الرئيسية » المحروقات تشعل الاحتجاجات.. ما وراء قفزة الأسعار في سوريا؟

المحروقات تشعل الاحتجاجات.. ما وراء قفزة الأسعار في سوريا؟

بواسطة Younes

سائد الحاج علي

دخلت في 13 أيلول/سبتمبر تسعيرة جديدة للمحروقات حيز التنفيذ في سوريا، رفعت سعر ليتر المازوت من 125 إلى 175 ليرة جديدة، بزيادة بلغت 40 في المئة خلال تسعة أيام، فيما ارتفع بنزين 90 من 147 إلى 185 ليرة، وبنزين 95 من 152 إلى 195 ليرة.

وسرعان ما انتقل أثر القرار إلى الشارع، إذ شهدت سوريا أكثر من 40 نقطة تظاهر في ثمان محافظات سورية ضمت كلا من: الرقة، دير الزور، الحسكة، حلب، حمص، حماة، درعا، إدلب،

وتمثلت احتجاجات في قطع طرقات وإشعال إطارات، كما مُنع مرور صهاريج نفط في بعض المواقع، وفي الرقة أُغلق طريق دير الزور- حلب قرب حويجة شنان، وسُجل إضراب لسائقي نقل في مناطق أخرى.

وبينما وصفت الحكومة الزيادة بالمؤقتة، يطرح القرار سؤالاً حول أسباب قفزة أسعار المحروقات بهذا الحجم، ومن سيتحمل كلفتها الاقتصادية والمعيشية.

فالزيادة الأخيرة لم تكن أول تعديل على أسعار المحروقات خلال الصيف، ففي 28 تموز/يوليو خفضت لجنة التسعير سعر ليتر المازوت إلى 120 ليرة جديدة، وبنزين 90 إلى 142 ليرة، وبنزين 95 إلى 147 ليرة، وقالت حينها إن الأسعار تخضع للمراجعة وفق المؤشرات الاقتصادية والفنية وحركة الأسعار العالمية.

لكن هذا المسار تغير خلال أسابيع قليلة، ففي 4 أيلول/سبتمبر ارتفع سعر المازوت إلى 125 ليرة، قبل أن يصل في 13 أيلول إلى 175 ليرة لليتر، بزيادة بلغت 40 بالمئة خلال تسعة أيام، ورافق ذلك ارتفاع جديد في أسعار البنزين.

أرقام متباينة للإنتاج والاستهلاك النفطي

وتثير الأرقام المعلنة عن إنتاج النفط وحاجة السوق السورية تساؤلات أخرى حول حجم الفجوة التي تستند إليها الحكومة في تبرير زيادة الاستيراد.

صورة من الاحتجاجات على رفع أسعار المحروقات في سوريا - وسائل التواصل الاجتماعي
صورة من الاحتجاجات على رفع أسعار المحروقات في سوريا – وسائل التواصل الاجتماعي

ففي 9 شباط/فبراير 2026، قال وزير الطاقة محمد البشير إن حاجة سوريا تبلغ نحو 150 ألف برميل يومياً، بينما كان الإنتاج حينها أقل من ربع هذه الكمية.

وبعد نحو 7 أشهر، قال البشير إن الحاجة تصل إلى 350 ألف برميل يومياً مقابل إنتاج يقارب 100 ألف برميل، من دون أن يتضح سبب ارتفاع تقدير الاحتياجات بهذا الحجم خلال هذه الفترة.

وفي نهاية نيسان/أبريل، أعلن الرئيس التنفيذي للشركة السورية للبترول يوسف قبلاوي أن الإنتاج وصل إلى نحو 133 ألف برميل يومياً، متوقعاً استقراره قرب 150 ألفاً حتى نهاية 2026، ثم ارتفاعه إلى ما بين 300 و350 ألف برميل يومياً بحلول نهاية 2027، لكن وزارة الطاقة عادت في أيلول/سبتمبر لتقدر الإنتاج بنحو 100 ألف برميل يومياً.

