الرئيسية » أزمة العدادات الذكية في سوريا.. قرارات متضاربة تعرقل معالجة ملف الكهرباء

أزمة العدادات الذكية في سوريا.. قرارات متضاربة تعرقل معالجة ملف الكهرباء

بواسطة Younes

محمد كساح

يأتي تأخر مناقصة 6 ملايين عداد كهربائي ذكي التي أعلنت عنها وزارة الطاقة بمنزلة نموذج على الخلل الإداري لبعض المؤسسات العامة، خاصة مع الانعكاسات السلبية للقرارات المتضاربة الخاصة بالمناقصة بدءاً من التبدلات التي طالت دفتر الشروط ووصولاً إلى تغيير مواعيد المناقصة وإعادة طرحها مجدداً، على ثقة المستثمرين بالقطاع العام من جهة، وعلى خطة الحكومة لتطبيق عدالة استهلاكية في هذا القطاع الحيوي من جهة أخرى.
وفي آخر تصريحاتها المتعلقة بالعدادات الذكية، أعلنت المؤسسة العامة لنقل وتوزيع الكهرباء عن إعادة طرح مناقصة العدادات الذكية بعد إدخال تعديلات جوهرية على دفتر الشروط الفنية الذي كان قد نُشر في الإعلان الأولي، ويأتي هذا القرار في إطار جهود المؤسسة المستمرة لتطوير شبكة الطاقة الذكية وتحسين كفاءتها بما يتوافق مع أحدث المعايير العالمية ويلبي احتياجات السوق المحلي.
وأوضحت المؤسسة أن التعديلات الجديدة تهدف إلى تسريع عملية التوريد والتركيب، وتقليص المدة الزمنية اللازمة للحصول على العدادات الذكية، الأمر الذي استدعى إلغاء المناقصة السابقة وإعادة الإعلان عنها بصيغة معدّلة.
وقد حددت المؤسسة يوم 8 شباط/فبراير 2026 موعداً نهائياً لاستقبال العروض من الشركات الراغبة بالمشاركة، مؤكدة حرصها على إنجاز المشروع في أقرب وقت ممكن بما ينعكس إيجاباً على قطاع الكهرباء والخدمات المقدمة للمواطنين.
ووفقاً لتصريح مدير المؤسسة العامة لنقل وتوزيع الكهرباء خالد أبو دي لوكالة سانا فإن المؤسسة تواصل تنفيذ خططها لضبط استجرار الطاقة وتحقيق عدالة الاستهلاك عبر التوسع في تأمين العدادات الإلكترونية والذكية للمشتركين ولا سيما بعد تحسن واقع التوليد ووصول متوسط ساعات التغذية إلى نحو 10 ساعات يومياً.
وأكد أبو دي أن المؤسسة ستباشر مع بداية شهر آب/أغسطس القادم تركيب العدادات الذكية ضمن برنامج يمتد لثلاث سنوات، لافتاً إلى أنه خلال العام الماضي جرى إعداد خطة لتأمين هذه العدادات وتقديم دراسة فنية متكاملة أعدّها فريق مختص بمشاركة مهندسين سوريين من داخل البلاد وخارجها إضافة إلى طرح مناقصة مفتوحة حتى الثامن من شباط الجاري على أن تتبعها الإجراءات الإدارية اللازمة وفترة توريد تمتد 4 أشهر.

ملاحظات على المناقصة

ويوحي تأخير المناقصة وتمديدها لأكثر من مرة منذ إعلانها أول مرة، بأنها لم تأخذ حقها الكافي من الدراسة والمراجعة وفقاً للشروط المنصوص عليها، الأمر الذي تطلب إعادة النظر بدفتر الشروط والبنود الخاصة بهذه المناقصة، بحسب ما يلاحظه الباحث في مركز عمران للدراسات أيمن الدسوقي .

ورغم أن الحكومة السورية تنظر إلى قطاع الكهرباء كأولوية خاصة من حيث تأمين إمدادات مستقرة لحوامل الطاقة وإعادة تأهيل محطات التوليد وشبكات النقل الكهربائي، إلا أن التأخير في وصول عدادات كهربائية من شأنه التأثير سلباً على الخطة نظراً لأن تحويل الكهرباء إلى ملف خدمي قد ينال من الثقة بالحكومة لجهة قدرتها على تخديم المناطق التي يعاد بناؤها والمشاريع المراد تأسسيها، كذلك الافتقار لعدالة التسعير بسبب اعتماد آليات مؤقتة في المناطق غير المخدمة بعدادات كهربائية، أيضاً لجهة تنظيم جهود الجباية وتأمين إيرادات مالية مستقرة، وفقاً للدسوقي الذي يعتقد أن البدائل تمت صياغتها من منظور أحادي دون مراعاة لظروف السكان المعنيين بهذه البدائل.

