الرئيسية » أحلام مؤجلة… SWIFT

أحلام مؤجلة… SWIFT

عودة انتقائية تدريجية… لا انفتاح شامل

بواسطة Younes

تشهد المنظومة المالية في سوريا مرحلة دقيقة، تبدو فيها الحسابات السياسية منفصلة عن معايير الامتثال المصرفي الدولي (International Banking Compliance)، إذ يسير كل مسار بمعزل عن الآخر، في مشهد يعكس فجوة واضحة بين القرار السيادي ومتطلبات النظام المالي العالمي.

ويتجلى هذا التباعد بوضوح في النقاش الدائر حول العودة المحتملة إلى نظام  (SWIFT/سويفت)، الذي يمثل البنية التحتية الأساسية لتسوية المدفوعات (Payment Settlement Infrastructure) وربط المصارف السورية بشبكة المراسلة المالية الدولية .

ورغم تصاعد الحديث عن رفع العقوبات وإعادة تفعيل بعض القنوات المصرفية، فإن المؤشرات الواقعية لا توحي بانفتاح مالي شامل أو فوري. فعلى الرغم من تخفيف بعض القيود، ومنها ما يرتبط بـ قانون قيصر، من باب التخفيف عن المواطنين، إلا أن آثارها لا تزال مستمرة، نتيجة ارتباط الاستفادة من رفعها بعقوبات أخرى متعلقة بـ تمويل الإرهاب (Terrorism Financing) ومكافحة غسل الأموال  (AML)، إضافة إلى استمرار العمل باللوائح التنفيذية لعقوبات قيصر بحق شخصيات سبق أن أعفى الرئيس أحمد الشرع بعضها ضمن ما يُسمى التسويات الشخصية (Personal Settlements). وقد جعل ذلك الاقتصاد الغربي والدولي أكثر حيطةً وحذراً في التعامل مع السوريين، خشية المخاطر القانونية المرتبطة بـ قوانين مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب (AML/CFT Compliance Risk).

وعليه، فإن المسار المتوقع—إن تحقق رفع أوسع للعقوبات وعودة النشاط الاقتصادي، بما في ذلك العمليات المصرفية —سيكون تدريجياً وطويلاً وانتقائياً، ومحكوماً باشتراطات رقابية مشددة تتعلق بالامتثال المؤسسي، الشفافية المالية، وإدارة المخاطر . ومن المرجح أن تبدأ أي خطوة أولى بتوسيع نطاق الحوالات الشخصية (Personal Remittances)، كما حدث عبر شركتي Western Union وMoneyGram لكن سوف تبقى للافراد دون التجارة من حيث حجم الحوالات ، يليها السماح بالتحويلات الواردة من الخارج (Inbound Transfers)، من دون منح حرية كاملة للحركات المالية الصادرة (Outbound Capital Flows) سواء عبر البنوك أو الشركات التجارية، في المدى المنظور.

وبالتالي، فإن العودة التقنية إلى “سويفت” حتى إن تحققت، لن تمثل الاندماج الكامل في النظام المالي الدولي (Full Integration into Global Financial System) ما لم تُستكمل بإصلاحات هيكلية ومؤسسية تعيد بناء الثقة مع المصارف المراسلة، وتؤسس لبيئة قانونية وتنظيمية متوافقة مع معايير الحوكمة والشفافية المالية  المعتمدة عالمياً.

هل تعود سوريا إلى النظام المالي العالمي عبر سويفت؟

تُعدّ شبكة (SWIFT) العمود الفقري لنظام المراسلات المالية العالمي، إذ تعتمد عليها المصارف في إرسال واستقبال أوامر التحويل والتعليمات المرتبطة بالمدفوعات العابرة للحدود ضمن إطار المدفوعات الدولية (Cross-Border Payments). ومن دون الارتباط بهذه الشبكة، يفقد أي بنك قدرته على تنفيذ الحوالات الدولية الرسمية أو تلقيها عبر قنوات المراسلة المصرفية (Correspondent Banking) المعترف بها عالمياً.

غير أن إعادة ربط جميع المصارف المحلية بهذه المنظومة في المرحلة الراهنة تبدو أمراً غير واقعي، لا سيما أن سوريا ما تزال مُدرجة على قائمة الدول الراعية للإرهاب وفق تصنيف United States Department of State، وهو توصيف ينعكس مباشرة على تقييم المخاطر السيادية (Sovereign Risk Rating) وكلفة التعاملات المصرفية الدولية، بل وعلى قرارات البنوك المراسلة بشأن فتح أو إعادة تفعيل حسابات المراسلة (Correspondent Accounts).

كما أن جاهزية البنية التحتية المصرفية لا تزال تعاني من قصور على المستويين التقني والتشغيلي، سواء من حيث تحديث الأنظمة، أو توافر الكوادر المتخصصة، أو مستوى الأمن والاستقرار، أو سهولة الوصول إلى الفروع والخدمات المصرفية. ويُضاف إلى ذلك دور البيئة القانونية والتنظيمية، التي تُشكّل الضمانة الأساسية للمصارف الأجنبية في حالات التعثر أو النزاعات، فضلاً عن كفاءة أنظمة الامتثال الداخلي والرقابة المؤسسية.

