الرئيسية » التنفيذ.. ماذا بعد استلام حقول نفط الشمال الشرقي؟
النفط بين قسد وحكومة دمشق

التنفيذ.. ماذا بعد استلام حقول نفط الشمال الشرقي؟

بواسطة Younes

هند خليفة

في إطار بدء تنفيذ التفاهمات المعلنة بين دمشق و”قوات سوريا الديمقراطية”، شهدت محافظة الحسكة زيارة وفد حكومي فني ميداني إلى حقلي الرميلان والسويدية النفطيين، في خطوة وُصفت بأنها اختبار عملي لمرحلة ما بعد استلام حقول نفط الشمال الشرقي، ومحاولة لوضع أسس واقعية لإعادة إدماج هذه الثروة الاستراتيجية في الدورة الاقتصادية الوطنية.

وضم الوفد ممثلين عن وزارة النفط والثروة المعدنية ووزارة الداخلية إلى جانب كوادر فنية متخصصة، حيث ركزت الجولة على تقييم جاهزية البنية التحتية وحصر الأضرار الفنية ووضع تصور أولي لإعادة تفعيل الإنتاج وفق معايير تشغيل نظامية، بعيدًا عن الأساليب البدائية التي سادت خلال السنوات الماضية.

رسائل سياسية

خلال الجولة، شدد مسؤولون حكوميون على أن جميع العاملين الحاليين في الحقول سيبقون في مواقعهم الوظيفية، مع تعهدات بتحسين الأجور وشروط العمل تدريجيًا، في رسالة تهدف إلى طمأنة الكوادر المحلية ومنع حدوث فراغ تشغيلي قد يعرقل استئناف الإنتاج.

 

وأكدت التصريحات الرسمية أن عائدات النفط ستعود إلى خزينة الدولة باعتبار أن “النفط السوري لكل السوريين”، وأن إدارتها مركزيًا تمثل مدخلًا أساسيًا لمعالجة الاختلالات المالية وتحسين القدرة على تمويل الخدمات العامة.

وتأتي هذه الخطوة بعد إعلان دمشق أواخر كانون الثاني الماضي عن اتفاق شامل مع “قسد” تضمن وقفًا فوريًا لإطلاق النار، وتسليمًا تدريجيًا للمناطق والمؤسسات الحيوية، وفي مقدمتها حقول النفط والغاز، بما يعكس تحولًا لافتًا في مقاربة الدولة لملف الموارد الطبيعية بعد سنوات من فقدان السيطرة المباشرة على الجزء الأكبر منها.

بنية تحتية حيوية وأضرار متراكمة

يُنظر إلى حقلي الرميلان والسويدية بوصفهما حجر الأساس في هذه المرحلة، نظرًا لثقلها التاريخي والإنتاجي، إذ يضم حقل الرميلان أكثر من 1200 بئر نفط، وكان إنتاجه قبل الأزمة يناهز 30 ألف برميل يوميًا، فيما كان حقل السويدية، الذي يُعد من أقدم وأكبر الحقول السورية، ينتج نحو 116 ألف برميل يوميًا قبل عام 2011.

لا تقتصر أهمية هذين الحقلين على حجم الإنتاج فحسب، بل تمتد إلى دورهما الوظيفي في شبكة الطاقة الوطنية، حيث يشكل الرميلان عقدة لوجستية أساسية لربط أنابيب التجميع والنقل في شمال شرق البلاد، بينما يحتضن حقل السويدية محطات معالجة غاز وتوليد كهرباء كانت تغذي أجزاء واسعة من المنطقة.

غير أن سنوات النزاع والتدمير المتقطع ألحقت أضرارًا واسعة بهذه البنى، ما دفع الشركة السورية للنفط إلى تشكيل غرفة عمليات خاصة لمتابعة أوضاع الحقول وإعداد خطط تقنية لإعادتها إلى الخدمة ضمن شروط تشغيل آمنة ومستدامة.

توسّع رقعة الاستعادة النفطية

في موازاة ذلك، استعادت الحكومة الانتقالية خلال الأسابيع الأخيرة السيطرة على عدد من الحقول الرئيسية في ريف دير الزور والرقة، من بينها حقل “العمر” الذي كان ينتج قبل الحرب نحو 50 ألف برميل يوميًا ويضم قرابة 900 بئر، إضافة إلى حقول “التنك” و”الجفرة” و”العزبة”، فضلًا عن حقل الغاز الاستراتيجي “كونيكو”.

كما تسلمت الشركة السورية للبترول حقلي “الرصافة” و”صفيان”، في ما اعتُبر توسعًا تدريجيًا في رقعة السيطرة على الموارد الهيدروكربونية.

