الرئيسية » أنباء تسعير الغاز بـ”الدولار” تشعل الجدل في سوريا.. ما الذي يحدث؟

أنباء تسعير الغاز بـ”الدولار” تشعل الجدل في سوريا.. ما الذي يحدث؟

بواسطة Younes

هند خليفة

أثار إعلان متداول عن اعتماد بيع أسطوانات الغاز التي تعد عصبًا حيويًا للحياة اليومية بالدولار حصرًا في العاصمة السورية دمشق ومحيطها حالة من التوجس والارتباك، بعد أن انتشر خلال الساعات الماضية خبر تضمن تعليمات موجهة إلى المعتمدين والموزعين تقضي بتحويل آلية التسعير إلى العملة الأميركية اعتبارًا من غد الأربعاء.

وقد صدرت تصريحات متناقضة من أطراف رسمية وغير رسمية، ما دفع إلى حالة من الارتباك لدى المواطنين، وتحوّل الأمر إلى مادة للتداول الواسع على منصات التواصل ومجموعات الواتساب بين بائعي الغاز والمواطنين.

تعميم عبر المعتمدين

التفاصيل الأولى للقرار جاءت من جمعية “معتمدي الغاز بدمشق”، حيث أفادت مصادر مطلعة بأن الجمعية عممت على كافة المعتمدين والموزعين تعليمات جديدة تقضي بتقاضي سعر الغاز بالدولار الأميركي حصرًا، دون الإفصاح عن الأسباب الكامنة وراء هذا التوجه المفاجئ، وفق ما نقل موقع “الوطن أون لاين”.

 

وأكد رئيس جمعية معتمدي الغاز في دمشق وريفها، محمد سليم كلش، أن القرار بات نافذُا اعتبارًا من يوم الأربعاء، ليشمل محافظات دمشق وريف دمشق والقنيطرة، موضحًا أن التعليمات وصلت إليهم عبر مجموعة “واتساب” الخاصة بالمعتمدين، وفقًا لمنصة “تأكد”.

لكن اللافت أن القرار، رغم خطورته، لم يُنشر عبر أي من المعرفات الرسمية التابعة لوزارة الطاقة أو الشركة السورية للبترول، وهو ما فتح الباب واسعًا أمام حالة من التضارب في المعلومات والتكذيب الرسمي.

نفي رسمي يبدد الشائعات

من جهة، سارع مدير الإعلام في وزارة الطاقة “عبد الحميد سلات” إلى نفي صحة الخبر بشكل قاطع، مؤكدًا أن الوزارة لم تصدر أي قرار ببيع أسطوانة الغاز للمواطنين أو الصناعيين بالدولار، بحسب موقع “عنب بلدي”.

وأوضح في تصريحه أن عملية استيراد الغاز المنزلي وشرائه وتسعيره تتم بالفعل من قبل الوزارة بالدولار، لكن بيع الأسطوانة للمواطن عبر المعتمدين يبقى بالليرة السورية حصرًا.

ومن جهة أخرى، نفى منسق العلاقات في وزارة الطاقة بمحافظة اللاذقية، تامر أكر، الخبر جملة وتفصيلًا، داعيًا المواطنين إلى الاعتماد على البيانات الصادرة عن المصادر الرسمية فقط، مثل فرع محروقات اللاذقية أو الشركة السورية للبترول.

هذا التناقض الصارخ بين ما تبلغ به جمعية المعتمدين أعضاءها وما تصرح به الجهات الرسمية، يضع المواطن السوري في حيرة من أمره، ويفتح الباب أمام تساؤلات مشروعة، عن ما إذا كانت هناك نية حقيقية لتعميم التعامل بالدولار على سلعة أساسية مثل الغاز، وكيف يمكن لمواطن يتقاضى راتبه بالليرة السورية ويجري معاملاته اليومية بها، أن يواكب فجأة تسعير سلعة أساسية بعملة أجنبية لا يملكها ولا تتوفر له بسهولة؟.

توقيت حساس

لكن الأكثر إثارة للقلق هو توقيت هذا القرار المزعوم، فبعد نحو شهر من معاناة السوريين مع أزمة خانقة في الغاز المنزلي، شهدت خلالها طوابير المواطنين امتدادات طويلة أمام مراكز التوزيع، وظهور نقص واضح في المادة، بدأت ملامح الانفراج النسبي تلوح في الأفق.

مع ذلك، تأتي أنباء التسعير بالدولار في لحظة حساسة، لتعيد خلط الأوراق وتضع علامات استفهام كبيرة حول نوايا الجهات المعنية بإدارة ملف الطاقة، علمًا أن وزارة الطاقة كانت قد نفت في وقت سابق وجود أي أزمة حقيقية في الغاز، وأرجعت حالة الازدحام إلى اندفاع المواطنين نحو تخزين المادة بسبب مخاوفهم من تداعيات الحرب الإقليمية المشتعلة.

