الرئيسية » بين الليرة والدولار: تساؤلات حول تسعير أسطوانة الغاز وتحذيرات من تأثيراته على السوق

بين الليرة والدولار: تساؤلات حول تسعير أسطوانة الغاز وتحذيرات من تأثيراته على السوق

بواسطة Younes

بتول الحكيم

أثارت الأخبار المتداولة حول تسعير أسطوانات الغاز بالدولار حالة من الجدل والتساؤلات في الأوساط الشعبية والاقتصادية، لا سيما مع تداول معلومات تفيد بإمكانية الدفع بغير الليرة السورية، ما دفع جهات رسمية إلى توضيح حقيقة الإجراءات المتبعة، في ظل تضارب المعلومات المتداولة واتساع النقاش حول طبيعة القرار وانعكاساته المحتملة على الواقع المعيشي.

ونفت الشركة السورية للبترول ما يتم تداوله، مؤكدة أن بيع أسطوانات الغاز المنزلي وجميع المشتقات النفطية للمواطنين يتم بالليرة السورية، ولا يوجد أي تغيير في آلية البيع للمستهلك. وأوضحت أن أي إجراءات تنظيمية بين الجهات المعنية أو مع القطاع الخاص لا تنعكس على السعر، فيما دعت المواطنين إلى استقاء المعلومات من الصفحات الرسمية وعدم الانجرار وراء الأخبار غير الدقيقة.

وقال مدير شركة المحروقات في الشركة، أكرم حمودة، إن ما يتم تداوله عبر بعض وسائل التواصل الاجتماعي حول إلزام المواطنين بشراء أسطوانات الغاز بالدولار هو معلومات عارية تمامًا عن الصحة، ولا تمت بصلة لآلية بيع المادة للمستهلكين. وأوضح أن الإجراءات داخلية بين المندوبين والشركة، ولا تتضمن أي إلزام بالدفع بغير الليرة السورية.

في هذا التقرير يرصد  آراء الخبراء والمحللين الاقتصاديين حول القرار وانعكاساته على الواقع، إذ رأوا أن تسعير أسطوانة الغاز بالدولار يعكس ضغوطًا متزايدة على العملة المحلية، وارتباكًا في السياسات النقدية، ومحاولة لمجاراة تقلبات سعر الصرف. كما حذر بعضهم من أن هذا التوجه قد يفتح الباب أمام توسع التعامل بالدولار في تسعير السلع الأساسية.

أسباب التسعير بالدولار

يوضح مدير موقع “اقتصادي” الباحث يونس الكريم، في حديثه ، أن قرار تسديد ثمن أسطوانة الغاز بالدولار، ليس مجرد إجراء إداري أو مالي، بل اتجاه اقتصادي وسياسي عميق، يكشف حجم الاختناق الذي يعيشه الاقتصاد السوري، مرجعًا ذلك إلى عدة عوامل، أهمها فشل عملية استبدال الليرة القديمة بالجديدة. وأضاف أن العجز عن سحب الكتلة النقدية القديمة وضخ بديل مستقر، يعكس ضعف الثقة بالعملة الوطنية، وغياب القدرة على ضبط السيولة، مع استمرار السوق السوداء كمرجع فعلي للتسعير.

وأعاد الباحث الاقتصادي صدور هذا القرار إلى ما وصفه بـ”الفوضى القانونية النقدية السارية”، موضحًا أن البلاد تعيش حالة ازدواجية نقدية من خلال إقرار منع التعامل بالعملات الأجنبية غرب الفرات، ومن ثم إرسال رسائل تفيد بأن ذلك سيعمم على الجغرافية السورية، بالتزامن مع التغاضي عن ذلك في شرق الفرات، وفرض الدفع بالدولار لسلعة أساسية كالغاز.

ويرى الكريم أن الفوضى والتناقض اللذين رافقا القرار تفقد أي إطار قانوني لقيمته، وتحول الاقتصاد إلى مربعات نفوذ لا دولة، مبينًا أن دخول مناطق شرق الفرات بكتلتها السكانية والسوقية والنقدية، يشكّل ضغطًا إضافيّا على احتياطي المركزي ويزيد الطلب على الدولار مقابل المعروض.

واعتبر الكريم أنه لا بديل عن التعامل بالدولار، وتابع مستدركًا أنه في ظل سياسة تجفيف السيولة يصبح التعامل بالدولار الخيار الأوحد، لكن يمكن تخفيف آثار هذا التعامل، ومنع التحول نحو الدولرة الكاملة والإبقاء على دولرة جزئية في حال تم إقرار تعليمات ناظمة لاستخدام الدولار، مع فرض دفع الرسوم والضرائب بالليرة السورية، وكذلك فرض دفع كافة صفقات القطاع الخاص التي تتجاوز 10 آلاف دولار بالعملة الوطينة.

وبحسب مدير موقع “اقتصادي”، فإنه باستثناء ذلك يدفع بالليرة السورية، مع تثبيت أسعار السلع الأساسية مهما كلف ذلك خزينة الدولة، داعيًا إلى وضع خط ساخن للشكاوى المثبتة في حال امتناع أي قطاع أو صراف من تداول الليرة السورية وإقرار المحاسبة على ذلك.

