الرئيسية » بين إعلان الحكومة وتحذيرات الخبراء.. ما حقيقة صفقة “ماستركارد” في سوريا؟

بين إعلان الحكومة وتحذيرات الخبراء.. ما حقيقة صفقة “ماستركارد” في سوريا؟

بواسطة Younes

هند خليفة

في خطوة تعكس تحولًا نوعيًا في مسار السياسة المالية السورية، عقدت وزارة المالية مؤخرًا اجتماعًا مع وفد إقليمي رفيع المستوى من شركة “ماستركارد” العالمية، تزامنًا مع توقيع وزارة الاتصالات وتقانة المعلومات مذكرة تفاهم تهدف إلى تعزيز البنية التحتية الرقمية والمالية في البلاد.

ويثير هذا الحراك الدبلوماسي والاقتصادي المتسارع تساؤلات جوهرية حول طبيعة هذه الشراكة، هل هي بداية حقيقية لإنهاء العزلة المالية التي عانى منها القطاع المصرفي السوري لعقد ونصف، أم أنها مجرد واجهة ترويجية تسبق القدرات التنفيذية الفعلية؟.

حوار استراتيجي طويل الأمد

وصف وزير المالية محمد يسر برنية اللقاء الذي اجتمع بوفد الشركة العالمية في دمشق، بأنه استمرار “لحوار عميق واستراتيجي” بدأ منذ المرحلة الأولى بعد التحرير، وبالتنسيق الكامل مع مصرف سوريا المركزي.

وأكد برنية أن المباحثات تركزت على أولويات مزدوجة المسار؛ أولها استراتيجي طويل الأمد يشمل بناء بنية تحتية مالية رقمية شاملة وتعزيز الشمول المالي المستدام، وثانيها عملي سريع يتعلق برقمنة الخدمات الحكومية والمدفوعات، وتمكين الشركات الصغيرة والمتوسطة، وإعادة بناء الثقة في المنظومة المالية الرسمية.

غير أن هذا الإعلان الرسمي الطموح، الذي تزامن مع توقيع مذكرة تفاهم مع “ماستركارد الشرق الأوسط وأفريقيا” بحضور وزير الاتصالات عبد السلام هيكل، قوبل بتدقيق نقدي حاد من قبل خبراء اقتصاديين يرون أن الفجوة بين الخطاب الرسمي والواقع المؤسسي لا تزال واسعة.

جاهزية البنية التحتية المالية قيد التساؤل

في هذا السياق، يرى الخبير الاقتصادي عامر شهدا أن الإعلانات المتتالية حول تفعيل بطاقات الدفع الدولية، سواء من “ماستركارد” أو “فيزا”، تطرح إشكاليات جوهرية تتعلق بالجاهزية الفعلية للبنية التحتية المالية السورية.

 يوضح شهدا في تحليل عبر منصة “فيسبوك” أن الاندماج في شبكات التسوية الدولية، وتلك المرتبطة بالدولار الأميركي تحديدًا، لا يتم بقرارات تنظيمية أو ورش عمل تقنية، بل يستند إلى متطلبات معقدة تبدأ بوجود حسابات “نوسترو” بالدولار لدى بنوك مراسلة دولية، وصولًا إلى القدرة على الوصول إلى أنظمة التسوية الأميركية الأساسية مثل “Fedwire” و”CHIPS” .

ويشدد على أن غياب هذه المقومات يحول أي خطوة نحو الدفع الرقمي الدولي إلى “اندماج وهمي”، حيث تطرح أدوات دفع للمستخدم النهائي دون أن تكون مدعومة بقنوات تسوية حقيقية.

رفع العقوبات وفتح سويفت

ألغى الكونغرس الأميركي بشكل دائم قانون “قيصر” في كانون الأول/ديسمبر الماضي، وهو القرار الذي أعاد فتح الباب أمام المصارف السورية للارتباط مجددًا بالنظام المالي الدولي.

كما أن مصرف سوريا المركزي أعلن رسميًا استئناف عملياته عبر نظام “سويفت” بعد انقطاع دام نحو 14 عامًا، في خطوة وصفها مصرفيون بأنها تمهيد لإعادة تفعيل العلاقات المصرفية الخارجية وتلبية متطلبات مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب وفق المعايير الدولية .

