الرئيسية » لقاء سوري–روسي يعيد إحياء مشروع مصفاة تدمر
مصفاة تدمر

لقاء سوري–روسي يعيد إحياء مشروع مصفاة تدمر

بواسطة Younes

عاد مشروع مصفاة تدمر إلى الواجهة مجددًا، بعد لقاء سوري–روسي عُقد في العاصمة الروسية موسكو بتاريخ 20 كانون الثاني/يناير 2026، وجمع رجل الأعمال السوري حازم الشرع، شقيق الرئيس السوري أحمد الشرع، مع إيغور سيتشين، الرئيس التنفيذي لشركة روسنفت الروسية، في فندق فور سيزنز، ضمن زيارة استمرت يومين.

اللقاء، الذي حضره كل من إبراهيم سكرية المعروف بـ أبو مريم الأسترالي، ومدير مكتب حازم الشرع الملقب بـ أبو عبد الله الشامي ، لم يكن ذا طابع بروتوكولي، بل خُصص لبحث دراسة أولية تتعلق بتمويل وإنشاء وتشغيل مصفاة لتكرير النفط الخام في منطقة تدمر وسط سوريا، ضمن صيغة شراكة استثمارية طويلة الأمد، تقوم على تأسيس كيان قانوني سوري خاص لإدارة المشروع، يعمل فعليًا تحت مظلة شركة روسنفت الروسية.

ويأتي هذا التحرك في سياق أوسع من النقاشات المتجددة حول مستقبل قطاع التكرير في سوريا، في ظل تعدد المشاريع المطروحة وتباين مصائرها. فالحكومة السورية كانت قد أعلنت في وقت سابق عن مشروع لإنشاء مصفاة حكومية جديدة في حمص بطاقة تتراوح بين 150 و200 ألف برميل يوميًا، إلا أن المشروع لا يزال في طور التخطيط، دون الإعلان عن تفاصيل تعاقدية أو تنفيذية واضحة حتى الآن. كما برز خلال السنوات الأخيرة اتفاق ثلاثي ضم سوريا وإيران وفنزويلا لبناء مصفاة في حمص بطاقة تقارب 140 ألف برميل يوميًا، غير أن هذا الاتفاق بقي، حتى اللحظة، في إطار التمويل والتصميم، من دون مؤشرات حاسمة على دخوله حيّز التنفيذ.

في المقابل، تعود إلى الذاكرة مشاريع قديمة لإنشاء مصافٍ نفطية أُبرمت قبل الحرب مع أطراف دولية متعددة، وهي مشاريع باتت اليوم ذات طابع تاريخي أكثر منها جزءًا من الخطة الحالية لقطاع الطاقة. كما طُرحت، في مراحل متفرقة، مبادرات تتعلق بتحسين أو تأهيل مصفاة حمص القائمة، بدعم إيراني، إلا أن هذه الطروحات بقيت غير موثقة رسميًا، وتدور في نطاق النقاش والتحليل أكثر من كونها عقودًا نافذة.

ضمن هذا المشهد المتشابك، يبرز مشروع مصفاة تدمر بوصفه محاولة مختلفة من حيث الصيغة والتموضع، إذ يعتمد على شراكة تشغيلية بواجهة سورية وتمويل وتنفيذ روسي مباشر، ما يمنحه، نظريًا، فرصًا أكبر للتقدم مقارنة بالمشاريع السابقة التي اصطدمت بعقبات تمويلية أو سياسية أو تنفيذية وحتى قانونية.

غير أن نجاح المشروع يبقى مرهونًا بجملة عوامل، في مقدمتها البيئة القانونية، والعقوبات المفروضة على قطاع الطاقة السوري، إضافة إلى الاستقرار الأمني والقدرة على تأمين النفط الخام وسلاسل الإمداد.

