تم تداول معلومات تشير إلى أن الحكومة السورية، ممثلة بوزارة المالية والبنك المركزي، حققت إنجازًا مهمًا بإدراج حساب لدى البنك الفيدرالي الأمريكي، وهو تطور يُحسب لها ويستحق التقدير على الجهود المبذولة لإتمامه بسرعة قياسية.
مع ذلك، يبرز جانب حساس يتعلق بكيفية عرض هذا الإنجاز للرأي العام. هناك محاولة من الحكومة والصحافة المؤيدة لها لإيهام السوريين بأن فتح الحساب يعني تلقائيًا تفعيل نظام SWIFT بشكل كامل عبر الولايات المتحدة، بينما الحقيقة أكثر تعقيدًا.
شبكة SWIFT مقرها بروكسل، ويتم التحكم في أدوات النفوذ عليها عبر آليات متعددة، ولا يقتصر دور الولايات المتحدة على “تفعيل الحساب” بشكل تلقائي. فتح حساب لدى الاحتياطي الفيدرالي لا يساوي إعادة ربط المصارف السورية مباشرة بشبكة SWIFT.
بعبارة أوضح: الحساب – إن وجد – هو أداة تسوية مالية بالدولار، وليس مفتاح العودة الفورية للنظام المصرفي العالمي.
لذلك، ما يُقدَّم على أنه إنجاز كامل يحتاج إلى فهم أعمق للتقنيات المالية الدولية، ويجب النظر إليه كخطوة ضمن منظومة أكثر تعقيدًا تتعلق بالتحويلات الدولية والرقابة المالية، وليس كإعادة اندماج فوري في النظام المصرفي العالمي.
ماذا يعني فتح حساب لدى البنك الفيدرالي الأمريكي؟
فتح حساب لدى البنك الفيدرالي الأمريكي ليس حسابًا تجاريًا يمكن استخدامه للشركات أو الأفراد، بل هو حساب تقني وسيادي مخصص للبنوك المركزية والحكومات لإدارة احتياطاتها المالية بالدولار وتسوية المدفوعات السيادية. استخدام هذا الحساب يقتصر على الأغراض السيادية، ويمكن تلخيص فوائده وآلية عمله كما يلي:
- إدارة الاحتياطيات الأجنبية: ويتم به:
- قبل فتح الحساب:كانت الدولارات السورية مودعة لدى بنوك وسيطة، سواء تجارية أو مركزية، مما جعلها معرضة للتجميد بسبب العقوبات وصعبة التحريك بسرعة عند الحاجة.
- بعد فتح الحساب: تصبح الدولارات مودعة مباشرة داخل النظام المالي الأمريكي، ما يتيح تحريكها بسرعة وبشكل رسمي، بالإضافة إلى إمكانية استثمارها في سندات خزانة قصيرة الأجل وأدوات نقدية منخفضة المخاطر.
النتائج العملية لهذا الحساب تشمل:
معظم الاحتياطيات السورية، إذا تم تحويلها أو إيداعها في حساب لدى النظام المالي الأمريكي، ستتجه نحو الأصول الرسمية الأمريكية وسندات الخزانة قصيرة الأجل. هذا يعزز مستوى الثقة بها من الناحية الأمنية والاستثمارية، لكنها تفقد جزءًا من المرونة، لأن البنك المركزي السوري لن يمتلك حرية كاملة في إدارة هذه الأموال، وسيكون الأمر خاضعًا لوصاية النظام المالي الأمريكي وشروطه القانونية والتنظيمية.
بالتالي، يمكن القول إن سوريا تدخل مرحلة استكمال الاندماج في الاقتصاد الرأسمالي العالمي، عبر وضع الاحتياطيات في أصول رسمية أمريكية أو سندات حكومية قصيرة الأجل.
إضافة إلى ذلك، تضمن هذه الخطوة سيولة مالية آمنة وقابلة للاستثمار في الأسواق المفتوحة وفق أدوات الاستثمار الأمريكية المعتمدة.
