الرئيسية » معضلة الحكومة: بين الافتراضات الخاطئة وهشاشة الواقع
الصورة العلم ليس بها خطاء انما تعبير عن توليد نفس النظام السابق باطر جديدة

معضلة الحكومة: بين الافتراضات الخاطئة وهشاشة الواقع

سنوية الأولى لتشكيل الحكومة

بواسطة Younes

مع مرور عام على تشكيل الحكومة الانتقالية السورية، بات من الضروري إعادة تقييم أدائها بنظرة حيادية. ورغم أن هذه المهمة تبدو شديدة التعقيد، ليس فقط بسبب حساسية المرحلة، بل أيضاً نتيجة حجم الأخطاء المرتكبة والإصرار على تكرارها، إلا أن هذا التقييم يظل حاجة ملحّة لفهم المسار العام.

ففي كثير من الأحيان، لا يمكن تفسير هذه الأخطاء بمجرد نقص الخبرة أو ضعف الثقة بالآخرين، بل إن تكرارها بهذا الشكل يطرح تساؤلات حول طبيعتها، وما إذا كانت ناتجة عن سوء تقدير مستمر أو عن خيارات مقصودة ضمن سياق سياسي معين.

ومع ذلك، وبحسن نية، يمكن افتراض أن الحكومة قد انطلقت من برنامج طموح، تأسّس على مجموعة من الافتراضات التي أثبتت التجربة لاحقاً محدودية فعاليتها أو فشلها، وذلك نتيجة تداخل عوامل داخلية وخارجية معقدة. ويمكن تلخيص أبرز هذه الافتراضات في النقاط التالية:

أولاً: الرهان الجيوسياسي المبالغ فيه:

انطلقت الحكومة من فرضية مفادها أن سوريا تمثّل “خط الدفاع العربي” في مواجهة إيران ومليشياتها، وهو ما كان يُفترض أن يدفع الدول العربية، إلى جانب حلفائها الغربيين، لتقديم دعم سياسي واقتصادي واسع.

غير أن هذا التصور أغفل تعقيدات المشهد الإقليمي، وتبدّل أولويات الفاعلين الدوليين، فضلاً عن تشابك العلاقات الدولية وتضارب مصالحها. ونتيجة لذلك، بدا هذا الرهان أقرب إلى تقدير نظري منه إلى استراتيجية قابلة للتحقق، ما حدّ من جدواه، وجعله غير كافٍ لتأمين دعم مستدام أو بناء تحالفات راسخة.

ثانياً: أولوية الولاءات على الكفاءات:

قامت الحكومة الانتقالية بإعادة تشكيل مؤسسات الدولة من الصفر، متجاهلةً إلى حدّ كبير التراكم المؤسسي والخبرات الإدارية المتاحة. والمفارقة أن كثيراً من أصحاب القرار في الحكومة الانتقالية على اطلاع بالتجربة العراقية، وهو ما كان يفترض أن يتيح لهم قراءة أعمق لنتائج هذا النوع من السياسات وتداعياته على المجتمع عقب سقوط نظام صدام حسين هناك.

ورغم ذلك، جرى تبنّي هذا النموذج، مع تغيير بعض الأطر، مثل تقديم الولاءات على الكفاءات في الصف الأول، على أن تتولى الكفاءات لاحقاً—بما في ذلك بعض عناصر نظام الأسد السابق—مهمة تأهيل هذه البُنى وإدارتها. غير أن هذا الترتيب أثبت محدوديته، إذ إن حجم التحديات وتعقيدها تجاوزا قدرة هذا النموذج على الاستجابة الفعّالة.

كما أن إشكالية الشرعية، خاصةً فيما يتعلق بعناصر النظام السابق، زادت من تعقيد المشهد، حيث انعكس هذا الخلل في بنية الإدارة على الأداء العام للمؤسسات، وخلق بيئة ضاغطة نحو الفساد وضعف المساءلة، ما أضعف فعالية المؤسسات وقلّص قدرتها على القيام بوظائفها الأساسية.

ثالثاً: وهم الشرعية الخارجية:

افترضت الحكومة أن الحصول على الاعتراف الدولي كفيل ببناء شرعية لدولة خارجة من الحرب. وقد أدى هذا الفهم إلى إهمال البنية الداخلية للمؤسسات، بل وحتى تقديم تنازلات ضمنية على حسابها، بما في ذلك التغاضي عن السيطرة على بعض موارد الدولة أو إعادة توزيعها بهدف خلق طبقات اجتماعية يُفترض أن تشكّل لاحقاً قاعدة لهذه الشرعية.

ونتيجةً لهذا الغياب، أعاد المجتمع—الذي يرفض الفراغ—إنتاج نفسه عبر بناء نظام سياسي أكثر تشوهاً من سابقه، يقوم على توليفة إثنية-عرقية ضمن إطار ليبرالي هش. ويمكن اعتبار هذا التشكّل بمثابة “جنين مشوّه” نشأ عن فراغ السلطة داخلياً؛ إذ كلما نما، أسهم في تعميق الانقسامات وارتكاب انتهاكات ومجازر  تُقوّض تماسك المجتمع السوري وفكرة الدولة الواحدة.

نتائج هذه المقاربة على سوريا 

أسهمت هذه السياسات مجتمعة في إنتاج حالة من الهشاشة السياسية والأمنية والاقتصادية، حيث باتت الدولة عرضة لاهتزازات مستمرة. ولا تعني هذه الهشاشة بالضرورة وقوع تحولات كبرى بشكل فوري، لكنها تشير إلى تراكم مؤشرات اضطراب قد تفضي إلى تغيرات مجتمعية وسياسية عميقة، حتى وإن ظهرت تدريجياً على شكل تدهور في الاستقرار العام.

كما جعلت هذه الهشاشة من الخطة الاقتصادية والسياسية للحكومة أقرب إلى سردية خيالية، بل وأسهمت في نشوء مقاومة داخلية لم تكن لتظهر لو أن الحكومة تعاملت مع الداخل السوري بوصفه مجتمعاً متكاملاً، لا ككيان مُختطف لا يحق السؤال او القرار ، كما أشار وزير الخارجية السوري.

نحو مخرج ممكن

لا يكمن الحل في مزيد من الرهانات على الخارج، بل في إعادة بناء الداخل على أسس مؤسسية صلبة. فالمزيد من التفاوض الخارجي يعني بالضرورة المزيد من الاحتقان في الشارع السوري وفشل الجانب الاقتصادي في معالجة الشروخ السياسية والمجتمعية. لذا، يتطلب الأمر:

  • إنشاء مؤسسات حكومية كاملة الصلاحيات وفاعلة.
  • إعادة الاعتبار لمعيار الكفاءة في الإدارة العامة.
  • ضبط الموارد وإدارتها بشفافية.
  • بناء شرعية داخلية قائمة على الأداء والخدمات، لا على الاعتراف الخارجي فقط.

يمكن اعتبار هذا النهج جزءاً من العدالة الانتقالية، إذ إن الدولة التي تنجح في تنظيم مجتمعها عبر مؤسسات قوية قادرة لاحقاً على فرض حضورها الخارجي، وليس العكس

مقالات ذات صلة