في محاولة لفهم الخلفيات العميقة لهذا القرار المثير للجدل، يرى الخبير الاقتصادي يونس الكريم، أن ما يتم تداوله لا يمكن اختزاله في مجرد إجراء مالي أو إداري عابر، بل هو انعكاس صريح لحجم الاختناق البنيوي الذي يعيشه الاقتصاد السوري في هذه المرحلة الدقيقة.

مؤشرات اختناق مالي

يشير الكريم خلال منشور له عبر منصة فيسبوك، إلى أن القرار إن صح، هو نتاج تراكم مجموعة من العوامل الهيكلية التي أدت تدريجيًا إلى تآكل قدرة الدولة على إدارة ملف النقد والسيولة، وصولًا إلى تراجع غير مسبوق في الثقة بالعملة الوطنية.

ويوضح أن أحد أبرز الأسباب الكامنة وراء هذا التوجه يتمثل في التعثر الواضح الذي منيت به عملية استبدال الليرة السورية القديمة بأخرى جديدة، والتي كان يُفترض أن تشكل نقطة تحول في تاريخ النقد السوري، مشيرًا إلى أنه بحسب معطيات رسمية حديثة، كشف حاكم مصرف سوريا المركزي، عبد القادر الحصرية، في مقابلة حصرية مع صحيفة “ذا ناشونال” في شباط الماضي، أن المصرف المركزي تمكن من استبدال نحو 35 بالمئة فقط من الكتلة النقدية المتداولة بالأوراق النقدية الجديدة التي طُبعَت في كانون الثاني من العام ذاته.

ويؤكد أن هذه النسبة، وإن كانت تمثل تقدمًا ملموسًا نحو استعادة السيطرة النقدية، فإنها تعني في المقابل أن نحو ثلثي الكتلة النقدية لا تزال خارج السيطرة الفعلية للمصرف المركزي، ما يبقي السوق السوداء المرجع الفعلي لتحديد أسعار الصرف والتسعير في معظم التعاملات التجارية.

ضغط إضافي من اقتصاد شرق الفرات

يضيف الخبير الاقتصادي أن دخول مناطق الإدارة الذاتية في شمال وشرق سوريا بثقلها السكاني والاقتصادي إلى المعادلة المالية الوطنية، بعد اتفاق الاندماج الذي تم في كانون الثاني الماضي، شكل ضغطًا إضافيًا على موارد المصرف المركزي، موضحًا أن هذه المناطق، التي اعتادت لعقود على التعامل بالدولار في تداولاتها التجارية، ساهمت في زيادة الطلب على العملة الصعبة بشكل غير مسبوق، مقابل تراجع المعروض منها في الأسواق المحلية.

ورأى أن المفارقة أن الدولة السورية باتت اليوم، ولأول مرة منذ سنوات، مسؤولة عن إدارة الثروة النفطية والغازية في تلك المناطق، التي كان حاكم المصرف المركزي نفسه قد وصفها بأنها قادرة على دفع النمو الاقتصادي إلى مستويات غير مسبوقة، لكن إدارة هذه الثروة، التي تدر عائدات بالدولار، تتطلب في المقابل إنفاقًا بالدولار، ما يخلق معادلة معقدة تضع المصرف المركزي أمام تحدي مزدوج، بتعزيز الاحتياطي من العملة الصعبة، وفي الوقت نفسه الحفاظ على استقرار سعر صرف الليرة.

وفي هذا السياق، يصف الكريم المشهد النقدي السوري اليوم بأنه حالة من “الازدواجية النقدية والفوضى القانونية” في إدارة ملف العملات، مشيرًا إلى أنه من جهة، توجد قرارات رسمية تمنع التعامل بالعملات الأجنبية في المناطق الواقعة غرب نهر الفرات، مع رسائل تفيد بإمكانية تعميم هذا المنع على كامل الأراضي السورية.

اقتصاد بين ازدواجية العملات

أضاف الكريم أن من جهة أخرى، يجري التغاضي عن التعامل بالدولار في مناطق شرق الفرات، بل ويجري الحديث عن تسعير سلعة أساسية كغاز الطهي بهذه العملة، مؤكدًا أنه مع تبلور فكرة التسعير بالدولار، تصبح هذه الازدواجية أكثر وضوحًا، إذ يبدو الاقتصاد السوري وكأنه يتحرك ضمن مربعات نفوذ متعددة بدلًا من إطار قانوني موحد يحكم السوق الوطنية.

ويربط كذلك بين هذه التطورات وبين التداعيات الإقليمية المتسارعة، ولا سيما التوترات العسكرية المحتدمة في المنطقة، والتي ألقت بظلالها الثقيلة على الاقتصاد السوري وخطط الانفتاح الاقتصادي التي يجري الترويج لها إعلاميًا، مشيرًا إلى أن هذه التوترات ساهمت في تباطؤ تدفق الاستثمارات وتراجع حجم الحوالات المالية القادمة من الخارج، وهي من أهم مصادر العملة الصعبة التي يعتمد عليها الاقتصاد السوري في ظل ضعف الصادرات وانكماش النشاط الإنتاجي.

المصدر : الحل

مقالات ذات صلة