وبذلك، لا يُنظر إلى مشروع تدمر باعتباره مجرد مصفاة جديدة، بل كاختبار فعلي لإمكانية إعادة إطلاق استثمارات نفطية كبرى في سوريا، في مرحلة تتداخل فيها الحسابات الاقتصادية مع الاعتبارات السياسية والجيوسياسية

ملامح مشروع مصفاة تدمر: طاقة إنتاجية كبيرة وبنية بتروكيماوية متكاملة

تناولت الدراسة الأولية التي نوقشت خلال اللقاء رؤية متكاملة لتأسيس مصفاة نفط في تدمر، بطاقة تصميمية تصل إلى نحو 7.5 مليون طن سنويًا من النفط الخام، أي ما يعادل تقريبًا 150 ألف برميل يوميًا. وتُعد هذه الطاقة الإنتاجية كبيرة مقارنة بواقع السوق المحلية، إذ يمكن أن تغطي جزءًا مهمًا من الاحتياجات السورية، مع احتمال وجود فائض للتصدير في حال استقرار سلاسل الإمداد وتوافر الخام.

ويستند المخطط الفني للمصفاة إلى ست وحدات إنتاج رئيسية تعمل بتقنية التقطير الجوي، إلى جانب وحدة متخصصة لتحسين مادة النفتا بهدف إنتاج بنزين عالي الأوكتان يتوافق مع معايير السوق المحلية والإقليمية. كما يتضمن المشروع إنشاء مجمع بتروكيماويات مكمل في محيط المصفاة، بهدف تعزيز استدامة التشغيل وتحقيق قيمة مضافة أكبر على المدى المتوسط والطويل.

مصفاة تدمر بين التمويل روسنفت الروسية والواجهة السورية الاسمية “صفقة بلا شفافية”؟

وصل الطرفان، وفق ما جرى تداوله خلال اللقاء، إلى تفاهمات تفصيلية حول الإطار القانوني والمالي للشركة السورية المزمع تأسيسها لإدارة مصفاة تدمر، ضمن هيكل استثماري يعتمد على تمويل روسي وإدارة سورية “اسمية” تتولى العمليات اليومية.

التمويل وآلية الاسترداد

تلتزم شركة روسنفت بتمويل كامل تكاليف إنشاء وتشغيل المصفاة بصفتها المقاول الرئيسي، مقابل حصولها على استثمارات إضافية مرتبطة بعمليات استخراج النفط في حقلي المهاش والخراطة بريف دير الزور. ويُعزى اختيار هذين الحقلين إلى دراسات ميدانية سابقة أجراها خبراء روس تابعون لروسنفت خلال فترة ما قبل الحرب، شملت تقييم الحفارات والمضخات وأنظمة التحكم والرقابة داخل الآبار، ما منح الشركة الروسية معلومات تقنية دقيقة عن واقع الحقول وإمكاناتها.

وبحسب التفاهمات الأولية، ستتم آلية استرداد تكاليف روسنفت عبر استرداد أولي (Front-End Recovery)، أي أن الشركة الممولة تسترد جزءًا من تكاليفها في بداية الإنتاج قبل توزيع أي حصص، عبر نسبة محددة من الإنتاج السنوي. ويُفهم من مجريات التفاوض أن الروس رفضوا الصيغ البديلة التي تعتمد على الاسترداد من “الأرباح” أو “الهامش” بعد توزيع الحصص، لاعتبارات تتعلق بالتقلبات السعرية وصعوبة إثبات الربحية في بيئة عقوبات ومخاطر تشغيلية.

الاسترداد الأولي في تدمر: 40% من الإنتاج للتمويل قبل التوزيع

تتم عملية الاسترداد الأولي وفق آلية محددة ومتفق عليها، حيث تُخصّص 40% من الإنتاج السنوي لاسترداد تكاليف شركة روسنفت في بداية الإنتاج، قبل توزيع أي حصص. وبعد استرداد هذه النسبة، يتم توزيع الـ 60% المتبقية من الإنتاج بين الطرفين وفق الحصص المتفق عليها.

