الرئيسية » فاتورة ثابتة وخدمة متقطعة.. تعرفة الكهرباء بين سد العجز وتكريس اللامساواة

فاتورة ثابتة وخدمة متقطعة.. تعرفة الكهرباء بين سد العجز وتكريس اللامساواة

بواسطة Younes

محمد كساح

أثار الارتفاع المفاجئ وغير المسبوق في فواتير الكهرباء موجة استياء واسعة في مختلف المحافظات السورية، بعدما وصلت قيمها إلى أرقام قياسية تجاوزت في العديد من الحالات مليونًا ونصف المليون ليرة سورية، في ظل تراجع حاد في القوة الشرائية للمواطنين، حيث لا يتجاوز متوسط الرواتب الشهرية نحو 90 دولارًا.

وكانت الآلية الجديدة لجباية تعرفة الكهرباء للمشتركين غير المخدومين بعدادات أحادية الطور قد أثارت موجة من الجدل والانتقادات، نظرًا لاعتمادها على تقدير افتراضي للاستهلاك في ظل خضوع التيار الكهربائي لبرنامج تقنين حاد، ما ينعكس سلبًا على عدالة التطبيق ويخلق فجوة بين المواطنين.

فاتورة ثابتة كل شهرين

وأعلنت مؤسسة الكهرباء أنه في إطار تنظيم آلية احتساب الاستهلاك الكهربائي للمشتركين غير المخدومين بعدادات أحادية الطور، ونظرًا لعدم توفر هذه العدادات حاليًا، أُقِرَّت آلية موحَّدة لتقدير الاستهلاك بما ينسجم مع تطبيق قرار التعرفة الكهربائية الجديد النافذ اعتبارًا من 1 تشرين الثاني/نوفمبر الماضي.

وبموجب التوجيهات المعتمدة، سيتم تقدير كمية الاستهلاك الكهربائي للمشتركين على التوتر المنخفض للأغراض المنزلية الذين لم تتمكن الشركات العامة للكهرباء من تركيب عدادات أحادية لاشتراكاتهم بمقدار 400 كيلوواط ساعي لكل دورة (شهرين)، وذلك في جميع الشركات العامة للكهرباء في المحافظات.

أثار الارتفاع المفاجئ وغير المسبوق في فواتير الكهرباء موجة استياء واسعة في مختلف المحافظات السورية

ويتم احتساب قيمة هذه الكمية المقدَّرة وفق التعرفة التالية: للمشتركين غير المعفيين من التقنين، يتم احتساب أول 300 ك.و.س. بسعر 600 ليرة سورية لكل ك.و.س.، و100 ك.و.س. المتبقية بسعر 1400 ليرة سورية لكل ك.و.س. أما للمشتركين المعفيين من التقنين فيتم احتساب كامل الكمية المقدَّرة 400 ك.و.س. بسعر 1700 ليرة سورية لكل ك.و.س.

ويُعمل بهذه الآلية اعتبارًا من الدورة السادسة لعام 2025، وذلك بشكل مؤقت إلى حين تأمين العدادات الأحادية وتلبية طلبات المشتركين كافة، بما يضمن عدالة احتساب الاستهلاك وتوحيد إجراءات العمل في جميع المحافظات.

حلّ واقعيّ مؤقت

وتعليقًا على ذلك، يشير الباحث في مركز عمران للدراسات، أيمن الدسوقي، خلال حديثه إلى الأرقام التي سبق وذكرها مدير عام المؤسسة العامة لنقل وتوزيع الكهرباء في سوريا خالد أبو دي، والتي قدَّرت عدد المشتركين الذين لا يملكون عدادات بحوالي مليون و200 ألف مشترك، أي ما نسبته 20% من إجمالي المشتركين.

ويضيف بأنه نظرًا لضعف القدرة على تأمين عدادات كهربائية تقيس حجم الاستهلاك الفعلي، ونقص عدد كوادر المؤسسة للكشف الدوري على هذه الشريحة، كان الخيار اللجوء إلى آلية تقديرية للاستهلاك الافتراضي كحلّ واقعيّ من شأنه أن يضمن تدفق موارد مالية (وسطيًا تزيد على 50 مليون دولار كل دورة في حال تحققت الجباية بشكل كامل عن جميع المشتركين) لسد العجز القائم ما أمكن ذلك، وتأمين متطلبات إنتاج الكهرباء من شراء موارد الطاقة وإصلاح الشبكة، إضافةً إلى دفع المعنيين بالأمر إلى تقييم اشتراكاتهم للكهرباء بما يساعد على حصر العدد الفعلي من المستفيدين من التغذية الكهربائية وتقليل الفاقد.