وتزداد أهمية توضيح هذه الأرقام عند مقارنتها بمستويات ما قبل الحرب. فبحسب إدارة معلومات الطاقة الأميركية، أنتجت سوريا نحو 387 ألف برميل يومياً عام 2010، بينما سجل الإنتاج ذروته في عام 1996 عند نحو 582 ألف برميل يومياً.

ويجعل هذا التفاوت بين أرقام الإنتاج والاستهلاك المعلنة من الصعب تحديد حجم العجز النفطي الفعلي، والكميات التي تحتاج سوريا إلى استيرادها، قبل معرفة ما إذا كانت الأرقام تتحدث عن استهلاك النفط الخام، أم مجموع المشتقات، أم الطاقة المطلوبة للتكرير والسوق معاً.

الـ40 بالمئة تعكس أزمة تمويل وتوريد

ويرى الباحث الاقتصادي يونس الكريم أن رفع سعر المازوت بنسبة 40 بالمئة لا يمكن تفسيره فقط بحركة الأسعار العالمية. فالسعر الذي يدفعه السوري اليوم يعكس أيضاً مشكلات أعمق تتعلق بالتمويل والاستيراد والعجز المالي وآليات التوريد داخل سوريا.

ويقول الكريم في حديثه لـ “الحل نت”: إن الحكومة السورية لا تشتري المشتقات النفطية بالشروط نفسها التي تحصل عليها الدول التي تمتلك قنوات مصرفية وتمويلية مستقرة. محدودية الاعتمادات المستندية، وصعوبة التحويلات، وتعدد الوسطاء في بعض عمليات الدفع والتوريد، كلها عوامل يمكن أن ترفع الكلفة النهائية للمادة.

وأن دخول القطاع الخاص لتأمين جزء من احتياجات السوق لا يعني بالضرورة انخفاض الكلفة، لأن تكلفة التمويل والتوريد والمخاطر والتوزيع تدخل في السعر النهائي.

كما يرى أن نسبة الـ40 بالمئة تعكس جزءاً كبيراً من المشكلة المالية السورية: اختلال السوق، والعجز المالي، وضغوط تمويل الموازنة، إضافة إلى عجز بعض المؤسسات الحكومية عن القيام بكامل وظائفها، ما يدفعها إلى الاستعانة بالقطاع الخاص.

وهنا تصبح مسألة تسعير المحروقات مرتبطة أيضاً بالسيولة التي تحتاجها الحكومة. فمع اتساع الفجوة بين الإيرادات والنفقات، يصبح رفع أسعار الوقود أحد أدوات تأمين الموارد وتمويل الالتزامات الحكومية، وليس مجرد إجراء لتغطية فرق سعر المادة المستوردة.

وفي المقابل، هناك سؤال آخر لا يقل أهمية: ما هو حجم الإنتاج النفطي الفعلي في سوريا؟ وهل رقم نحو 100 ألف برميل يومياً يعكس الإنتاج القابل فعلياً للاستخدام محلياً، أم أن جزءاً منه يذهب إلى التصدير أو يخضع لقيود أخرى؟

من دون معرفة حجم الإنتاج الفعلي، وكميات التكرير المحلي، وما يدخل إلى السوق، وما يتم استيراده، من الصعب تحديد الحاجة الحقيقية إلى الاستيراد وبالتالي تفسير السعر النهائي للمحروقات.

ويقول الكريم “إن ارتفاع المازوت بنسبة 40 بالمئة لا أراه رقماً منفصلاً عن بقية الاقتصاد السوري، بل نتيجة لتراكم مشكلات التمويل والاستيراد والسيولة والعجز المالي، وإذا بقيت هذه المشكلات من دون معالجة، فمن الصعب اعتبار الزيادة الحالية سقفاً نهائياً للأسعار”.

