حسن المروان حراج
قبل عام 2010 كان شعار (حماية الصناعة الوطنية) حاضراً في الخطاب الاقتصادي، لكن في سياق مختلف تماماً عن السياق الذي يُطرح فيه اليوم فمع بداية الألفية شهد الاقتصاد السوري انفتاحاً جزئياً تضمن تخفيض بعض الرسوم الجمركية وتشجيع الاستثمار الخاص وتسهيل استيراد المواد الأولية اللازمة للإنتاج الصناعي، ما خلق نقاشاً وقتها داخل الأوساط الاقتصادية بين اتجاهين:
- صناعيون يطالبون بمزيد من الحماية من المنافسة الخارجية، خصوصاً من المنتجات التركية والصينية وغيرها.
- اقتصاديون يرون أن الانفتاح والمنافسة هما الطريق لتحسين الكفاءة ورفع القدرة التنافسية وفق مبدأ اقتصاد السوق الحر.
ومع ذلك كان هذا النقاش يدور حول قطاع صناعي قائم فعلاً وله وزن معتبر في الاقتصاد حيث كانت الصناعة تشكل أكثر من ربع الناتج المحلي تقريباً عام 2010 وكانت الصادرات الصناعية تتجاوز 5 مليارات دولار سنوياً، أي أن الجدل كان يدور حول كيفية إدارة العلاقة بين الانفتاح والحماية في اقتصاد يمتلك قاعدة إنتاجية وصناعية وزراعية حقيقية.
بعد أكثر من 14 عاماً من الحرب التي دمرت القاعدة الاقتصادية والصناعية عاد النقاش بقوة حول ضرورة ( حماية الصناعة الوطنية) لكن هذا النقاش غالباً ما يتجاهل حقيقة أساسية وهي أن الاقتصاد السوري نفسه تغير جذرياً فالناتج المحلي للبلاد تقلص بأكثر من 66٪ مقارنة بما كان عليه قبل عام 2011، وتراجعت مساهمة الصناعة التي كانت تشكل نحو ربع الاقتصاد تقريباً إلى مستويات تقل في بعض التقديرات عن 10٪ من الناتج المحلي وتشير تقديرات صناعية إلى أن ما بين 60٪ و70٪ من المنشآت الصناعية تعرضت للتدمير أو التوقف خلال سنوات الحرب، كما انتقل آلاف الصناعيين السوريين إلى الخارج وأعادوا تأسيس مصانعهم في دول مجاورة، بالإضافة يشير تقديرات البنك الدولي إلى أن تكلفة إعادة إعمار الاقتصاد السوري قد تصل إلى 216 مليار دولار أي عدة أضعاف حجم الاقتصاد الحالي.
هذه الأرقام الصادمة تكشف أن النقاش حول حماية الصناعة الوطنية يجري في سياق اقتصادي مختلف تماماً عن الماضي، ويكشف ثلاث مفارقات أساسية في التفكير الاقتصادي الحالي:
- أولاً، نحاول حماية صناعة تراجعت قاعدتها الإنتاجية إلى حد الكارثي بينما التحدي الحقيقي هو خلق صناعات جديدة.
- ثانياً، الاقتصاد يحتاج لتدفق واسع من الاستيراد والاستثمار والتكنولوجيا، بينما يدعو الخطاب الرسمي إلى تقليص الاستيراد.
- ثالثاً، السياسات المقترحة تركز على حماية الصناعات التقليدية، في حين تظهر تجارب إعادة الإعمار العالمية أن فرص النمو الحقيقية تأتي من قطاعات جديدة.
- الثالثة أن السياسات المقترحة تركز غالباً على حماية الصناعات التقليدية القديمة، في حين أن تجارب إعادة الإعمار في العالم تظهر أن فرص النمو الحقيقية غالباً ما تأتي من قطاعات جديدة لم تكن موجودة سابقاً.
دور اللوبيات الصناعية
في مثل هذا السياق تصبح سياسات الحماية الصناعية غير المدروسة ذات تكلفة مرتفعة، لأنها غالباً ما تتحقق عبر فرض قيود على الاستيراد أو عبر دعم مباشر وغير مباشر لبعض اللوبيات الصناعية المحليين، وهو ما يؤدي عملياً إلى
- ارتفاع الأسعار بشكل جنوني وسريع على المجتمع، مما يزيد معاناة المواطنين في ظل الرواتب المتواضعة وضعف القوة الشرائية.
