عامر السيد علي
تشهد الأسواق الصغيرة في أرياف إدلب حالة من الركود المتزايد، بعدما كانت لسنوات طويلة مركز ثقل اقتصادي محلي غذته موجات النزوح الكثيفة ونشاط المنظمات الإنسانية. ومع التحولات الكبرى التي شهدتها سورية أخيراً، وعودة قسم من النازحين إلى مناطقهم الأصلية، وجدت هذه الأسواق نفسها أمام واقع مختلف تماماً: زبائن أقل، وقدرة شرائية أضعف، ورفوف باتت تقتصر على أبسط الاحتياجات.
ففي قرية معارة الإخوان، يقضي مهران قصاب جزءاً كبيراً من نهاره أمام دكانه، يتبادل الحديث مع أحد أبناء القرية في انتظار زبائن بات حضورهم متقطعا. في الداخل، تبدو بعض الرفوف فارغة، فيما تقتصر أخرى على كميات قليلة من المواد الأساسية، بعدما اختفت أصناف كان وجودها اعتيادياً قبل سنوات. ويختصر قصاب حجم التحول الذي أصاب متجره بقوله لـ”العربي الجديد” إن مبيعاته كانت تصل في بعض الأيام سابقا إلى نحو 80 دولاراً، بينما يعتبر اليوم وصولها إلى عشرة دولارات يوماً جيداً، موضحا أن الحديث عن قيمة المبيعات، وليس الأرباح.
وتراجع كهذا لا يقتصر، بحسب شهادات محلية وتقديرات اقتصادية، على متجر قصاب وحده، إذ تواجه أسواق صغيرة في مناطق ريفية من إدلب ضغوطاً متزايدة مع تقلص عدد السكان في بعض البلدات بعد عودة نازحين إلى مناطقهم، وتراجع نشاط المنظمات الإنسانية وفرص العمل المرتبطة بها، إلى جانب ضعف القدرة الشرائيةوتقلبات أسعار الصرف واتساع حركة السلع بين إدلب وبقية المحافظات السورية.
قبل تحرير سورية، كان المشهد مختلفا في معارة الإخوان، إذ كانت القرية تستقبل آلافا من سكانها والنازحين إليها، وتحيط بها مخيمات من اتجاهات عدة، فيما كانت حركة البيع نشطة داخل الدكاكين الصغيرة. ويقول قصاب إن متجره كان ممتلئاً بالبضائع، وكان يستعين بعامل لمساعدته في البيع وترتيبها، كما كان يعرض أنواعا متعددة من المعلبات والموالح والمشروبات والمواد المنزلية. أما اليوم، فلم يعد عدد السكان الأصليين المقيمين في القرية يتجاوز ثلاثة آلاف نسمة، بعد مغادرة معظم النازحين وعودة قسم كبير منهم إلى مناطقهم الأصلية.
ومع استمرار تراجع الحركة، بدأ قصاب يقلص البضاعة تدريجياً، وصولا إلى الإنفاق من رأس مال متجره. ويقول: “كان علي إغلاق الدكان عندما بدأت أصرف من رأس المال، لكنه ب
لكن إبقاء الدكان مفتوحاً لم يعد يعني الاعتماد عليه وحده مصدراً للدخل، فقصاب يمتلك خبرة في الزراعة وتقليم الأشجار، وعندما تتوفر فرصة عمل، يغلق متجره ويتوجه إليها. وفي موسم الزيتون، قد يكون قضاء يوم في القطاف أكثر جدوى بالنسبة إليه من انتظار عدد محدود من الزبائن داخل الدكان. ولا تعكس هذه الحالة فقط ضعف مبيعات متجر صغير، بل تغيراً في قدرة بعض المشروعات الريفية على توفير دخل كاف لأصحابها، بعدما كانت تمثل مصدر رزق أساسيا لهم.
ولا يتعلق الأمر بعدد الزبائن فقط، فالزبون الذي بقي في القرية بات يشتري أقل أيضاً، ويبحث بدرجة أكبر عن السلعة الأرخص. ويقول قصاب إن أصنافاً عديدة اختفت أو تراجعت كمياتها من متجره، من بينها أنواع مرتفعة السعر من المعلبات والتونة والشيبس، فيما حافظ على المواد التي يصعب الاستغناء عنها، مثل السكر والشاي والأرز والعدس والزيت. حتى نوعية بعض المنتجات تغيرت، فسائل الجلي الذي كان قصاب يشتريه من شركات معروفة استبدله بمنتج يحضره بنفسه من مواد أولية، مستجيباً لزبائن أصبح السعر بالنسبة إليهم أكثر أهمية من العلامة التجارية.
ومن أكثر التحولات وضوحا في متجر قصاب تقلص البيع بالدين، إذ كان دفتر الدين في السابق جزءاً طبيعياً من دورة البيع. فالعامل لدى منظمة أو مشروع ما يشتري حاجاته خلال الشهر، ثم يسدد ما عليه عند قبض أجره، ليعيد صاحب المتجر استخدام الأموال في شراء بضاعة جديدة. ويقول قصاب إن هذه الآلية كانت تعمل لأن الزبون يعرف تقريبا موعد حصوله على دخله، وكان التاجر يستطيع بدوره تقدير موعد استعادة أمواله.
لكن الحساب الاقتصادي لا يحسم الأمر دائماً داخل قرية صغيرة، فيقول قصاب إنه يستطيع رفض منح الدين لبعض الزبائن، لكنه لا يقدر على فعل ذلك عندما يعرف أن الشخص أمامه لا يملك فعلاً ثمن حاجات أسرته. وبذلك يبقى جزء من البيع بالدين قائماً خارج الحسابات التجارية الصرفة، مستندا إلى معرفة السكان ببعضهم وعلاقات القرابة والجيرة، حتى عندما يأتي ذلك على حساب رأس مال متجر يواجه أساساً صعوبة في الاستمرار.
