مع كل إشراقة شمس ليوم جديد، يتلقى المواطن السوري قرارًا جديدًا يجعل الاستمرار في الحياة داخل سوريا أقرب إلى معجزة. الخوف من الغد لم يعد مجرد شعور عابر، بل تحوّل إلى قلق مزمن يولّد ضغوطًا نفسية، وأزمات اجتماعية واقتصادية متراكمة.
في السادس من شباط، أصدر قتيبة بدوي، وزير الهيئة العامة للمنافذ والجمارك، قرارًا يقضي بمنع دخول الشاحنات الأجنبية إلى الأراضي السورية، مع استثناء الشاحنات العابرة (الترانزيت).
من حيث المبدأ، فإن دعم الشحن السوري وتشغيلها مطلب وطني مشروع لا خلاف عليه. إلا أن تأثير القرار بصيغته الحالية جاء سلبيًا على الحركة التجارية أكثر مما هو إيجابي، ليس بسبب الهدف بحد ذاته، بل نتيجة آلية التطبيق الفورية وغير المدروسة، التي خلقت حالة من الإرباك الواسع في قطاعي الشحن والتجارة، وذلك للأسباب التالية:
-
صدور القرار دون إشراك أصحاب المصالح الأساسيين في أي مشاورات مسبقة، سواء غرف الصناعة والتجارة، أو وزارة النقل، أو الجمعية السورية للشحن والإمداد الوطني.
-
تضارب المصالح بين أطراف متعددة، ما أوجد حالة جدلية يكون فيها جميع الأطراف “على حق” من زوايا مختلفة، في ظل غياب رؤية تنظيمية شاملة.
-
الارتفاع الكبير في تكاليف التأمين على الشحنات، إضافة إلى خسائر أخرى مرتبطة بالاعتمادات المستندية، وتأخير عمليات التسليم.
كل ما سبق كان يستدعي تحديد معايير واضحة وأولويات تصب في مصلحة الاقتصاد الوطني، وتوسيع دائرة المشاركة في اتخاذ القرار عبر منظمات الأعمال والقطاع الخاص، بدل فرض إجراء أحادي جعل منع دخول الشاحنات غير السورية قرارًا جائرًا اقتصاديًا ولوجستيًا وفق آلية التطبيق المعتمدة.
ورغم محاولات بعض المسؤولين في الدولة العاملين في القطاع الاقتصادي تخفيف وقع الصدمة، عبر التأكيد أن الهدف من القرار هو حماية وتشغيل الشاحنات السورية، وهو هدف وطني مُحقّ يحظى بدعم العاملين في قطاع النقل والشحن، إلا أن هؤلاء المسؤولين أنفسهم انتقدوا – ولو بشكل ضمني – الوسيلة المعتمدة لتحقيق هذا الهدف.
إذ جرى فرض المناقلة الإلزامية داخل المنافذ البرية، في وقت تخرج فيه المرافئ البحرية عن الخدمة لأسباب متعددة، ما أدى إلى ارتفاع مباشر في كلف النقل إلى ثلاثة أضعاف ، إضافة إلى زيادة كلف التأمين والتخزين. كما ارتفعت مدة المناولة إلى ثلاثة أسابيع، مع تسجيل زيادة أسبوعية كل يوم يمضي مستمرة نتيجة تكدس الشاحنات المتوقفة عند المعابر الحدودية.

تكاليف الشحن بالاوقات العادية قبل القرار
ولا تقتصر آثار المناقلة على رفع التكاليف فحسب، بل تزيد أيضًا من مخاطر التلف والخسارة، ولا سيما للبضائع الغذائية والدوائية والبضائع الحساسة، وهو ما يتعارض مع أبسط قواعد السلامة اللوجستية.
كما أن إطالة زمن العبور والتخليص أدت إلى اختناقات غير مبررة في المنافذ، وأضعفت كفاءة سلاسل التوريد، في وقت تحتاج فيه السوق السورية إلى السرعة والانسيابية، لا إلى مزيد من التعقيد والإجراءات البيروقراطية، وهو ما يتناقض مع التوجه المعلن للحكومة نحو اقتصاد حر.
ورغم استثناء الشاحنات العابرة (الترانزيت) من القرار، إلا أن أثره العام يبعث برسائل سلبية إلى الأسواق الخارجية، وقد يدفع دولًا أخرى إلى اعتماد مبدأ المعاملة بالمثل تجاه النقل السوري، ما ينعكس سلبًا على الصادرات السورية وحركة التبادل التجاري.
ووفق ما نُشر سابقًا، فإن المجلس الأعلى للتنمية الاقتصادية كان قد بدأ بالاستحواذ على شركات الشحن العائدة لمجموعة القاطرجي وللإنشاءات العسكرية السورية، والتي تُقدّر بالمئات، ما يفتح الباب أمام تساؤلات مشروعة حول الخلفيات الاقتصادية الأعمق لهذه السياسات.
ويبقى السؤال الجوهري مطروحًا:
-
هل يتجه هذا القرار فعلًا نحو الانفتاح وتسهيل حركة التجارة، أم أنه يعيد تكريس نهج الانغلاق غير المباشر، ويزيد الأعباء التشغيلية على التاجر النظامي، لينعكس في نهاية المطاف على كلفة المعيشة للمواطن، عبر ارتفاع الأسعار وفقدان السلع، في ظل سياسات تجفيف السيولة والانكماش الاقتصادي؟
-
وهل سيحقق القرار دعمًا حقيقيًا للشاحنات السورية، أم أن هذا الدعم سيتم على حساب السوق والمستهلك، عبر تحميلهم أعباء إضافية؟
-
في الواقع، باتت المعابر اليوم شبه مغلقة بسبب تكدس الشاحنات، حتى حركة المسافرين تأثرت، في حين ارتفعت تكاليف الشحن بنسبة وصلت إلى 300%، ما يعني أن موجة تضخم جديدة وارتفاعًا في الأسعار باتت مسألة أيام.
وحتى في حال إلغاء القرار، فإن مفاعيل الإلغاء تحتاج إلى ما لا يقل عن شهر كامل لتختفي، أما الثقة بقرارات هيئة المنافذ والجمارك، ولا سيما لدى المستثمرين، فهي مسألة أطول زمنًا، ولا تُستعاد بسهولة

