الرئيسية » مؤتمر ميونخ للأمن… الرواية الناقصة

مؤتمر ميونخ للأمن… الرواية الناقصة

بواسطة Younes

شهد مؤتمر ميونخ للأمن ظهوراً لافتاً جمع مظلوم عبدي وإلهام أحمد إلى جانب وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني، في مشهد حمل دلالات سياسية تتجاوز حدود البروتوكول التقليدي. فالمشهد لم يكن نتاج مصادفة أو خلل في التنسيق، بل جاء ضمن سياق إعادة تموضع محسوبة من مختلف الأطراف، في لحظة إقليمية ودولية شديدة الحساسية. وقد تزامن هذا الظهور مع المهلة التي حددها البيت الأبيض—تسعون يوماً—قبل اتخاذ موقفه النهائي من التعديلات المقترحة على قانون قيصر، ما منح الحدث بعداً إضافياً باعتباره جزءاً من اختبار سياسي تُقاس فيه قدرة الفاعلين على ضبط الأرض، وخفض التكلفة على المصالح الأميركية، وتقديم أنفسهم كشركاء يمكن الاعتماد عليهم.

في هذا الإطار، بدا المشهد رسالة موجّهة إلى واشنطن مفادها أن خطوط الاشتباك في سوريا قابلة للتحوّل إلى خطوط تفاوض، وأن الأطراف المحلية مستعدة للانضباط وفق متطلبات المرحلة. دمشق سعت من خلال المشاركة إلى تعزيز صورتها كدولة مركزية قادرة على استيعاب خصوم الأمس، فيما استثمرت قوات سوريا الديمقراطية في الظهور السياسي لتوسيع شرعيتها خارج الإطار العسكري وإعادة طرح نفسها كخيار قابل للتوظيف أميركياً. ورغم الهدوء الظاهر، فإن الخلافات البنيوية بين الأطراف بقيت معلّقة، وكل تقارب ظل مشروطاً بسقف زمني مرتبط بالقرار الأميركي المرتقب ، وأن  أطراف تدرك أن القرار الأميركي المقبل قد يعيد رسم موازين القوة في شمال وشرق سوريا والمنطقة ، وأن الظهور بمظهر الطرف المنضبط—ليس  المعرقل—بات عاملاً حاسماً في حسابات المرحلة المقبلة.

لماذا ظهر عبدي وإلهام أحمد مع الشيباني؟

جاءت الصورة التي خرجت من مؤتمر ميونخ للأمن، والتي جمعت مظلوم عبدي وإلهام أحمد إلى جانب وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني، كحدث بدا مفاجئاً للرأي العام السوري، لكنه في جوهره يعكس منطق «الأعدقاء»؛ أي خصوم تفرض عليهم موازين القوى لحظة تعاون مرحلي. لم يكن المشهد إعلان تقارب سياسي بقدر ما كان تعبيراً عن إدارة دقيقة للصورة في توقيت تخضع فيه الساحة السورية لرقابة أميركية مشددة خلال مهلة التسعين يوماً المرتبطة بملف قيصر. في مثل هذه الفترات، لا تُقاس المواقف بالتصريحات، بل بالسلوك والانضباط والقدرة على خفض المخاطر.

بالنسبة لـ«قوات سوريا الديمقراطية»، مثّل الظهور رسالة محسوبة إلى واشنطن مفادها أنها ليست مشروع انفصال، بل كيان قابل للاندماج ضمن ترتيبات سياسية أوسع، وقادر على ضبط خطابه وأدائه بما يتماشى مع المتطلبات الأميركية. اقتصادياً، يعني ذلك تثبيت موقعها كقوة أمر واقع لا يمكن تجاوزها في أي صيغة لإدارة الموارد أو إعادة هيكلة الإدارة المحلية في شمال وشرق سوريا. وقانونياً، يرسّخ الحضور المشترك في منصة دولية فكرة أنها طرف سياسي له صفة تفاوضية، ولو بصورة غير مباشرة.

أما دمشق، فقد تعاملت مع المشهد كفرصة لإعادة تأكيد صفتها السيادية، وتقديم نفسها كالدولة القادرة على استيعاب خصومها ضمن إطار وطني واحد، لا كسلطة في مواجهة كيان موازٍ. الرسالة إلى واشنطن كانت واضحة: أي تسوية يجب أن تمر عبر مؤسسات الدولة المركزية، وأن الحكومة هي الطرف الأقدر على ضمان الاستقرار وتقليل الكلفة الاستراتيجية. بذلك سعت إلى كسر سردية التشدد ورفض الحوار، وإظهار مرونة محسوبة دون تقديم اعتراف سياسي مستقل للطرف الآخر.