ورغم حديثه عن تراجع عمل متجره، يرفض قصاب اختزال المقارنة بين ما قبل تحرير سورية وما بعده في الوضع الاقتصادي. فهو يعتبر عودة النازحين إلى مناطقهم، وإن عاد بعضهم إلى منازل مدمرة، وانتهاء الخوف من القصف الجوي، وإمكانية التنقل بين المحافظات ولقاء الأقارب، تحولات أساسية غيرت حياة السكان نحو الأفضل. لكن تلك التحولات لم تتحول، حتى الآن، إلى انتعاش مماثل في السوق الصغيرة التي يعمل فيها. بالنسبة إلى قصاب، ما يزال ذلك واضحا كل يوم أمام رفوفه: عدد أقل من الزبائن، وكميات أصغر في سلالهم، وأصناف تختفي تباعاً. وحين تتوفر فرصة عمل في حقل قريب، يغلق باب الدكان ويتجه إليها، بدلا من قضاء ساعات في انتظار مبيعات قد لا تتجاوز عشرة دولارات في يوم كامل.
بدوره، يربط الخبير الاقتصادي يونس الكريم هذه التحولات بطبيعة اقتصاد إدلب قبل تحرير سورية، إذ كان، بحسب وصفه، اقتصاداً محلياً شبه مغلق يعتمد بدرجة كبيرة على الطلب الموجود داخل المنطقة، إلى جانب التبادل التجاري مع تركيا وبعض ريف حلب الشمالي. ويقول الكريم لـ”العربي الجديد” إن الكثافة السكانية المرتفعة التي صنعتها سنوات النزوح كانت عاملاً أساسياً في حجم السوق، بالتوازي مع النشاط الواسع للمنظمات الإنسانية ومؤسسات المجتمع المدني، وما وفرته من وظائف ومساعدات ومشروعات أنعشت حركة الإنفاق.
وبعد تحرير سورية، تغيرت هذه المعادلة، فقد عاد قسم من النازحين إلى حلب وحماة وحمص ومناطق أخرى، ما أدى إلى تراجع عدد المستهلكين في أجزاء من إدلب، ولا سيما بعض البلدات والمناطق الريفية التي كانت تستفيد من وجود تجمعات كبيرة للنازحين حولها. ويضيف الكريم أن تراجع الدعم الإنساني ونشاط المنظمات ترافق مع فقدان كثيرين مصادر دخل كانوا يعتمدون عليها، ما انعكس على الطلب داخل السوق، في وقت أصبحت فيه حركة التجارة مع بقية المحافظات أكثر سهولة.
ويشير إلى عامل آخر يتمثل في اختلاف الأسعار بين المناطق، إذ أصبحت بعض السلع القادمة من محافظات أخرى قادرة على منافسة السلع المستوردة عبر تركيا، الأمر الذي يدفع أصحاب الدخول الضعيفة إلى اختيار المنتجات الأقل سعراً حتى عندما تكون جودتها أدنى.
ويرى الكريم أن هذه الظروف دفعت أصحاب متاجر إلى تقليص آجال الدين، ووضع سقف لما يمنح لكل زبون، والتراجع عن نظام الحساب المفتوح الذي كان أكثر انتشاراً في السابق. ويضيف أن اعتماد الدولار مرجعاً لاحتساب قيمة كثير من السلع يجعل صاحب المتجر أكثر حساسية تجاه تغيرات سعر الصرف، بينما تتم المبيعات اليومية والحسابات المحلية بالليرة السورية الجديدة، ما يزيد صعوبة إبقاء الديون لفترات طويلة من دون أن تتأثر قيمة رأس المال.
من شراء الكميات إلى حساب الحاجة اليومية
يظهر تغير القدرة الشرائية أيضا في كميات ما تحمله الأسر إلى منازلها. فيقول عبد الله إبراهيم شرباج، وهو من سكان معارة الإخوان، إن الأسرة كانت تستطيع سابقاً شراء أكياس وكميات كبيرة من المواد الأساسية، بينما أصبح الشراء اليوم محسوباً على الحاجة المباشرة. ويضرب مثالاً بالسكر، قائلا إن العائلة التي كانت تشتري كيساً كبيراً باتت تشتري بضعة كيلوغرامات، فيما ألغت أسر أصنافاً أخرى من قائمة مشترياتها أو خفضت استهلاكها منها.
ويقول شرباج: “كل شيء من الرفاهية الزائدة استغنينا عنه”، مشيراً إلى تراجع شراء الحلويات والموالح وغيرها من المنتجات التي لم تعد الأسر تعتبرها أولوية. وهذا التغير هو ما يراه قصاب مباشرة على رفوفه، فكل صنف لا يتحرك يتحول إلى مال مجمد، بينما يحتاج التاجر إلى سيولة يستطيع بها شراء المواد المطلوبة فعليا.
أما اليوم، فقد أصبحت مصادر الدخل أقل انتظاماً، فيما يضيف تقلب سعر الصرف مشكلة أخرى، إذ قد تتغير كلفة استبدال السلعة خلال الفترة الواقعة بين تسجيل الدين وتحصيله. ويشير قصاب إلى زبون ما زال مدينا له بنحو 30 دولاراً، لكنه غير قادر على سدادها دفعة واحدة، لذلك يدفع نحو خمسة دولارات كل فترة وفق قدرته.
المصدر : العربي الجديد.

