الرئيسية » موازنة 2026 في سوريا أرقام متضخّمة فوق اقتصاد ينهار

موازنة 2026 في سوريا أرقام متضخّمة فوق اقتصاد ينهار

بواسطة Younes

بينما يعيش السوريون واحدة من أقسى المراحل الاقتصادية منذ عقود، خرج وزير المالية معلناً أن موازنة عام 2026 ستكون “أكبر بثلاثة مرات” من موازنة 2024. تصريح صادم في بلد يتراجع فيه الإنتاج، ويتقلّص فيه الدعم، وتنهار فيه القدرة الشرائية إلى مستويات غير مسبوقة.

خصوصاً في ظل غياب أي بيانات رسمية أو مشروع قانون منشور يتيح التحقق من هذه الأرقام. ورغم أن موازنة 2024 بلغت نحو 35 تريليون ليرة التي كانت ، فإن تحويلها إلى الدولار عند سعر صرف يقارب 15 ألف ليرة لا يتجاوز 2.3 مليارات دولار، ما يجعل الحديث عن موازنة مضاعفة ثلاث مرات  أي 105 ترليون ليرة أي 9,5 مليار دولار ليكون أقرب إلى تضخيم رقمي منه إلى توسّع اقتصادي حقيقي بضوء انكماش نقدي وتقلص الدعم و البطالة و التضخم.

هذا التباين الصارخ بين الواقع الاقتصادي والأرقام المعلنة يجعل الزيادة المرتقبة أقرب إلى تضخيم محاسبي لا يعكس أي توسّع فعلي، خصوصاً في ظل الانكماش الاقتصادي والنقدي وتحرير الأسعار وتراجع القدرة الشرائية. فاقتصاد يفتقر إلى النمو ولا يملك أدوات إنتاج فعّالة لا يمكنه أن يفرز موازنة تتضخم بهذه الوتيرة إلا على الورق. ومن هنا يبرز السؤال الجوهري: أي منطق مالي يبرّر انتفاخ الموازنة بينما جميع المؤشرات الاقتصادية تتراجع؟ والأخطر من ذلك: هل نحن أمام موجة تضخّم جديدة سيدفع المواطن ثمنها مرة أخرى؟

اقتصاد منكمش وموازنة متضخّمة

تأتي هذه الزيادة المعلنة في وقت يشهد فيه الاقتصاد السوري واحداً من أسوأ مراحل الانكماش:

  • تقلّص الدعم الاجتماعي إلى مستويات غير مسبوقة، مع رفع أسعار المحروقات والكهرباء والخبز.
  • هجرة صناعيين وتصريحات علنية عن استعداد بعضهم لبيع معاملهم والخروج من البلاد.
  • انخفاض حجم العمالة الحكومية بما يقارب 40% نتيجة الهجرة والتقاعد دون تعويض.
  • تراجع القطاع الخاص إلى ما يقارب 30–35% من طاقته التشغيلية.

في ظل هذه المؤشرات، يصبح من غير المنطقي اقتصادياً أن ترتفع الموازنة بهذا الشكل، إلا إذا كانت الزيادة موجّهة إلى بنود لا ترتبط مباشرة بحاجات المواطنين.

استثمارات موجهة لا تنمية وطنية

القراءة المتأنية للسياسات المالية خلال السنوات الأخيرة تكشف أن بند “الاستثمار” لم يعد موجهاً لتحسين الخدمات أو دعم الإنتاج المحلي، بل أصبح أداة لتهيئة البنى التحتية لمشاريع تمنح لشركات أجنبية أو محلية مرتبطة بالسلطة، عبر عقود طويلة الأمد وامتيازات واسعة.

هذا التوجه يفسّر:

  • تضخم الموازنة رغم غياب الخدمات.
  • تركيز الإنفاق على مشاريع لا تعود بالنفع المباشر على المواطن.
  • مضاعفة أرباح الشركات المستفيدة على حساب المال العام.

نفقات غير معلنة ورواتب موازية

إلى جانب ذلك، تتضخم الموازنة بفعل نفقات غير شفافة تشمل:

  • رواتب ومكافآت “موظفي الظل” أصحاب الياقات الجدد من يقبض بالدولار .
  • شبكات النفوذ والولاءات داخل مؤسسات الدولة.
  • أجهزة ودوائر لا تخضع لرقابة مالية حقيقية.

هذه البنود، رغم عدم ظهورها في التفاصيل الرسمية، تشكل عبئاً كبيراً على المالية العامة.

تمويل عالي المخاطر: السندات والصكوك الإسلامية

تعتمد الحكومة بشكل متزايد على أدوات تمويل مثل السندات والصكوك الإسلامية حسب تصريحه.

ورغم أن هذه الأدوات شائعة عالمياً، إلا أن استخدامها في الحالة السورية يحمل مخاطر كبيرة:

  • السندات تعني تراكم دين عام في اقتصاد غير قادر على السداد.
  • الصكوك الإسلامية تعني مشاركة في الأصول العامة، أي شكل من أشكال الخصخصة المقنّعة.

بهذا المعنى، لا يجري تمويل الموازنة من موارد إنتاجية، بل من بيع المستقبل.

الموازنة المعلنة لعام 2026 لا تعبّر عن توسّع اقتصادي، بل عن تضخم محاسبي يخفي خلفه:

  • انكماشاً حقيقياً في الإنتاج.
  • تقلصاً في الدعم.
  • توسعاً في الامتيازات الاستثمارية.
  • اعتماداً خطيراً على أدوات تمويل تمسّ الأصول الوطنية والالتفاف على الدستور الذي لم ينتج بعد.

وفي ظل هذا الغياب الكامل للشفافية، يصبح من حق السوريين أن يطرحوا سؤالهم بصوت واضح: الأرقام لا تنقذ بلداً إذا كانت منفصلة عن واقعه. فهل ما يجري اليوم هو محاولة حقيقية لإنقاذ الاقتصاد، أم خطوة جديدة تدفع بالبلد نحو مزيد من الإغراق المالي والاجتماعي؟

مقالات ذات صلة