعة ولا في الفواتير التي تلتهم مدخراتهم.

وقد أدى هذا الانفصال عن الواقع إلى حالة من التمرد الصامت والعلني في آن واحد؛ فالمواطنون يهددون اليوم بالامتناع عن الدفع، وإزالة العدادات، واللجوء إلى التوصيلات غير القانونية كفعل مقاومة أخير ضد القهر المالي.

وفي ظل صمت وزارة الطاقة وتجنبها تقديم إجابات شافية، تتعالى الأصوات المطالبة بالاحتجاج الميداني، كما دعا المحامي باسل سعيد مانع إلى وقفات احتجاجية تطالب بإلغاء هذه القرارات الجائرة، محذرًا من أن الصبر الشعبي قد نفد، وأن قصر الشعب ومؤسسات الحكومة لم تعد بمنأى عن غضب الجوعى.

المصدر : موقع الحل

مقالات ذات صلة