وتراهن الحكومة على أن تسهم هذه الاستعادة في رفع إنتاج النفط إلى نحو 100 ألف برميل يوميًا خلال عام 2026، مقارنة بنحو 30 ألف برميل فقط في عام 2023، مستندة إلى احتياطيات مؤكدة تُقدر بنحو 2.5 مليار برميل.

كما تستهدف الخطط الرسمية زيادة إنتاج الغاز الطبيعي إلى قرابة 15 مليون متر مكعب يوميًا خلال الفترة نفسها، بعد أن تراجع إنتاج الدولة من نحو 30 مليون متر مكعب يوميًا قبل 2011 إلى ما بين 9 و10 ملايين متر مكعب حاليًا.

فجوة الاستهلاك والاستيراد

يقر وزير الطاقة محمد البشير بأن الفجوة بين الإنتاج والاستهلاك ما تزال واسعة، إذ تحتاج البلاد إلى نحو 150 ألف برميل يوميًا من المشتقات النفطية لتغطية الطلب المحلي، في حين لا يغطي الإنتاج الحالي سوى أقل من ربع هذه الكمية، ما يفرض الاعتماد على الاستيراد الخارجي وتكرير الخام في مصفاتي بانياس وحمص.

وتشير تقديرات رسمية إلى أن حجم الاستيراد الشهري تجاوز 5 ملايين برميل، في مفارقة تعكس التحول الجذري مقارنة بما قبل 2011 حين كانت سوريا تصدّر نحو 150 ألف برميل يوميًا.

رغم الآمال المعقودة على استعادة الحقول، تواجه عملية إعادة التأهيل تحديات تقنية ولوجستية كبيرة، إذ تعرضت شبكات الأنابيب ومحطات المعالجة لأضرار جسيمة بفعل الحرب والضربات الجوية المتكررة، بما في ذلك قصف استهدف منشآت الغاز في السويدية خلال السنوات الماضية.

كما أن الاعتماد الواسع سابقًا على “الحراقات” البدائية أدى إلى تآكل سريع في العمر الإنتاجي للآبار، ما استدعى إغلاق مئات منها، إضافة إلى تضرر الطرق والخدمات اللوجستية والاضطرار إلى نقل الخام بالصهاريج بعد تعطل شبكات النقل.

وتبرز مسألة التكرير كعنق زجاجة إضافي، إذ تتركز المصافي الرئيسية في الساحل السوري بعيدًا عن مناطق الإنتاج الشرقية، ما يرفع تكاليف النقل ويحد من سرعة الاستجابة للطلب المحلي.

جدل الزمن والتعافي النفطي

مع ذلك، يرى خبراء أن استعادة الحقول تمثل فرصة حقيقية لتخفيف فاتورة الاستيراد وتعزيز الأمن الطاقي، وفي هذا السياق، يؤكد الخبير الاقتصادي زياد عربش أن عودة حقول الرقة ودير الزور إلى الإدارة المركزية ستنعكس مباشرة على ميزان المدفوعات وسعر صرف الليرة، كما أن توفير طاقة أقل كلفة سيدعم قطاعات الكهرباء والصناعة والزراعة.

وفي الإطار نفسه، أعلنت الحكومة عن وضع حجر الأساس لمحطة توليد كهرباء في دير الزور بقدرة ألف ميغاواط، في خطوة تهدف إلى ربط المناطق المنتجة للطاقة بعائدات مباشرة على شكل فرص عمل وتحسين في الخدمات، رغم استبعاد إقامة مصفاة نفطية في المحافظة، مقابل التركيز على جعل الساحل منصة رئيسية لتكرير النفط المحلي وتصديره إقليمياً.

ومع أن الحكومة تقدر أن الوصول إلى إنتاج 150 ألف برميل يوميًا قد يستغرق بين عامين وثلاثة أعوام، يرى الخبير الاقتصادي يونس الكريم أن هذا التقدير مبالغ فيه ولا ينسجم مع طبيعة الأعمال الفنية المطلوبة، معتبرًا أن جدولًا زمنيًا أقصر ممكن إذا توافر قرار سياسي بتسريع الإصلاحات وتخصيص اعتمادات عاجلة لإصلاح محطات الضخ والأنابيب وتفعيل عقود صيانة فورية.

ويشدد الكريم على أن الاتفاقات الموقعة مع شركات دولية يفترض أن تختصر الزمن وتدخل التكنولوجيا الحديثة، محذرًا من أن ترك الإجراءات التنفيذية رهينة البطء الإداري سيقوض فرص التعافي السريع، داعيًا في الوقت ذاته إلى شفافية كاملة في ملفات التشغيل والرقابة وإشراك خبراء مستقلين لضمان أن تتحول استعادة الحقول من حدث سياسي إلى مكسب اقتصادي مستدام.

المصدر : موقع الحل.

مقالات ذات صلة