هند خليفة
في مشهدٍ يتقاطع فيه الطموح الحكومي المعلن مع ظلال من التشكيك والغموض، وقّعت وزارة الطاقة السورية، الأربعاء، اتفاقية مع شركة “مارف إينرجي” لتنفيذ مشروع لإنتاج الطاقة الريحية باستطاعة تصل إلى 700 ميغاواط، وهي خطوة قُدمت للرأي العام بوصفها قفزة استراتيجية نحو تأمين الطاقة المستدامة وتخفيف حدة الأزمة الكهربائية المزمنة التي تعصف بالبلاد.
إلا أن هذا الإعلان، الذي بدا في ظاهره إنجازًا وطنيًا يعتمد على الخبرات المحلية، سرعان ما اصطدم بجدار من التساؤلات العميقة التي طرحها خبراء ومراقبون حول هوية الشركة المنفذة، وجدواها الفنية، والارتباطات العائلية والاقتصادية التي تقف خلفها، ما يفتح الباب واسعًا أمام قراءة أعمق تتجاوز التصريحات الرسمية لتلامس بنية المصالح الاقتصادية الناشئة في ظل الأزمات.
الرواية الرسمية
تبدأ الرواية الرسمية من أروقة وزارة الطاقة، بتصدير الاحتفال بتوقيع الاتفاقية في مبنى الوزارة بالعاصمة دمشق بحضور وزير الطاقة السوري محمد البشير وعضو مجلس إدارة الشركة فاليرينا إلياس وممثلين عن الوزارة.

وأكد معاون الوزير المهندس عمر شقروق أن الاتفاقية تمثل محطة محورية في مسار تطوير القطاع، مشددًا على أن المشروع لن يقتصر على منطقة جغرافية بعينها، بل سيتم ربط إنتاجه بالشبكة العامة لتغذية كافة المحافظات، ومعتمدًا في ذلك على ما وصفه بالتعاون مع شركة “وطنية” متخصصة في تصنيع وتركيب العنفات الريحية.
وفي المقابل، رسمت عضو مجلس إدارة الشركة، فاليرينا إلياس، صورة متفائلة للمشروع، موضحة أنه سيعتمد على كوادر سورية مؤهلة وسينفذ في مصنع الشركة بمدينة حسياء الصناعية بمحافظة حمص، على أن يدخل الخدمة تدريجيًا عبر مراحل تمتد لما بين خمس وسبع سنوات.
الواقع الصناعي
لكن هذا التفاؤل الرسمي يصطدم بواقع تقني واقتصادي يشير إلى أن تصنيع توربينات ريحية قادرة على توليد 700 ميغاواط يتطلب بنية تحتية صناعية وتكنولوجية هائلة، لا تتوفر حاليًا في الأسواق المحلية التي تعاني من تهالك السلاسل الإنتاجية ونقص المواد الأولية والخبرات التخصصية الدقيقة في هذا المجال المعقد.
رغم هذه التصريحات الرسمية، إلا أن الأخبار المتعلقة باتفاقية “مارف إنرجي” أثارت جدلًا واسعًا بين المراقبين والخبراء، فقد ذكر بعضهم أن الشركة لم يكن لها أي وجود سابق معروف في قطاع الطاقة السوري.
وعلى الرغم من أن المواقع الإخبارية الحكومية أعلنت أن الاتفاقية وُقّعت بحضور وزير الطاقة محمد البشير والرئيسة التنفيذية للشركة فاليرينا إلياس، بحضور معاون الوزير عمر شقروق ورئيس مجلس إدارة “مارف إنرجي” وليد إلياس، إلا أنها لم توفر أي معلومات عن الشركة التي وقّعت الاتفاقية، ما يعكس أن هذه هي المرة الأولى التي يظهر فيها اسمها في عقود قطاع الطاقة.
معطيات تثير الشكوك
تثير هذه المعطيات تساؤلات بشأن مصداقية “مارف إنرجي”، وبالبحث المبسّط على الإنترنت لم يظهر لها أي موقع رسمي أو حساب على شبكات التواصل، وكذا غياب أي سجل لمشاريع أو إنجازات سابقة للشركة، وفق الباحث الاقتصادي محمد علبي.