فهذه العناصر مجتمعة تدخل ضمن تقييم بيئة التشغيل المصرفي ، وتؤثر مباشرة في معايير إدارة المخاطر المؤسسية ، وهو ما يفسّر أحد أسباب استمرار تصنيف البيئة المصرفية ضمن خانة المخاطر المرتفعة. كما يعكس عدم إصدار تشريعات كافية لمواءمة القوانين المحلية مع معايير الامتثال الدولية—ولا سيما في ما يتعلق بإطار مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب (AML/CFT Framework)—فجوة تنظيمية تزيد من تحفظ المصارف الدولية.

إلى جانب ذلك، فإن الحديث عن تسويات مالية مع شخصيات خاضعة لعقوبات دولية، بالتوازي مع تقارير عن عودة أنشطة غير مشروعة—من بينها تجارة المخدرات، المصنّفة دولياً كأحد أبرز مصادر غسل الأموال في المنطقة—يثير مخاوف إضافية لدى المصارف المراسلة والهيئات الرقابية، نظراً لارتفاع مخاطر الامتثال (Compliance Risk) ومخاطر السمعة (Reputational Risk)، ما يعقّد أي مسار محتمل لإعادة الاندماج الكامل في النظام المالي الدولي.

هذه المعطيات مجتمعة تُضعف عنصر الثقة—وهو الركيزة الأساسية في النظام المالي العالمي—وتحدّ من فرص إعادة دمج أي نظام مصرفي في الشبكة المالية الدولية على نحو شامل. وعليه، فإن أي تقدم باتجاه إعادة التفعيل سيظل، على الأرجح، محدوداً وانتقائياً وخاضعاً لرقابة صارمة، بدلاً من انفتاح كامل يتيح حرية حركة الأموال الصادرة والواردة (Inbound & Outbound Capital Flows) دون قيود.

التحويلات المالية في سوريا: تفعيل الحوالات الواردة وسط قيود صارمة على الصادرة

بسبب انعدام الثقة بالبيئة المصرفية السورية ومصرف سوريا المركزي، وبفعل الضغوط السياسية من حلفاء الحكومة الحالية والمخاوف من تصاعد الصراع بسبب الانهيار الاقتصادي و عودة الحرب الاهلية ، قد يتم تقديم دعم محدود للنظام المصرفي السوري عبر تفعيل خيار التحويلات الواردة (Inbound Transfers) ليكون رئة الاقتصاد. ويُستخدم هذا المصطلح للإشارة إلى الأموال التي تنتقل من الخارج إلى الداخل عبر القنوات المصرفية الرسمية، غالباً عبر شبكة (SWIFT).

وتُعتبر هذه العمليات الأقل خطورة بالنسبة للمصارف الدولية، لأنها تصدر عادةً عن أنظمة مصرفية خاضعة لرقابة تنظيمية واضحة لديها ، ما يجعل حركة الأموال قابلة للتتبع والتدقيق وفق معايير الامتثال المصرفي الدولي.

في المقابل، لن يكون تفعيل خيار التحويلات الصادرة (Outbound Transfers) من سوريا إلى الخارج ممكناً في المدى القريب، لا سيما مع استمرار الفوضى النقدية والمالية .

ويُعد هذا النوع من العمليات أعلى مخاطرة، خصوصاً عندما يتعلق الأمر بأموال صادرة من بيئة مصرفية مصنّفة ضمن الاختصاصات عالية المخاطر ، مثل سوريا. إذ قد تثير الأموال الخارجة تساؤلات بشأن مصدرها الفعلي أو وجهتها النهائية، ما يدفع المصارف المراسلة والهيئات الرقابية إلى التعامل معها بحذر شديد.

وبسبب هذا المستوى المرتفع من المخاطر، تُعد التحويلات الصادرة عادة آخر مراحل أي عملية انفتاح مالي. لذلك، من المرجح أن تقتصر المرحلة الأولى على تفعيل التحويلات الواردة، ما يسهل دخول العملات الأجنبية إلى الداخل، إلا أن هذه العمليات تبقى محدودة و ناقصة، إذ تقيد قدرة الشركات المحلية على تحويل أموالها إلى الخارج  للوفاء بالتزاماتها التجارية، ويحدّ عملياً من أي انفتاح تجاري أو اقتصادي شامل في المدى القريب.

هذا النمط من التقييد يجعل الاقتصاد يعتمد بشكل كبير على المنتجات المحلية، والتي غالباً ما تكون صناعات ريعية أو صناعات بسيطة غذائية، ويفقد كل من الصناعة والتجارة الاستفادة من الرافعة المالية التي توفرها الاعتمادات المستندية (Documentary Credits/Letters of Credit)، ما يزيد التكاليف على التجار عند تحويل الأموال عبر قنوات غير رسمية ويضعف فرص توسع الأعمال والنمو الصناعي.