تداعيات نهج التسعير بالدولار

من جانبه، يرى المحلل الاقتصادي رضوان الدبسه، أن القرار بتسعير الغاز للموزعين بالدولار، يمكن أن يعكس توجهًا متزايدًا نحو التعامل بالدولار في تسعير السلع الأساسية، لكن لا يمكن أن يكون توجهًا رسميًا. وعلّل ذلك بأنه لا يمكن لدولة مستقلة لديها بنك مركزي أن تتوجه للتعامل بغير عملتها الوطنية.

وأوضح المحلل الاقتصادي أن هذا التوجه يرجع إلى مجموعة عوامل، من بينها الضغوط التي تواجه العملة السورية، وضعف الأداء الاقتصادي المنوط بوزارتي المالية والاقتصاد والصناعة، وضعف الاستثمار وتقلب أسعار الصرف، معتبرًا أن ذلك يدفع التجار إلى التسعير بالدولار للحفاظ على قيمة السلع والمشاريع.

وتحاول الحكومة السورية اليوم، وفقًا للدبس، أن تجاري سعر الدولار من دون التسعير به، كما حدث مؤخرًا من رفع أسعار المحروقات، التي ارتفعت عالميًا، بالتزامن مع انخفاض قيمة الليرة، وكي لا تتحمل خزينة الدولة فرق العملة، ما يجعل التقييم ضمنيا بالدولار، وإن كان شكليًا يبدو كرفع فقط للأسعار.

وحول المخاوف والمحاذير من توجه الدولة للتسعير بالدولار، يوضح الدبس أن أي دولة تتوسع باتجاه الدولرة، كما جرى في لبنان والعراق، تفقد عملتها الوطنية قيمتها المعنوية، حيث تمثل العملة الوطنية، أحد أهم أدوات الدولة على مستوى البناء الوطني، ما ينعكس على قيمتها.

ورأى الدبس أن من شأن القرار أن يؤدي إلى ازدياد التضخم الناتج عن استخدام العملة الأجنبية، في التعاملات الأساسية والاستيراد والتصدير، مضيفًا أن ذلك سيترافق مع ارتفاع ينعكس على أسعار السلع في الأسواق المحلية. وشدد على أن العملة الوطنية هي الضمان الأقوى للاستقرار الاقتصادي والوطني على حد سواء.

وأشار الدبس إلى أن القرار سيسهم في تنامي السوق السوداء المتعلقة بالعملة الأجنبية، وذلك تبعًا لاعتماد البنك المركزي سعر صرف غير دقيق، بل موازٍ للسعر الحقيقي، في ظل محاربة الدولة للتعامل بالقطع الأجنبي. ويؤكد أن الخطورة في هذا التوجه تتفاقم مع اعتماد دفع المخالفات والضرائب بالدولار، ما يخفف الطلب على العملة السورية، وبالتالي يجفف منابع السيولة.

وختم الدبس حديثه بالإشارة إلى أن عدم اكتمال عملية استبدال العملة في المدة الزمنية اللازمة، يشكّل محفزًا لهيمنة الدولار على التعاملات، إذ يرى الناس سهولة أكثر بالتعامل بالدولار لحفظ قيمة أموالهم، ما يؤدي إلى فقدان الثقة بين المواطنين والعملة الوطنية.

التسعير بالدولار لبعض السلع ضرورة

من جهته، أوضح الباحث الاقتصادي أدهم قضيماتي، في حديثه ، أنه من الطبيعي أن يخضع تسعير المحروقات والمشتقات النفطية لسعر صرف الدولار باعتبارها أسعار عالمية، مضيفًا أن تسعير البضائع يتم بالدولار أولًا، ثم يتم التسعير بالعملة الوطنية، باعتبارها عملة عالمية مهيمنة على التجارة العالمية.

ولفت قضيماتي إلى أن ذلك، أي القرار، لا يعكس التوجّه نحو الدولرة، حيث يتم التشديد من قبل الحكومة على التعامل بالليرة، لكنه أضاف مستدركًا أن الفوضى الناتجة عن عملية استبدال العملة القديمة، تجعل الأمر أكثر صعوبة حاليًا، ويمكن التمكن من ضبطها حين تكتمل عملية استبدال العملة.

ويشير قضيماتي إلى أنه في ظل التحديات الاقتصادية في سوريا الخارجة من وطأة الحرب والنهب والفساد، لا ينظر لقرار تسعير الغاز للموزعين بالدولار على أنه قرار منفصل ومستقل، خاصة مع ارتفاع تكاليف المعيشة والفوضى الاقتصادية؛ كما أنه لا يمكن اعتباره قرارًا لضبط تقلبات سعر الصرف فقط.

وأضاف الباحث الاقتصادي أن الخطورة تتمثل في تزايد رقعة التكهنات بربط المزيد من أسعار السلع الأساسية بالدولار، ما يعتبر مؤشرًا على تحولات عميقة في التسعير وإدارة الأسواق المحلية، الأمر الذي يزيد من الأعباء الاقتصادية والمعيشية، على المواطن، وهو ما لا يتناسب مع دخله الشهري وتكاليف المعيشة بشكل أو بآخر.

في المحصلة، تتباين تقديرات الخبراء حول خلفيات القرار وآثاره المحتملة، بين من يربطه بضرورات السوق وتقلبات سعر الصرف، ومن يحذر من انعكاساته على الاستقرار النقدي ومستويات الأسعار. لكنهم يتفقون على أن استمرار الضغوط على الليرة وتذبذب السياسات النقدية قد يوسع نطاق التسعير بالدولار في بعض القطاعات.

المصدر: الترا سوريا.

مقالات ذات صلة