يعتقد الدسوقي أن الإشكالية في القرار تكمن في ضعف الشفافية في طريقة احتساب حجم الاستهلاك وطريقة الفوترة، والتركيز على مبدأ الجباية المالية أكثر من مسألة تحقيق العدالة في مبدأ التكليف بناءً على الاستهلاك الفعلي، فضلًا عن عدم وضوح الإطار الزمني لبقاء هذه الآلية. وهي أمور تشي بعدم وجود دراسة واقعية قائمة على معايير ومراحل زمنية لما تم إصداره.

ولفت إلى أن غياب سقف زمني واضح لإنهاء هذا الإجراء مردّه غياب خطة مصاغة بواقعية قابلة للقياس والتنبؤ، بمعنى أنه خلال فترة زمنية سيتم تأمين مليون عداد لنقل هؤلاء إلى آلية خارج هذه الآلية، ولكن يُترك الأمر لقضايا متعددة لا يمكن الركون إليها ومن الصعب قياسها، لا سيما فيما يتعلق بالمناقصات لشراء العدادات أو تأمين كادر كافٍ لتركيب العدادات.

آلية غير منصفة

من جانبه، يوضح الباحث ومدير منصة “اقتصادي” يونس الكريم خلال حديثه أن الآلية المطروحة لجباية تعرفة الكهرباء لا تكتفي بإثارة الجدل، بل تفتح بابًا واسعًا للتساؤلات حول منطق الفواتير وأهدافها الحقيقية، وكيف يُقاس الاستهلاك وتُحتسب التكلفة، وما إذا كانت هذه المنهجية تعكس عدالة في التطبيق أو مجرد توزيع جديد للأعباء على الفئات الأضعف.

كما أن غياب الشفافية في الإجراءات الحكومية يجعل هذه الآلية تبدو وكأنها تُكرّس فوارق بنيوية عميقة داخل المجتمع السوري، بدل أن تسهم في معالجتها. فالتعرفة الجديدة لا تُعامل المواطنين على قدم المساواة، بل تُظهر تباينات صارخة بين المناطق والشرائح، ما يطرح سؤالًا جوهريًا حول الغاية الفعلية من هذه السياسات: هل هي تنظيم قطاع الكهرباء أم إعادة إنتاج عدم المساواة بشكل رسمي؟

ويؤكد الكريم أن التعرفة الكهربائية الجديدة التي لا تنسجم مطلقًا مع مستوى دخل المواطن، جاءت بلا أي تمييز بين المنازل المتضررة وغير المتضررة. فالمواطن بات مُلزَمًا بدفع تكاليف ثابتة تقارب 320 ألف ليرة كل شهرين، رغم انتشار البطالة وتراجع القدرة الشرائية للمواطنين إلى مستويات غير مسبوقة.

ولا تقتصر تبعات هذه السياسة على سكان المدن فحسب، بل تمتد لتشكل عائقًا حقيقيًا أمام عودة الأسر المقيمة في الخيام، إذ سيُطلب منهم تحمّل هذه الرسوم حتى في ظل التقنين الشديد الذي تعاني منه الشبكة الكهربائية، ما يجعل التكلفة المفروضة منفصلة تمامًا عن مستوى الخدمة الفعلية.

ويشير الكريم إلى أن الآلية المُعلَن عنها تُحدث خللًا واضحًا في مبدأ العدالة بين المواطنين، إذ تُضعف معايير تقدير الاستهلاك الفعلي وتجعلها غير مفهومة لهم، وتفتح الباب أمام ممارسات التفاف من قبل كبار المستهلكين الذين قد يعمدون إلى إزالة العدادات والاكتفاء بدفع الكلفة الثابتة.

كما يربط الكريم غياب أي سقف زمني واضح لتطبيق هذه الآلية بعجز الدولة عن تأمين عدادات جديدة، وبفشلها في توليد كميات كافية من الكهرباء، بالتوازي مع عدم قدرتها على تحصيل التعرفة بشكل منصف. ويأتي ذلك في ظل غياب خطة تنفيذية متماسكة لدى وزارة الطاقة، التي ما تزال تعتمد حلولًا إسعافية متبدلة تبعًا لردود فعل المواطنين وإرضاءً للمستثمرين على حساب دورها في تقديم خدمة مناسبة على نحو عادل وتبنّي سياسة طاقة مستقرة بوصف ذلك جزءًا من مهامها الحكومية، وفقًا لما يؤكده الباحث يونس الكريم.

المصدر : الترا سوريا

مقالات ذات صلة