مليار دولار عجز

تأتي زيادة أسعار المحروقات في وقت تظهر فيه بيانات وزارة المالية فجوة واضحة بين الإيرادات والإنفاق. وخلال النصف الأول من عام 2026، بلغت الإيرادات العامة نحو 2.7 مليار دولار، مقابل إنفاق وصل إلى 3.7 مليارات دولار، ليسجل العجز نحو مليار دولار.

وبحسب تقرير الأداء المالي للوزارة، ارتفع الإنفاق خلال الأشهر الستة الأولى من العام بنسبة 331 بالمئة مقارنة بالفترة نفسها من 2025، بينما زادت الإيرادات بنسبة 111 بالمئة، وأرجعت الوزارة جانباً من نمو النفقات إلى ارتفاع الرواتب والأجور، إلى جانب زيادة تكاليف السلع والخدمات ومدخلات التشغيل.

وفي المقابل، بلغت إيرادات النفط والغاز خلال الفترة نفسها نحو 601 مليون دولار، بما يعادل قرابة 22 بالمئة من إجمالي الإيرادات المحققة. وبدأ توريد هذه الإيرادات إلى وزارة المالية اعتباراً من أيار/مايو.

ويقول الباحث الاقتصادي يونس الكريم إن هنا تظهر نقطة مهمة، تتمثل في أن إيرادات النفط والغاز تشكل نحو 22 بالمئة من الإيرادات العامة، وتساهم في تمويل الرواتب والخدمات والإنفاق الحكومي، ما يجعل هامش المرونة المالية أمام أي تراجع في هذه الإيرادات ضعيفاً وهشاً.

وبحسب الكريم، لا تستطيع الحكومة بسهولة تعويض انخفاض الإيرادات النفطية، لأن جزءاً كبيراً من الإنفاق يرتبط بالتزامات يصعب خفضها سريعاً، وفي مقدمتها الرواتب والأجور والخدمات الأساسية. وبالتالي، فإن أي تراجع في الإيرادات النفطية يمكن أن يتحول سريعاً إلى ضغط إضافي على العجز والسيولة.

ويرى الكريم أن زيادة أسعار المحروقات تصبح، ضمن هذه الصورة المالية، أكثر قابلية للفهم.

ويضيف أن الحكومة، التي تعاني عجزاً يقارب مليار دولار، تصبح قدرتها على تحمل الفارق بين كلفة تأمين المشتقات النفطية وسعر بيعها محلياً أكثر محدودية، خصوصاً عندما تكون كلفة التمويل والاستيراد والتوريد مرتفعة.

ويقول الكريم: “لا أرى أن رفع سعر المازوت بنسبة 40 بالمئة يمكن قراءته باعتباره مجرد استجابة لارتفاع كلفة المادة، بل هو أيضاً جزء من محاولة نقل نسبة أكبر من كلفة تأمين الطاقة إلى السعر الذي يدفعه المستهلك، في ظل ضغوط السيولة وعجز الموازنة”.

ويشير إلى أن المشكلة الأخرى تتمثل في أن معالجة العجز عبر رفع أسعار المحروقات لها كلفة اقتصادية واجتماعية أيضاً، لأن ارتفاع كلفة الطاقة ينتقل إلى النقل والإنتاج والخدمات وأسعار السلع، وبالتالي قد يؤدي إلى زيادة النفقات نفسها التي تحاول الحكومة ضبطها.

ويطرح الكريم في هذا السياق سؤالاً حول قدرة الحكومة على معالجة أصل المشكلة المالية، أم أن رفع أسعار المحروقات سيكون، بحسب تعبيره، “مجرد تأجيل للعجز عبر تحميل كلفته للاقتصاد والمستهلك”.

ارتفاع المحروقات يرفع كلفة الإنتاج المحلي

من جهة أخرى، يرى الخبير الاقتصادي جورج خزام أن أثر زيادة أسعار المحروقات لا يقتصر على أجور النقل أو كلفة تشغيل المركبات، بل يمتد إلى تكاليف الإنتاج في القطاعات التي تعتمد على الوقود والطاقة.