الشركات ذات المشاريع الحقيقية تقود العودة المحدودة للنظام المصرفي

كما ذكرنا، قد يؤدي ضغط الحلفاء الدوليين اللحكومة  وبعض الشركات التي دخلت السوق السورية عبر استثمارات ضخمة (عقود غير شفافة لعدم خسارتها) إلى دفع النظام المالي العالمي  نحو تسهيل التعامل مع المصارف المحلية. ومن المرجح أن يتركز الانفتاح المالي في مرحلته الأولى على الشركات الاستثمارية القادرة على إثبات وجود استثمارات فعلية ومشاريع واضحة وملفات مالية قابلة للتدقيق.

هذه الشركات وحدها ستكون مؤهلة للحصول على قنوات تحويل محدودة عبر شبكة SWIFT أو البنوك المراسلة، ضمن إطار امتثال صارمة يشمل:

  • KYC (Know Your Customer): معرفة هوية العميل من الطرفين.
  • AML (Anti-Money Laundering): مكافحة غسل الأموال.
  • CFT (Countering Financing of Terrorism): مكافحة تمويل الإرهاب.
  • Due Diligence: العناية الواجبة والتحقق من مصادر الأموال.
  • Regulatory Environment: وجود تشريعات واضحة وهيئات رقابية فعّالة.

وعادةً يحتاج هذا المسار بين عام وعامين ليستقر، ويعتمد نجاحه على مدى توثيق الملفات الاستثمارية ومصداقية المستثمرين. وإذا تحقق ذلك، سيكون الأساس للانتقال إلى مرحلة لاحقة تتضمن توسيع التعاملات المصرفية، بينما أي إخفاق أو ضعف في التوثيق قد يحصر التعاملات ضمن الحدود الأولية مع البنية المصرفية السورية.

فتح فروع للبنوك الخارجية: خطوة أعمق وأبطأ

دخول البنوك الأجنبية وافتتاح فروع لها داخل البلاد يُعد مسارًا مختلفًا تمامًا وأكثر تعقيدًا من مجرد الاستثمار المحلي. هذه العملية تعتمد على عدة عوامل رئيسية:

  • نجاح الاستثناءات الاستثمارية الكبرى: حيث تُمنح الشركات الاستثمارية الكبيرة القدرة على تلبية متطلبات الامتثال المصرفي لكل من العمليات الواردة (Inbound) والصادرة المحدودة (Outbound).
  • الشروط التقنية والتنظيمية، والتي تشمل:
  1. توقيع اتفاقيات حكومية داعمة.
  2. وجود بيئة قانونية مستقرة.
  3. توفير ضمانات رقابية وحماية من المخاطر المحتملة.
  4. إمكانية تحويل الأرباح للخارج دون قيود كبيرة.
  5. الحصول على موافقة البنك المركزي في بلد البنك الأم.

لذلك، عادةً ما يتراوح الزمن المتوقع لفتح فروع البنوك الأجنبية بين عامين إلى ثلاثة أعوام على الأقل، وقد يمتد أكثر في بيئات مشابهة إذا نجحت عمليات الامتثال والاعتمادات التنظيمية

عودة انتقائية تدريجية… لا انفتاح شامل

رغم استمرار وجود بعض القوائم المرتبطة بتمويل الإرهاب التي تشمل جهات داخلية، إلا أن نطاقها أصبح اليوم أضيق مقارنة بالماضي، بما يشبه الانفتاح الغربي مع حكومة الأسد قبل عام 2010. ويتم الحد من تأثير هذه القوائم عبر تنظيم مسار التحويلات بشكل تقني، بحيث تبدأ من الخارج إلى الداخل، مما يقلل المخاطر الرقابية ويجنب البنوك الدولية أي اشتباك مع الأنظمة العالمية للامتثال، ليشكل بذلك قاعدة لخطوات مستقبلية نحو الانفتاح، دون أن يكون شاملًا.

المشهد المالي المتوقع : لا رفع شامل لـ SWIFT في المدى القريب
المرحلة الأولى: قنوات محدودة مخصصة للشركات الاستثمارية الجادة (خلال 1–2 سنة).

المرحلة الثانية: دراسة فتح فروع للبنوك الأجنبية (عادة بين 2–3 سنوات) عبر :

  • التحويلات الواردة (Inbound): تمثل المسار الأول والأكثر أمانًا.
  • التحويلات الصادرة (Outbound): ستظل آخر مرحلة، وقد تتطلب سنوات إضافية قبل السماح بها بشكل أوسع.

بهذا المعنى، فإن الحديث عن “عودة النظام المالي كما كان” غير دقيق، بينما الصورة الأقرب للواقع هي عودة تدريجية وانتقائية تركز على تقليل المخاطر وضمان الامتثال العالمي.

مقالات ذات صلة