الرئيسية » اقتصاد التأجير في سوريا: المخاطر والفرص لبناء الدولة

اقتصاد التأجير في سوريا: المخاطر والفرص لبناء الدولة

بواسطة Younes

لم يعد ممكناً التعامل مع ملف الاستثمار في سوريا على أنه إنجاز بحد ذاته، أو الاكتفاء بالأرقام والاتفاقيات الرسمية دون مساءلة دقيقة عن النتائج والأهداف. الدولة التي خرجت من سنوات طويلة من الصراع وتواجه تحديات معيشية عميقة، لا يمكن أن تختزل أولوياتها في جذب المستثمرين فقط، دون الإجابة عن أسئلة أساسية: لمن يُنتج؟ ومن يستفيد فعليًا من الموارد الوطنية؟

الواقع الاقتصادي بعد جائحة كورونا أظهر أن القوة لا تُقاس بالاستثمارات أو الاتفاقيات الدولية فحسب، بل بالقدرة على حماية السيادة الغذائية والموارد الحيوية. وفي سوريا، يبرز السؤال المركزي: هل تُدار الاستثمارات لبناء اقتصاد منتج ومستدام، أم أنها تُستثمر لإعادة إنتاج تبعية خارجية بطريقة أكثر تعقيدًا؟

التحركات الأخيرة، مثل لقاء رئيس هيئة الاستثمار السورية المهندس طلال الهلالي مع وزير التجارة الخارجية الإماراتي الدكتور ثاني الزيودي لمناقشة شراكات زراعية واسعة، تُظهر طموحًا لفتح السوق السوري أمام رؤوس الأموال الخارجية. تم استعراض التطورات وفق قانون الاستثمار رقم 114، واقتراح مبادرة “السلة الزراعية” لتصدير منتجات سورية للسوق الإماراتية، مع تشكيل فريق عمل مشترك وزيارات متبادلة لدفع المشاريع نحو التنفيذ.

لكن التحليل الاقتصادي يشير إلى أن الاستثمار وحده ليس ضمانًا للتنمية. التجارب الإقليمية، من السودان إلى مصر، أظهرت أن تأجير الأراضي الزراعية، خصوصًا الخصبة منها، يمكن أن يؤدي إلى استنزاف الموارد الطبيعية لصالح أسواق خارجية، دون أن ينعكس على الأمن الغذائي المحلي. العائدات المالية غالبًا محدودة، بينما تتحمل الدولة تكاليف البنية التحتية والحماية والإدارة، مع زيادة احتمالات الفساد وسوء الإدارة.

الأرض المزروعة والمفارقة الغذائية: كيف تتحول الزراعة إلى استنزاف للدولة

 حتى مع وجود مساحات زراعية كبيرة وإنتاج فعلي، تعاني بعض الدول العربية من ضعف الأمن الغذائي بشكل مخالف للمنطق، وهذا ما يظهر بوضوح في مصر ولبنان والسودان. خلال جائحة كورونا، ارتفعت أسعار الغذاء عالميًا بنسبة تزيد عن 30-50%، واضطربت سلاسل التوريد وفقدان سلع أخرى ، فواجهت مصر نقصًا نسبيًا رغم إنتاجها نحو 9–10 ملايين طن قمح سنويًا واستيرادها حوالي نصف احتياجاتها، بينما لبنان يعتمد على استيراد 80–85% من غذائه، ويعاني السودان ما يقارب 40% من سكانه من نقص الغذاء رغم امتلاكه أكثر من 200 مليون فدان صالحة للزراعة.

في الوقت نفسه، استثمرت دول الخليج—خصوصًا السعودية والإمارات—مليارات الدولارات في زراعة هذه الأراضي، مع التركيز على أفضل الأراضي وأكثرها إنتاجية وقربًا من مصادر المياه، ما يجعل إنتاج هذه الأراضي أعلى من المتوسط المحلي بكثير. لكن المشكلة أن هذه الإنتاجية العالية غالبًا لا تصل إلى السوق المحلي، بل تُصدَّر أو تُوجَّه للأسواق الخارجية، بينما تتحمل الدولة المضيفة تكاليف كبيرة، مثل تجهيز البنية التحتية وحماية الأراضي وتأمين المياه، في حين تقتصر الفوائد المالية على رسوم الإيجار أو الأرباح المحدودة التي لا تُستثمر بالشكل الكافي لدعم الزراعة المحلية أو المجتمعات الريفية.

من منظور اقتصادي، هذا يعني أن الاستثمار الزراعي في هذه الحالات لا يبني سيادة غذائية، بل يحوّل الأراضي الأكثر خصوبة إلى مصدر دخل خارجي، مع استمرار ضعف قدرة الدولة على تأمين الغذاء لشعبها، رغم أن الأرض والإنتاج موجودان. ببساطة، الفجوة ليست في نقص الموارد، بل في كيفية إدارتها وتحديد أولويات استخدامها.