وبموجب التفاهمات المتداولة، تحصل الشركة السورية المشغّلة على 60% من الإنتاج المتبقي (أي 36% من الإنتاج الكلي) بينما تحصل روسنفت على 40% من الإنتاج المتبقي (أي 24% من الإنتاج الكلي).

وبذلك يصبح توزيع الإنتاج الكلي كما يلي:

  • 40%: استرداد روسنفت لتكاليفها

  • 36%: حصة الشركة السورية

  • 24%: حصة روسنفت

الآلية المقترحة تعطي روسنفت أكثر من نصف الإنتاج الكلي (40% استرداد + 24% حصة) بينما تبقى الحصة السورية 36% فقط، ما يجعل “الحصة التشغيلية” تبدو أقرب إلى واجهة رسمية منه إلى ملكية فعلية. كذلك يقلص الاسترداد الأولي حجم الإنتاج المتاح للسوق المحلية، ويضع الدولة في موقع مستفيد ثانوي. في ظل التمويل الكامل والهيمنة الفنية الروسية، تبدو الصيغة غير متوازنة وتحتاج إعادة ضبط لتأمين حصة وطنية أكثر واقعية

الملكية السيادية للنفط

رغم الدور التشغيلي والفني لروسنفت، تبقى ملكية النفط الخام في حقلي المهاش والخراطة بيد الشركة السورية للنفط، دون منح روسنفت أي حصة مباشرة في الاحتياطي النفطي، في خطوة تبدو موجهة لتفادي أي إشكالات قانونية وسيادية محتملة.

التشغيل والصيانة

تتحمل روسنفت جميع النفقات المرتبطة بتأسيس الشركة السورية، إضافة إلى إنشاء وتشغيل المصفاة وتقديم الخبرة الفنية، وإعداد وتنفيذ البرامج التشغيلية اللازمة. كما تتولى الشركة الروسية أعمال الصيانة والتأهيل في حقلي المهاش والخراطة، ما يضمن استمرار الإنتاج وتحسين الأداء التقني للحقول.

تدمر إلى المرحلة التنفيذية: روسنفت ترسل فريقًا فنيًا لتقييم المشروع

في ختام اللقاء، اتفق الطرفان على إرسال فريق من الخبراء والمهندسين الفنيين التابعين لشركة روسنفت إلى سوريا في منتصف شباط/فبراير 2025. وتتمثل مهمة البعثة في إعداد دراسة شاملة لموقع المصفاة في تدمر، ووضع آليات تنفيذ المشروع، إلى جانب تقييم ميداني لعمليات استخراج النفط في حقلي المهاش والخراطة بريف دير الزور.

كما تشمل مهام البعثة فحص مستوى الضرر الذي لحق بالآبار والمعدات نتيجة الضغط التشغيلي والاستخدام المكثف خلال السنوات الماضية، وإعداد تقارير فنية حول جاهزية الحفارات والمضخات، وإمكانية استبدالها أو تأهيلها. ويتضمن ذلك أيضًا تنظيف جوف الآبار لتحفيز الإنتاج، وتنفيذ أعمال صيانة كاملة لخزانات التجميع في الحقلين، تمهيدًا لرفع القدرة الإنتاجية بما يتناسب مع متطلبات المشروع

هذا الاتفاق يعكس من منظور اقتصادي نفطي، محاولة روسية لإعادة تثبيت موطئ قدم طويل الأمد في قطاع الطاقة السوري، عبر نموذج شراكة يجمع بين السيطرة التشغيلية والغطاء السيادي المحلي في بيئة معقدة سياسيًا وقانونيًا.

كما يشير هذا التحرك إلى تحول موسكو من دور الدعم العسكري إلى الاستثمار البنيوي في أصول الطاقة، ما يفتح الباب واسعًا أمام تساؤلات جوهرية حول تأثير المشروع على خريطة الطاقة الإقليمية ومستقبل إدارة الموارد النفطية السورية.

مقالات ذات صلة