- حدّ الخيارات المتاحة أمام المستهلكين، في خرق واضح لمبدأ اقتصاد السوق الحر الذي تسعى الدولة لتعزيزه.
- إبطاء انتقال التكنولوجيا والاستثمارات الجديدة.
- إعادة توجيه الاستثمارات بعيداً عن القطاعات الواعدة.
وبالتالي دور اللوبيات الصناعية لا يقتصر على التأثير المباشر على السياسات، بل يمتد إلى تشكيل وهم حماية الصناعة الوطنية ، وهذه المشكلة أكثر حساسية في مرحلة إعادة الإعمار تحديداً لأن الاقتصاد السوري يحتاج إلى تدفق واسع للاستثمارات والسلع والتكنولوجيا من الخارج حيث تشير فيه التقديرات الدولية إلى أن إعادة بناء الاقتصاد السوري ستحتاج إلى استثمارات ضخمة تتجاوز بكثير قدرة الاقتصاد المحلي الحالية، ما يعني أن التعافي الاقتصادي يعتمد أساساً على الانفتاح الاقتصادي وليس على إغلاق الأسواق أو حماية قطاعات محددة من المنافسة.
التحديات الجيوسياسية والبيروقراطية
البيئة الاقتصادية التي ستعمل فيها سوريا خلال السنوات المقبلة ستكون بيئة شديدة التقلب نتيجة التوترات الجيوسياسية المستمرة في المنطقة وما ينتج عنها من تقلبات في أسعار الطاقة وسلاسل الإمداد العالمية، وهي عوامل تجعل الاقتصادات المنغلقة أو المحمية أكثر عرضة للصدمات، في حين تكون الاقتصادات المنفتحة والأكثر اندماجاً في التجارة العالمية أكثر قدرة على التكيف والصمود الاقتصادي مع هذه التقلبات.
منح البيروقراطية سلطة تحديد الصناعات التي تستحق الحماية أو الدعم يؤدي غالباً إلى نشوء شبكات مصالح ولوبيات اقتصادية تسعى إلى التأثير على السياسات العامة للحفاظ على امتيازاتها، بالإضافة أن التطور الاقتصادي الحقيقي لا يحدث عادة نتيجة خطط مركزية يصممها البيروقراطيون انطلاقاً من معلومات محدودة، بل يحدث من خلال عملية واسعة من التجريب والمبادرة يقوم بها آلاف المستثمرين ورواد الأعمال الذين يختبرون أفكاراً ومشاريع مختلفة داخل السوق، ينجح بعضها ويفشل بعضها الآخر، ومن خلال هذه العملية التراكمية يتم اكتشاف الفرص الاقتصادية الجديدة وتطوير القطاعات الأكثر كفاءة وعندما تتدخل الدولة فإنها تقلل من هذه الديناميكية وتبطئ عملية اكتشاف الفرص الاقتصادية الجديدة، وهو ما يؤدي في نهاية المطاف إلى تثبيت هيكل اقتصادي ضعيف وموروث من اقتصاد الحرب تؤدي إلى تجميد الاقتصاد عند مستوى إنتاجي منخفض في اللحظة التي يحتاج فيها المجتمع إلى إعادة بناء اقتصاده بسرعة ومرونة.
فلسفة التعافي الاقتصادي
التاريخ الاقتصادي يظهر أن الاقتصادات التي نجحت في إعادة البناء بعد الحروب لم تكن تلك التي حاولت حماية صناعاتها القديمة، بل تلك التي سمحت لقوى السوق والاستثمار والابتكار بإعادة تشكيل اقتصادها من جديد، وفي الحالة السورية تحديداً، حيث يعيش معظم السكان في ظروف اقتصادية قاسية ويعاني الاقتصاد من نقص حاد في رأس المال والاستثمار، فإن الأولوية يجب أن تكون لبناء اقتصاد ليبرالي مفتوح قادر على جذب الاستثمار وخلق فرص جديدة للنمو والعمل، لا لسياسات حماية قد تؤدي إلى إبطاء عملية التعافي الاقتصادي في اللحظة التي يحتاج فيها المجتمع إلى أسرع نمو ممكن.