نموذج “تأجير الأرض” ومخاطره على تجربة سوريا الوليدة

على مدار العقود الأخيرة، أصبح تأجير الأراضي الزراعية لدول الخليج—خصوصًا في السودان ومصر—نموذجًا شائعًا يقدَّم على أنه وسيلة لتعزيز الأمن الغذائي للدول المستثمِرة، لكنه يحمل مخاطر كبيرة للدول المضيفة، خصوصًا لدولة مثل سوريا التي تحاول إعادة بناء مؤسساتها وإرساء سيادة غذائية مستقرة.

في سوريا، تمتد الأراضي الزراعية الخصبة في محافظات الحسكة ودير الزور والرقة إلى ملايين الهكتارات، حيث يُقدَّر الهكتار الواحد بـ 10,000 متر مربع. هذه الأراضي، إذا أُديرت محليًا، يمكن أن تنتج كمية كبيرة من الحبوب الأساسية تكفي نحو 40–50% من احتياجات السوق المحلي. لكن تحويلها إلى نموذج تأجير طويل الأمد يوجه معظم الإنتاج إلى السوق الخارجي، ما يعني أن الدولة تضحي بسيادة غذائها مقابل عوائد إيجار محدودة، في حين أن القيمة الاقتصادية المحتملة للإنتاج تُقدّر بمليارات الدولارات.

إذا نظرنا إلى التجربة الإقليمية، نجد أن السودان خصص عشرات ملايين الهكتارات للاستثمار الزراعي الخليجي، خاصة لإنتاج الأعلاف والقمح، بقيمة استثمارية تزيد على 10–15 مليار دولار. لكن هذا الاستثمار لم ينعكس بشكل مباشر على الأمن الغذائي للسودان، بينما تحملت الدولة تكاليف حماية الأراضي، وبناء شبكات الري، وتأمين الحراسة، مع مشاركة محدودة من المزارعين المحليين. أما في مصر، فقد أظهرت الأراضي المؤجرة إنتاجية أعلى بنسبة 25–30% مقارنة بباقي الأراضي، لكنها غالبًا لم تخدم السوق المحلي، وكانت العوائد المالية المباشرة محدودة، بينما تتحمل الدولة تكاليف البنية التحتية والموارد.

في سياق سوريا، يشكل نموذج تأجير الأراضي خطرًا مزدوجًا: أولًا، استنزاف أفضل الأراضي الزراعية، وإضعاف القدرة على بناء قاعدة إنتاج محلية مستدامة؛ ثانيًا، تحويل القطاع الزراعي من ركيزة للسيادة الوطنية إلى أداة تمويل قصير الأمد أو أرباح خارجية، ما يضعف قدرة الدولة الوليدة على تأمين الغذاء وتعزيز الاقتصاد الوطني.

ومنه  نموذج تأجير الأراضي ليس مجرد اتفاق اقتصادي، بل تجربة تاريخية تعلمنا أن فقدان السيطرة على الأرض والموارد يؤدي إلى مفارقات غذائية واقتصادية، حتى في ظل وجود استثمارات بمليارات الدولارات

نموذج التأجير في سوريا: الأرض والثروة تخرج من  حساب  الدولة

في سوريا، يبدو شعار “اقتصاد حر” الذي تتبناه الدولة أقرب إلى وهم تسويقي منه إلى واقع اقتصادي. الواقع يقول إن الاقتصاد السوري اليوم يعتمد على ما يمكن تسميته “اقتصاد التأجير”، حيث تتحول موارد الدولة الحيوية الطاقة، المياه، الأراضي الزراعية. إلى عقود طويلة الأمد لمستثمرين خارجيين، بينما يبقى المواطن السوري بعيدًا عن أي استفادة حقيقية.

بدأ هذا المسار بمنح حقوق استثمار الطاقة الأحفورية، مرورًا بالكهرباء و البناء ، ووصولًا إلى الأراضي الزراعية. الفكرة تبدو جذابة على الورق: دخل سريع وخيارات تمويلية لتغطية عجز الموازنة. لكن التحليل الاقتصادي يظهر الجانب الآخر: الدولة تتحمل كلفة حماية هذه الموارد، وبناء شبكات الري والبنية التحتية، وتأمين المياه والطاقة، بينما العوائد المالية الفعلية محدودة، وغالبًا ما تُوجَّه لسداد نفقات تشغيل أو شراء احتياجات يومية يمكن أن تنتج محليًا إذا استُثمرت الموارد داخليًا.