تعرفة ثابتة للمشتركين الذين لا يمتلكون عدادات

لا تقتصر التحديات التي تواجه خطة الحكومة لتحقيق عدالة الاستهلاك على تأخر مناقصة العدادات الذكية، بل تتجاوز إلى تحدٍ أعمق وهو وجود نحو مليون و200 ألف مشترك ما زالوا بلا عدادات، وقد أعلنت مؤسسة الكهرباء مؤخراً لجوئها إلى حل إسعافي لهذه المشكلة من خلال إقرار آلية موحّدة لتقدير الاستهلاك بما ينسجم مع تطبيق قرار التعرفة الكهربائية الجديد النافذ اعتباراً من 1 تشرين الثاني/نوفمبر الماضي.

وبموجب التوجيهات المعتمدة، سيتم تقدير كمية الاستهلاك الكهربائي للمشتركين على التوتر المنخفض للأغراض المنزلية الذين لم تتمكن الشركات العامة للكهرباء من تركيب عدادات أحادية لاشتراكاتهم بمقدار 400 كيلو واط ساعي لكل دورة (شهرين)، وذلك في جميع الشركات العامة للكهرباء في المحافظات.

ويتم احتساب قيمة هذه الكمية المقدّرة وفق التعرفة التالية: للمشتركين غير المعفيين من التقنين، يتم احتساب أول 300 كيلو واط ساعي بسعر 600 ليرة سورية لكل كيلو واط ساعي، و100 كيلو واط ساعي المتبقية بسعر 1400 ليرة سورية لكل كيلو واط ساعي. أما للمشتركين المعفيين من التقنين فيتم احتساب كامل الكمية المقدّرة 400 كيلو واط ساعي بسعر 1700 ليرة سورية لكل كيلو واط ساعي.

ويُعمل بهذه الآلية اعتباراً من الدورة السادسة لعام 2025، وذلك بشكل مؤقت إلى حين تأمين العدادات الأحادية وتلبية طلبات المشتركين كافة، بما يضمن عدالة احتساب الاستهلاك وتوحيد إجراءات العمل في جميع المحافظات.

خطة الحكومة متواصلة.. الكهرباء قطاع تجاري رابح

من جانبه يلفت الباحث ومدير منصة “اقتصادي” يونس الكريم إلى أن مسألة تغيير العدادات الكهربائية بعدادات ذكية مسبقة الدفع ليست خطة جديدة فقد جرى طرحها في العام 2009 بالتماشي مع خطة حكومية في حينها لخصخصة قطاع الكهرباء، شرعت بها الحكومة فعلاً من خلال تطوير محطة حران العواميد ومن ثم محطة اللاذقية.

وينظر الكريم إلى هذه الخطة كمشروع تجاري رابح لا كخدمة مجتمعية، خاصة مع الرغبة الحكومية في تركيب عدادات مسبقة الدفع التي ظهرت من مضمون إعلان المناقصة، حيث من يدفع المال مسبقاً يستطيع التمتع بالخدمة الكهربائية ومن لا يدفع فلن يحصل على الخدمة.

وحول أسباب تأخر المناقصة، يوضح الكريم خ أنه غالباً يرجع إلى تريث وزارة الطاقة بعد الاعتراضات المجتمعية الكبيرة المتعلقة بحجم فاتورة الكهرباء بعد زيادة التعرفة للكيلو واط الواحد من 10 ليرات حتى 600 ليرة سورية دفعة واحدة.

ويُرجّح أن توريد العدادات الذكية وتركيبها بالتزامن مع رفع التعرفة كان من شأنه أن يؤدي إلى تفاقم الأزمة وتعقيدها، إذ سيشعر المواطن بأن الدولة تنسحب من دورها الاجتماعي وتتوقف عن تقديم الدعم في وقت تتصاعد فيه الضغوط المعيشية.

وفي هذا السياق يشير الكريم إلى أن الوزارة تبدو وكأنها توظف ما جرى تداوله مؤخراً حول غياب قراءات دقيقة للعدادات التقليدية، وأن تركيب العدادات الذكية سيكون حلاً ملائماً حيث توفر إمكانية قراءة دقيقة لحجم الاستهلاك، خاصة في ظل نجاحها في بعض المناطق التي تستخدم العدادات الذكية مسبقة الدفع مثل إدلب وشمالي حلب.

ويلاحظ وجود مساعٍ لخلق قبول اجتماعي تدريجي لهذه الفكرة، خاصة بعد قرار مؤسسة الكهرباء المتعلق بالمشتركين الذين لا يمتلكون عدادات، والذي فرض تعرفة ثابتة أثارت موجة واسعة من الانتقادات الشعبية، باعتبارها غير عادلة ولا تعكس الاستهلاك الفعلي.

المصدر :تلفزيون سوريا.

مقالات ذات صلة