في المقابل، كانت الولايات المتحدة تتعامل مع المشهد بوصفه اختبار أداء. فخلال مهلة التسعين يوماً، تراقب واشنطن مؤشرات محددة: مستوى الالتزام بمكافحة «داعش»، فعالية ضبط الحدود، طريقة إدارة الموارد، وحجم التداخل مع النفوذ الإيراني. هذه المعايير تشكل أساس القرار الأميركي المقبل، سواء تعلق بتعديل آليات العقوبات أو إعادة ترتيب الشراكات في المنطقة، فالقرار الأميركي المرتقب لن يُبنى على النوايا المعلنة، بل على تقييم عملي لمن يملك القدرة الفعلية على ضبط الأرض وإدارة التوازنات في شمال وشرق سوريا.

جوهر الخلاف بين مظلوم عبدي وأسعد الشيباني

على الرغم من أن الصور التي التُقطت في مؤتمر ميونخ للأمن عكست أجواءً ودّية توحي بأن الأمور تسير ضمن إيقاع منضبط، فإن التباين الحقيقي لم يكن خافياً في التصريحات اللاحقة. خلف الابتسامات الدبلوماسية بقي الخلاف قائماً حول طبيعة الاتفاق المفترض، وحدود الصلاحيات، ومفهوم السيادة ذاته: هل نحن أمام إعادة دمج إداري، أم أمام تفاوض على صيغة حكم جديدة؟

أول مؤشرات التباين ظهرت في الجدل حول صفة المشاركة. إلهام أحمد، بصفتها الرئيسة المشتركة لدائرة العلاقات الخارجية في الإدارة الذاتية، برّرت الحضور بأنه استجابة لدعوة رسمية من إدارة المؤتمر، وهو ما أكده مظلوم عبدي. غير أن هذا التبرير يتعارض مع تصريحات سابقة لهما بعدم تولي أي منصب حكومي ضمن هيكل الدولة السورية. هنا يبرز البعد القانوني الدقيق: هل حضورهما كان بصفة ممثلين لكيان سياسي قائم بذاته نسبياً، أم بصفة فاعلين محليين يمكن استيعابهم ضمن السلطة المركزية؟ الفرق بين الصفتين ليس شكلياً، بل يمس مسألة الاعتراف الضمني والتمثيل السياسي.

أما الخلاف الأكثر وضوحاً فتمثل في التناقض العلني حول مطلب الحكم الذاتي. وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني صرّح بأن الأكراد لم يطالبوا بالحكم الذاتي، في إشارة إلى أن النقاش يدور ضمن إطار لامركزية إدارية موسعة لا أكثر. في المقابل، قال مظلوم عبدي إنه يريد “حكماً كردياً محلياً تحت أي مسمى”، مع حماية خصوصية المناطق وإدارتها ذاتياً. هذا التباين يعيد النقاش إلى جوهره: هل المطلوب توسيع صلاحيات المجالس المحلية ضمن نظام إداري قابل للتعديل، أم تثبيت كيان سياسي–إداري يتمتع بضمانات قانونية تمنع حله أو تقليصه بمرسوم مركزي؟

ما الذي يريده كل طرف فعلياً؟

– مظلوم عبدي يسعى إلى:

  • أي صيغة اعتراف سياسي، ولو تحت مسمى إداري.

  • تثبيت كيان إداري–سياسي مستقل نسبياً ضمن الدولة.

  • ضمان عدم حل الإدارة الذاتية أو استبدالها بقرار مركزي مفاجئ.

– أسعد الشيباني / دمشق يسعيان إلى:

  • توسيع اللامركزية ضمن سوريا كوحدة سياسية واحدة.

  • رفض الاعتراف بكيان سياسي مستقل.

  • قبول إدارات محلية موسعة، لكن:

    • قابلة للتعديل،

    • قابلة للإلغاء،

    • خاضعة للسلطة المركزية.

بمعنى آخر، تريد دمشق تحويل الإدارة الذاتية إلى “إدارة محلية كبيرة”، بينما تريد «قسد» تثبيتها كحالة سياسية ذات ضمانات دائمة. لذلك، فإن الخلاف ليس تقنياً يتعلق بتفاصيل الصلاحيات، بل وجودي يتعلق بتفسير السيادة ومصدر الشرعية.

البعد الاستراتيجي لما بعد مهلة التسعين يوماً

كل طرف يحشد أوراقه استعداداً لما بعد مهلة التسعين يوماً المرتبطة بملف العقوبات. غير أن دمشق، وفق مؤشرات عدة، لم تعد تنظر إلى رفع العقوبات بوصفه الجائزة الكبرى التي تستحق تقديم تنازلات بنيوية. فبعد إعادة ترتيب القواعد العسكرية في شمال شرق سوريا، ونقل عدد من مقاتلي «داعش» الخطرين إلى العراق، باتت الحكومة السورية ترى أن الحاجة إلى التحالف الدولي قد تتراجع تدريجياً، وأن الملف يمكن أن يتحول من إطار “مكافحة الإرهاب” إلى نزاع داخلي سوري يُدار عبر مسارات قانونية وسيادية مختلفة.

