هند خليفة
تصاعد مؤخرًا الجدل في الشارع السوري ووسائل الإعلام حول ما وُصف بـ”النقص الحاد” في توفر الليرة السورية الجديدة، كما اتجهت الأنظار إلى فرضيات متباينة، كان أكثرها تداولًا الحديث عن تهريب العملة إلى الخارج، في وقت يزداد فيه الضغط على السوق النقدية وتتعمق أزمة السيولة.
وبينما تتضارب الروايات وتتسع دائرة الشائعات، تبرز الحاجة إلى قراءة هادئة تستند إلى المعطيات الرسمية والمؤشرات الاقتصادية الفعلية، لفهم ما يجري بعيدًا عن التهويل أو التسييس.
سباق زمني وتعثر
يفتح هذا الجدل الباب أمام تساؤلات جوهرية تتعلق بحجم الكتلة النقدية المطروحة، وآليات الاستبدال، وحدود دور المصرف المركزي في إدارة النقد، كما يسلط الضوء على الفجوة المتزايدة بين التفسير الشعبي للأزمة والواقع المالي الذي ترسمه الأرقام والسياسات النقدية المعلنة.
في هذا السياق، قال الخبير الاقتصادي يونس الكريم إن الجدل المتصاعد حول ما يوصف بـ”النقص الحاد” في توفر الليرة السورية الجديدة، وما يرافقه من حديث واسع عن تهريبها إلى الخارج، يتطلب مقاربة أكثر هدوءًا تستند إلى الوقائع الرسمية والمعطيات النقدية المعلنة، بعيدًا عن التهويل أو الاستنتاجات التي لا تدعمها مؤشرات حقيقية من داخل المؤسسات المعنية.
وأوضح الكريم خلال منشور له على منصة “فيسبوك”، أن طرح الليرة السورية الجديدة لم يتجاوز 28 يومًا، وهي مدة غير كافية بأي معيار لقياس مستوى انتشارها في السوق، خاصة في اقتصاد يعاني منذ سنوات من اختناقات نقدية حادة وتراجع الثقة بالعملة الوطنية.
مخاوف التداول وجودة الطباعة
أضاف الكريم أن صعوبة تداول هذه الفئة، إلى جانب المخاوف المتعلقة بسرعة تلفها نتيجة ضعف جودة الطباعة مقارنة بكثافة الاستخدام اليومي، أسهمت في إحجام شريحة من المواطنين والتجار عن التعامل بها، ما خلق انطباعًا مضللًا بوجود نقص حاد.
وأشار إلى أن الأرقام الرسمية الصادرة عن مصرف سوريا المركزي تؤكد أن الكميات المطروحة حتى الآن ما تزال محدودة جدًا، إذ لم يتجاوز حجم الضخ نحو مليار قطعة، في حين تشير تقديرات الكتلة النقدية المتداولة إلى حاجة السوق لعشرات المليارات من الأوراق النقدية لتلبية النشاط الاقتصادي، وهو ما يفسر الارتباك القائم دون الحاجة إلى افتراض سيناريوهات غير واقعية.
وفي ما يتعلق بالحديث عن تهريب الليرة السورية الجديدة إلى الخارج، شدد الكريم على أن مصادر رسمية في المصرف المركزي وفي الجهات الجمركية لم تسجل أي حالات موثقة أو ضبطيات تشير إلى وجود عمليات تهريب منظمة لهذه العملة، مؤكدًا أن المنطق الاقتصادي ذاته ينفي هذا الاحتمال، نظرًا لأن الليرة السورية عملة محلية فاقدة لقابلية التخزين أو المضاربة خارج الحدود، ولا تمثل قيمة حقيقية في الأسواق الإقليمية أو الدولية، بخلاف العملات الصعبة.
الاستبدال ومناطق خارج الحسابات
بيّن الكريم أن وجود كميات محدودة من الليرة خارج البلاد، إن وُجد، يرتبط حصرًا بعمليات الاستبدال التي جرت خلال فترات سابقة، خاصة مع رفض المصرف المركزي استبدال العملة خارج الأراضي السورية، وعدم شمول مناطق الإدارة الذاتية بعمليات الاستبدال، وهي مناطق تضم قرابة أربعة ملايين نسمة، ما أدى إلى سحب جزء من الكتلة النقدية من التداول دون تعويض فوري.

ولفت إلى أن الهدف الحقيقي من إصدار الليرة الجديدة، وفق ما تعكسه المعطيات الرسمية، لا يقتصر على البعد الاقتصادي، بل يتقاطع مع اعتبارات سياسية ورمزية، تتعلق بسحب الأوراق النقدية التي تحمل صور بشار الأسد ووالده من التداول خلال فترة زمنية قصيرة، في إطار إعادة تشكيل المشهد النقدي العام.
وختم الكريم بالتأكيد أن غياب الشفافية التفصيلية حول سياسات الطباعة والإصدار، وتزامن ذلك مع تحركات خارجية وتوقيع عقود اقتصادية كبرى، يفتح الباب أمام التساؤلات والشائعات، داعيًا الجهات الرسمية إلى تقديم توضيحات دقيقة ومباشرة للرأي العام لقطع الطريق أمام روايات تهريب الليرة أو اختفائها خارج الأطر الطبيعية للسوق.
المصدر :موقع الحل.