التجارب الدولية تكشف المخاطر بشكل أكثر وضوحًا. في السودان ومصر، خصصت ملايين الهكتارات للاستثمار الخارجي، مع التركيز على الأراضي الأكثر خصوبة، ما رفع إنتاجيتها بنسبة 25–30% مقارنة بالمتوسط المحلي. لكن الأسواق المحلية لم تستفد مباشرة، بينما الدولة تكبدت تكاليف الحماية والإدارة والبنية التحتية، وزادت احتمالات الفساد وسوء الإدارة

. حتى لبنان، رغم توافر الإنتاج المحلي، شهد أزمة غذائية حادة نتيجة الاعتماد شبه الكلي على الاستيراد، وهو تحذير صارخ لأي دولة تتجه نحو نموذج التأجير.

الجانب الاستراتيجي أخطر:

 أولًا، يضعف قدرة الدولة الوليدة على بناء اقتصاد مستقل، ويحوّل القطاع الزراعي من أداة للسيادة الوطنية إلى مجرد مصدر عوائد مؤقتة.

ثانيًا، يرفع الاعتماد على التمويل الخارجي وكلفة الاقتراض، إذ يعلم المقرضون أن الدولة لا تمتلك قاعدة إنتاجية كافية لدعم اقتصادها وسداد ديونها، ما يقلل قدرتها على مواجهة الأزمات اليومية ويجعل الضرائب المصدر الأساسي للتمويل بدلًا من أن يكون الاستثمار المحلي محفزًا للنمو.

النتيجة الواضحة من نموذج التأجير في سوريا ليس استثمارًا حقيقيًا، بل استراتيجية قصيرة الأجل تحقق أرباحًا جزئية لصالح المستثمر الخارجي، على حساب بناء اقتصاد منتج ومستدام، وتضعف تجربة الدولة الوليدة في تحقيق الأمن الغذائي والاستقرار الاقتصادي والاجتماعي، بينما الموارد الغنية الأراضي، المياه، الطاقة. تهرب تدريجيًا من سيطرة الدولة.

تحويل التأجير من استنزاف إلى أداة بناء الدولة

يبقى العامل الحاسم لنجاح تجربة التأجير في أي دولة، بما فيها سوريا، قدرة الدولة على الدمج بين الاستثمار الخارجي والمصلحة الوطنية. فالتأجير وحده، بدون إطار تنظيمي واضح واستراتيجية وطنية، يتحول إلى استنزاف للموارد، ويزيد من الفجوة بين الإنتاج المحلي واحتياجات الشعب. أما عندما تُدار العقود بشكل ذكي، مع توجيه جزء من الإنتاج للأسواق المحلية، واستثمار الإيرادات في البنية التحتية، ودعم الصناعات التحويلية والزراعة المحلية، يمكن أن يصبح نموذج التأجير أداة لتعزيز الأمن الغذائي، ورفع القدرة الإنتاجية، وبناء قاعدة اقتصادية مستقلة.

التجارب الدولية تؤكد أن دمج التأجير ضمن استراتيجية وطنية شاملة يتطلب ثلاثة عناصر أساسية:

  1. التحكم بالموارد الحيوية: ضمان أن الدولة تحتفظ بالسيطرة على الأراضي والمياه والطاقة، مع تحديد نسب إنتاجية تخدم السوق المحلي.
  2. إعادة استثمار الإيرادات: توجيه جزء من أرباح التأجير لتطوير الزراعة المحلية والصناعات المرتبطة بها، بدلاً من الاكتفاء بالإيرادات الريعية.
  3. إطار تنظيمي ومؤسسي قوي: يحد من الفساد وسوء الإدارة، ويضمن توزيع الفوائد بين الدولة والمجتمع المحلي، مع رقابة واضحة على المستثمرين الخارجيين.

التوصية الجوهرية هي أن تكون العقود الاستثمارية أداة استراتيجية، وليست مجرد مصدر دخل سريع، بحيث تتحول تجربة التأجير من عبء اقتصادي إلى ركيزة لبناء الدولة وتعزيز سيادتها الغذائية والاقتصادية. أي تجاهل لهذه العناصر سيكرر التجربة الفاشلة التي شهدتها دول مثل السودان ومصر، حيث كانت الموارد الوطنية تُستنزف لصالح الخارج، في حين ظل المواطن المحلي بعيدًا عن الفوائد الأساسية للاستثمار.

باختصار، يمكن للتأجير أن يكون جزءًا من بناء الدولة إذا تم تصميمه وإدارته وفق خطة وطنية واضحة، تحوّل الموارد إلى قوة إنتاجية حقيقية، وتعيد للدولة سيطرتها على مستقبل اقتصادها وشعبها.

مقالات ذات صلة