-
تسهيل المدفوعات الحكومية الدولية
الحساب لدى البنك الفيدرالي الأمريكي يتيح للحكومة السورية تسوية الديون الخارجية والسندات الحكومية بالدولار مباشرة عبر نظام الدفع الفيدرالي(Fedwire) ، مثل:
- سداد ديون خارجية أو مستحقات لدى دول أو مؤسسات دولية.
- تمويل شراء مواد استراتيجية أو مشتريات حكومية عبر قنوات مصرفية رسمية.
ملاحظة مهمة:
أي معاملات لصالح دول أو كيانات خاضعة للعقوبات، مثل روسيا أو إيران، ستظل مقيدة بالقوانين الأمريكية. هذا يقلل من مرونة الحكومة في استخدام الحساب لإجراء صفقات ثنائية أو تسويات خارج نطاق المؤسسات المالية الرسمية أو الدول الكبرى التي تفرض شروطًا صارمة او حتى الحصول على قروض من دول أخرى بشكل ثنائي .
-
إعادة بناء الثقة الدولية بالمصرف المركزي
- وجود الحساب يعكس انفتاحًا جزئيًا للنظام المصرفي السوري على النظام المالي العالمي، وقد يشكل إشارة إيجابية للمستثمرين الدوليين والبنوك المراسلة.
- الحساب قد يساعد مستقبليًا في إعادة ربط المصارف السورية بشبكة SWIFT الدولي إذا توفرت الضمانات القانونية والامتثال المصرفي ومتطلبات مكافحة غسل الأموال.
مع ذلك، يبقى خطر عودة العقوبات قائماً بسبب:
- الهشاشة الأمنية.
- غياب العدالة الانتقالية.
- ضعف الشفافية وتغول بعض الشخصيات الاقتصادية والسياسية.
لذلك، وجود الحساب لدى البنك الفيدرالي الأمريكي يُعد عاملًا محفزًا يمكن أن يشجع على تفعيل شبكة SWIFT وربط المصارف السورية بالنظام المالي الدولي، لكنه ليس العامل الرئيسي أو الكافي لإعادة الاندماج الكامل، إذ تبقى العوامل القانونية والسياسية، مثل رفع العقوبات والامتثال المالي، هي المحدد الأساسي للعودة.
-
استقرار سعر الصرف الداخلي:
- إيجابيات:وجود احتياطيات قابلة للإدارة بالدولار يمنح مصرف سوريا المركزي أداة فعالة لدعم سعر الصرف المحلي، من خلال التحكم في التدفقات بالدولار وتحريك السيولة عند الحاجة. هذا الأمر مهم بشكل خاص في مواجهة التضخم وتقلبات السوق غير الرسمية للدولار.
- التحفظات والمخاطر:من ناحية أخرى، قد يؤدي وضع الاحتياطيات في أصول رسمية أمريكية وإدارتها وفق القوانين العالمية إلى تقييم سعر الدولار بما يعكس قيمته الحقيقية، مما قد يتسبب في انخفاض إضافي لقيمة العملة السورية على المدى القصير قبل أي استقرار محتمل.
مثل الحساب لدى البنك الفيدرالي الأمريكي خطوة تقنية مهمة لسوريا في إدارة احتياطياتها بالدولار بشكل رسمي وآمن، وتسوية المدفوعات الحكومية والسندات الدولية، وإرسال إشارة إيجابية للقطاع المصرفي الدولي بأن المصرف المركزي قادر على التعامل مع النظام المالي العالمي.
مع ذلك، يبقى هذا الحساب أداة سيادية محدودة: فهو لا يتيح للقطاع الخاص أو الشركات السورية استخدامه مباشرة لإجراء حوالات تجارية أو الحصول على ائتمانات، إذ يجب المرور دائمًا عبر البنوك المراسلة أو القنوات الرسمية.