وتجاوزت الخطوات الجانب التقني إلى التطبيق الفعلي، حيث منحت “ماستركارد” ترخيصًا رسميًا لمجموعة QNB، أكبر مؤسسة مالية في المنطقة، لاستئناف أنشطتها في سوريا لأول مرة منذ 14 عامًا، مما يتيح للبنك تقديم حلول دفع ماستر كارد المقبولة محليًا ودوليًا للأفراد والشركات.

ويصف الرئيس الإقليمي لماستركارد لغرب الجزيرة العربية، آدم جونز، هذه الخطوة بأنها تعكس التزام الشركة المتعمق تجاه السوق السورية كمستثمر مبكر في سوق يمر بتحول جوهري، بهدف تمكين ملايين المواطنين من الوصول إلى الخدمات المالية الحديثة ووضع أسس نظام مدفوعات قوي ومستقبل يلبي المعايير التنظيمية والامتثالية الدولية.

الشكوك والتحذيرات الاقتصادية

غير أن هذا التفاؤل المؤسسي يقابله تشكيك من متخصصين في إدارة المخاطر، فقد وصف الباحث الاقتصادي يونس الكريم ما يجري بأنه يعكس “حالة من الارتباك المؤسسي والانفصال عن أولويات إدارة المخاطر”، في مرحلة بالغة الحساسية سياسيًا واقتصاديًا.

أشار الكريم في منشور له عبر منصة “فيسبوك”، إلى أن الخطاب الرسمي الصادر مؤخرًا بشأن “تفعيل” خدمات بطاقات الدفع الدولية مثل فيزا وماستر كارد يطرح تساؤلات جدية حول مدى إدراك صناع القرار لطبيعة ومتطلبات الاندماج الفعلي في النظام المالي العالمي.

وأوضح أن إدخال أدوات دفع رقمية دولية لا يرتبط بإجراءات تقنية معزولة أو بإعلانات تنظيمية، بل يستند إلى منظومة متكاملة من العلاقات المصرفية الدولية، تبدأ بوجود بنك مراسل معتمد، وتمر عبر إعادة الاتصال بمنظومة التراسل المالي العالمية مثل “سويفت”، وصولًا إلى تحقيق مستويات الامتثال المصرفي المطلوبة وفق المعايير الدولية الخاصة بمكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب، وهي متطلبات لا تزال موضع شك في الحالة السورية في ظل القيود التنظيمية والرقابية المفروضة.

الفجوة بين الطموح والواقع

أضاف  الكريم أن المشكلة لا تكمن في الطموح لتحديث أدوات الدفع أو تطوير البنية التحتية الرقمية، بل في الفجوة المتزايدة بين الخطاب الرسمي والواقع المؤسسي، حيث يتم الترويج لخطوات يُفترض أنها تعكس انخراطًا وشيكًا في النظام المالي الدولي، في وقت لا تتوافر فيه الشروط الأساسية لفتح قنوات مالية خارجية آمنة أو تنفيذ تسويات عابرة للحدود عبر النظام المصرفي الدولي.

وأشار إلى أن مثل هذه التصريحات لا تُقرأ ضمن السياق المحلي فقط، بل تُرصد أيضًا من قبل المؤسسات المالية الدولية وهيئات التقييم الائتماني، وقد تُسجَّل كمؤشر إضافي على هشاشة الجاهزية المصرفية السورية، ما قد ينعكس سلبًا على فرص استعادة الثقة وإعادة بناء علاقات المراسلة المصرفية مستقبلاً، ويُعقّد مسار العودة التدريجية إلى الأسواق المالية العالمية في مرحلة تتطلب أعلى درجات الواقعية والانضباط المؤسسي.

ويؤكد الخبراء المصرفيون أن رفع العقوبات هو “نقطة تحول”، لكنه سيكون “إعادة فتح تدريجية وليس إعادة ضبط فورية”، موضحين أن معظم بنوك المراسلة لا تزال حذرة ولن تعيد الانخراط إلا بعد وضوح الرؤية حول اتساق السياسات المالية السورية وثقافة الامتثال فيها.

وأكدوا أن الأولوية الآن هي استعادة الوصول إلى التسويات بالدولار واليورو، وأن هذه العملية تتطلب إثبات الجدارة من خلال تحديث أنظمة الدفع الأساسية، وتعزيز الحوكمة، والاستثمار في كوادر متخصصة بالامتثال، محذرين من مخاطر التسرع والانزلاق إلى نموذج “اندماج وهمي”.

المصدر: موقع الحل

مقالات ذات صلة