وبحسب خزام، فإن ارتفاع أسعار المحروقات في ظل استقرار نسبي لسعر الصرف يرفع كلفة الإنتاج بالليرة، من دون أن يقابله انخفاض في هذه الكلفة عند احتسابها بالدولار. ويقول إن ذلك قد يضع المنتج المحلي أمام منافسة أكبر مع السلع المستوردة، خصوصاً في القطاعات التي تشكل الطاقة والنقل نسبة مرتفعة من تكاليفها.

كما يربط خزام بين ارتفاع أسعار الوقود وقدرة المنتجات السورية على المنافسة في الأسواق الخارجية، موضحاً أن الزيادة تدخل في كلفة تشغيل الآليات والنقل والتصنيع قبل وصول السلعة إلى السوق أو إلى منافذ التصدير.

ويختلف حجم التأثير بين قطاع وآخر بحسب نسبة الطاقة والوقود والنقل من الكلفة الإجمالية، بينما تبدو قطاعات النقل والزراعة وبعض الصناعات أكثر ارتباطاً بتغير أسعار المازوت.

ويذهب خزام إلى أن أثر الزيادة الحالية على الإنتاج قد يكون أكبر من أثر ارتفاع سابق في سعر صرف الدولار، لأن زيادة كلفة الوقود ترفع النفقات المحلية مباشرة، حتى في حال عدم تغير سعر الصرف.

خيارات الحكومة

ويقول الباحث الاقتصادي يونس الكريم إن هنا تظهر نقطة مهمة، تتمثل في أن إيرادات النفط والغاز تشكل نحو 22 بالمئة من الإيرادات العامة، وتساهم في تمويل الرواتب والخدمات والإنفاق الحكومي، ما يجعل هامش المرونة المالية أمام أي تراجع في هذه الإيرادات ضعيفاً وهشاً.

وبحسب الكريم، لا تستطيع الحكومة بسهولة تعويض انخفاض الإيرادات النفطية، لأن جزءاً كبيراً من الإنفاق يرتبط بالتزامات يصعب خفضها سريعاً، وفي مقدمتها الرواتب والأجور والخدمات الأساسية. وبالتالي، فإن أي تراجع في الإيرادات النفطية يمكن أن يتحول سريعاً إلى ضغط إضافي على العجز والسيولة.

ويرى الكريم أن زيادة أسعار المحروقات تصبح، ضمن هذه الصورة المالية، أكثر قابلية للفهم.

ويضيف أن الحكومة، التي تعاني عجزاً يقارب مليار دولار، تصبح قدرتها على تحمل الفارق بين كلفة تأمين المشتقات النفطية وسعر بيعها محلياً أكثر محدودية، خصوصاً عندما تكون كلفة التمويل والاستيراد والتوريد مرتفعة.

ويقول الكريم: “لا أرى أن رفع سعر المازوت بنسبة 40 بالمئة يمكن قراءته باعتباره مجرد استجابة لارتفاع كلفة المادة، بل هو أيضاً جزء من محاولة نقل نسبة أكبر من كلفة تأمين الطاقة إلى السعر الذي يدفعه المستهلك، في ظل ضغوط السيولة وعجز الموازنة”.

ويشير إلى أن المشكلة الأخرى تتمثل في أن معالجة العجز عبر رفع أسعار المحروقات لها كلفة اقتصادية واجتماعية أيضاً، لأن ارتفاع كلفة الطاقة ينتقل إلى النقل والإنتاج والخدمات وأسعار السلع، وبالتالي قد يؤدي إلى زيادة النفقات نفسها التي تحاول الحكومة ضبطها.

ويطرح الكريم في هذا السياق سؤالاً حول قدرة الحكومة على معالجة أصل المشكلة المالية، أم أن رفع أسعار المحروقات سيكون، بحسب تعبيره، “مجرد تأجيل للعجز عبر تحميل كلفته للاقتصاد والمستهلك”.

المصدر : الحل

مقالات ذات صلة