في المقابل، تحاول «قسد» التأكيد أن المعركة ضد «داعش» لم تنتهِ، وأن أي تقليص لدورها سيخلق فراغاً أمنياً، خاصة في ظل ملفات حساسة مثل مخيم الهول. فهي تسعى إلى منع توصيف الصراع باعتباره خلافاً داخلياً صرفاً بين حكومة ومكونات إثنية، لأن هذا التحول يسحب منها ورقة الشراكة الأمنية الدولية.

اقتصادياً، تبدو حسابات دمشق أكثر تعقيداً. فالعقوبات، رغم أثرها الضاغط، وفرت أيضاً سردية سياسية تُحمَّل عليها أزمات الفقر والفساد. ومع الحديث عن تعديلات محتملة، باتت الحكومة أمام معادلة مختلفة: رفع العقوبات قد لا يكون مكسباً صافياً إذا ترافق مع شروط سياسية وأمنية مرتفعة الكلفة. كما أن قانون قيصر، بصيغته الحالية، لم يعد مجرد أداة ضغط خارجي، بل أصبح جزءاً من معادلة داخلية تُعاد صياغتها.

في المحصلة، التناقض في التصريحات لم يكن زلة إعلامية، بل انعكاساً لصراع عميق على تعريف الكيان السياسي في شمال وشرق سوريا. الصورة المشتركة في ميونخ أظهرت إدارة للخلاف، لكنها لم تقترب من حسمه. وما يجري اليوم ليس خلافاً على آلية إدارية، بل تفاوضاً على شكل الدولة نفسها: هل هي دولة مركزية بلامركزية موسعة، أم دولة تعترف بكيان سياسي مستقر داخلها؟ الإجابة مؤجلة إلى ما بعد القرار الأميركي، لكن الصراع على تفسيرها بدأ فعلياً.

قانون قيصر كخلفية للصراع

يمثّل قانون قيصر الخلفية القانونية الأبرز التي تتحرك فوقها اللقاء حكومة دمشق مع باقي المكونات السورية ومنها قسد، إذ لا يُعدّ القانون مُلغى أو معدّلاً ما لم يوقّع الرئيس الأميركي رسمياً على أي تغيير، ما يجعل مهلة التسعين يوماً الحالية مساحة اختبار سياسي واقتصادي وسلوكي لجميع الفاعلين.

 في هذه الفترة، يسعى كل طرف إلى تقديم نفسه كشريك موثوق أمام واشنطن، وإظهار الطرف الآخر كعنصر معطّل، مع محاولة كسب حلفاء جدد عبر تكثيف التصريحات واللقاءات الرمزية التي توحي بـ«حسن النية».

وفي هذا السياق تحديداً جاء الظهور المفاجئ لمظلوم عبدي وإلهام أحمد إلى جانب وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني في ميونخ؛ فـ«قسد» أرادت تأكيد استعدادها للحلول السياسية ونفي أي نزعة انفصالية، بينما سعت دمشق إلى الظهور كدولة قادرة على استيعاب خصومها ضمن إطار سيادي واحد.

أما واشنطن، فكانت تراقب الطرفين بدقة، مدفوعة بعوامل تعقّد قرارها: استمرار النفوذ الإيراني، عودة نشاط داعش بما يمنح «قسد» ورقة قوة، هشاشة البيئة الإقليمية الممتدة من العراق إلى الحدود الأردنية، ورغبتها في اختبار التزام الأطراف قبل اتخاذ قرار استراتيجي كبير. وهكذا يصبح مشهد ميونخ جزءاً من معادلة أوسع، حيث تُستخدم الرمزية السياسية كأداة تفاوضية في ظل قانون عقوبات يشكّل أحد أهم مفاتيح إعادة تشكيل موازين القوة في سوريا.

وبالتالي، يبقى المشهد السوري محكوماً بمعادلة لم تُحسم بعد: فلا شيء نهائي قبل توقيع الرئيس الأميركي على أي تعديل يتعلق بقانون قيصر، ولا يمكن التعامل مع القانون باعتباره ملغى أو متراجع الفاعلية ما دامت واشنطن لم تُصدر قراراً رسمياً. كما أن عاملَي إيران و«داعش» يفرضان تجميداً موضوعياً على أي اندفاعة سياسية كبيرة، إذ يشكّلان عنصرَي عدم يقين لا تستطيع الولايات المتحدة تجاهلهما في حسابات الأمن الإقليمي. وفي ظل هذا الانسداد، تبدو المنطقة مرشّحة لاهتزازات محدودة أو «حرب صغيرة» قد تلجأ إليها حكومة دمشق لتعديل شروط التفاوض والخروج من بوتقة المزاد الذي فرضه قيصر، بعدما وجدت أنها تدفع ثمناً أكبر بكثير مما تحصّل عليه فعلياً من مكاسب سياسية أو اقتصادية. هكذا يصبح المشهد أقرب إلى إعادة توزيع أوراق تحت سقف العقوبات، لا إلى تسوية نهائية، فيما ينتظر الجميع القرار الأميركي الذي سيحدد اتجاه الريح في المرحلة المقبلة.

مقالات ذات صلة