وعلى الرغم من التسمية الفخمة، فإن البحث أيضًا كشف أن الشركة الوحيدة ذات اسم مشابه مسجلة في الإمارات هي شركة Marf Energy Contracting (ملكية فردية) مقرها أبوظبي تأسست عام 2013، وتُوصف بأنها مقاول متخصص في أعمال البناء (MEP) وحلول الكهرباء والطاقة المتجددة.
ولا يظهر أن لهذه الشركة سجل في مشاريع طاقة ضخمة أو في تصنيع توربينات الرياح، ويبدو من وصفها أنها تركز على أعمال تركيب أنظمة طاقة شمسية ومحطات تحويل كهرباء، ولم تقم بأي أعمال كبيرة تذكر.
شركة حديثة الولادة أم واجهة؟
كما يكشف البحث في السجلات الرقمية أيضًا أن نطاق موقع الشركة الإلكتروني لم يتم حجزه إلا في نيسان/ أبريل من عام 2024، ما يعني أنها كيان حديث الولادة، أُنشئ على عجالة ليكون واجهة لعقود ضخمة فيما بعد، وما يعزز هذه الشكوك هو المعلومات المتداولة حول كون “مارف إينرجي” ليست سوى ستار لشركة أخرى تنشط في مدينة حسياء تحت اسم “WDRVM”، المملوكة لرجل الأعمال وليد إلياس، وهو اسم يرتبط بشبكات نفوذ قديمة وشراكات اقتصادية أثارت الكثير من الجدل في حقبة ما قبل الأزمة وما خلالها.
وبحسب مراقبون فإن ظهور ابنة وليد إلياس، فاليرينا، في واجهة توقيع الاتفاقية، لا يترك مجالًا كبيرًا للشك في أن سوريا أمام عملية “إعادة تدوير” لرموز اقتصادية بأسماء تجارية جديدة، في محاولة للالتفاف على العقوبات أو لتجميل صورة استثمارات تفتقر في جوهرها لمعايير التنافسية والشفافية.
تعدّ هذه الفجوة بين الواقع الميداني والادعاءات الرسمية أحد أسباب الريبة، فحتى البنى الصناعية الوطنية في سوريا لم تظهر أنها قادرة على تصنيع توربينات ضخمة بهذا الحجم، ويركز النشاط المحلي حتى الآن على توربينات صغيرة.
غياب الشفافية
يقول خبراء أنّ تكلفة تركيب كل توربينة ريحية كبيرة تصل إلى نحو 10 ملايين دولار، ما يعني أن المشروع المتعاقد عليه سيكلف مليارات الدولارات، في وقت تعاني فيه البلاد شح التمويل ودورة اقتصادية ضاغطة.
ولم تُعلن وزارة الكهرباء حتى اللحظة عن أي مصدر تمويل خارجي أو شراكة أجنبية تحمل أعباء المشروع، كما غابت معلومات حول آليات الشراء والتمويل أو مدة تنفيذ المشروع، وفي هذا السياق انتقد الخبراء عدم طرح الاتفاقية لمناقصة عامة أو دعوة شفافة للمنافسة، مؤكدين أن غياب هذه الضوابط يفتح الباب للاتهامات بحصر الصفقة في أطراف محددة على حساب المصلحة العامة، بحسب الباحث الاقتصادي يونس الكريم.
الباحثون الاقتصاديون، ممن رصد تحليلاتهم “الحل نت” يشيرون بوضوح إلى أن غياب “الملاءة المالية” والخبرة الفنية الموثقة لشركة مسجلة في دولة الإمارات بلا تاريخ تجاري فعلي في قطاع الطاقة، يجعل من المشروع برمته عرضة للتشكيك.
وتساءلوا كيف يمكن لشركة مجهولة الهوية عمليًا أن تدير مشروعًا استراتيجيًا يتطلب استثمارات بمئات الملايين من الدولارات وتكنولوجيا فائقة التعقيد؟، ليقود هذا التساؤل بالضرورة إلى استنتاج مفاده أن العقد قد يكون وسيلة لحجز امتيازات طويلة الأمد على حساب الخزينة العامة، أو أداة لشرعنة تدفقات مالية بعيدًا عن رقابة المؤسسات الدولية والمحلية.
المصدر : موقع الحل.

