وعد ديب
مع إطلاق العملة السورية الجديدة، انتشرت على وسائل التواصل الاجتماعي مزاعم تفيد بأن بعض الدول ترفض قبول التعاملات بها، ما أثار تساؤلات حول مدى تأثير هذا الرفض – إن وجد فعلاً – وعلاقته باستقرار الاقتصاد الوطني.
لكن الخبير الاقتصادي يونس الكريم، يؤكد أن هذا الطرح “غير دقيق”، موضحاً أن الدول لا تتعامل بالعملات بناء على شرعيتها القانونية فحسب، بل وفق اعتبارات اقتصادية وسياسية وسيادية تخصّ كل دولة.
وقال الكريم : إن مسألة قبول العملة المحلية أو رفضها لا يندرج أصلاً ضمن صلاحيات الدول الأخرى، كما أن القبول أو الرفض يرتبط بمصالح الدول وعلاقاتها، وبمستوى الثقة بالاقتصاد الذي يقف خلفها، وليس بحكم مسبق على قانونيتها.
ورأى أن من المبكر الحديث عن أي موقف دولي موحّد تجاه الليرة الجديدة، معتبراً أن ما يُروّج لا يتجاوز محاولة لتبرير طريقة الطرح عبر الاستناد إلى مفاهيم قانونية دولية، واستغلال “حالة الإرباك الواضحة” التي رافقت عملية الطباعة والإصدار.
وأضاف أن امتناع بعض الدول عن التعامل بالليرة – في حال حدوثه – لا يعني أبداً أن العملة غير قانونية أو تفتقر إلى الشرعية، بل يرتبط في جوهره بحسابات سياسية واقتصادية وبالظروف الدولية السائدة.
اعتبارات محددة
يقول الخبير الاقتصادي: إن تداول العملات بين الدول يخضع لاعتبارات محددة، مؤكداً في الوقت نفسه أن أي دولة لا تستطيع فرض الاعتراف بعملتها المحلية على دولة أخرى، فقبول العملة أو رفضها ليس قراراً قانونياً بقدر ما هو خيار سيادي يرتبط بالمصالح الاقتصادية.
ويضيف الكريم: إن الدول لا تبني تعاملاتها على “شرعية” العملة فحسب، بل على قوة الاقتصاد الذي يقف خلفها، ومستوى الاستقرار النقدي، وطبيعة العلاقات التجارية والمالية القائمة.
فالدول تبحث دائماً عن تقليل المخاطر في تعاملاتها الخارجية، وهو ما يدفعها إلى تفضيل العملات ذات الثقل الدولي.
وفي هذا السياق، يشير الكريم إلى أن الاقتصادات الكبرى تعتمد في تعاملاتها العابرة للحدود على عملات دولية مستقرة وواسعة القبول مثل الدولار الأميركي واليورو والين الياباني، لما توفره من أمان مالي وسهولة في التسوية التجارية.
أما العملات المحلية – ومنها الليرة السورية الجديدة – فتبقى مرتبطة بمدى قوة الاقتصاد الوطني وقدرته على بناء ثقة خارجية حقيقية.
قابلية التداول خارجياً
يوضح الكريم أن الدول تتعامل بالعملات استناداً إلى حجم الاقتصاد الذي يقف خلف العملة، ومدى قوتها واستقرارها. فالدول ذات الاقتصادات الكبرى والنفوذ السياسي – كالولايات المتحدة ودول الاتحاد الأوروبي واليابان والصين – تمتلك قدرة أكبر على فرض عملاتها كوسيلة دفع عالمية، نظراً لثقة الأسواق الدولية بمتانة اقتصاداتها وقدرتها على الوفاء بالتزاماتها.
ولهذا السبب، تلجأ الدول التي تستورد من هذه الاقتصادات إلى شراء عملاتها، حماية لنفسها من تقلبات أسعار الصرف، وتجنباً لارتفاع تكاليف الاستيراد.
في المقابل، تواجه الدول التي تعاني من ضغوط وتحديات اقتصادية أو سياسية – كما هو الحال في سوريا حالياً – صعوبة في جعل عملتها المحلية خياراً مفضلاً للمستثمرين الدوليين أو للشركات التي تستورد منها.
فضعف الثقة بالاقتصاد الوطني ينعكس مباشرة على قابلية العملة للتداول خارج الحدود، ويدفع الأطراف التجارية إلى تفضيل التعامل بعملات مستقرة ذات قبول دولي واسع.
ويضيف الكريم: إن هذا الواقع لا يعني بالضرورة غياب أي دور محتمل لليرة السورية في التبادلات التجارية. فعلى العكس، يمكن للعملة الوطنية أن تجد لها مساحة في بعض المعاملات الثنائية بين الدول التي تربطها علاقات تجارية قوية، لا سيما عندما تكون هناك استثمارات مشتركة أو مصالح اقتصادية متبادلة.
ويؤكد أن استخدام الليرة في مثل هذه الحالات يعتمد بدرجة كبيرة على كيفية طرحها، ومستوى الثقة الذي تنجح السياسات الاقتصادية في بنائه لدى الشركاء الدوليين، وحجم الدعم الدولي للحكومة اقتصادياً.
مسارات الدعم
تطرّق الخبير الاقتصادي إلى تأثير رفع العقوبات الأميركية المفروضة على سوريا بموجب “قانون قيصر”، معتبراً أنه يفتح الباب أمام الدول الداعمة للحكومة السورية للتحرك بشكل أوسع.
وشدد على أن هذا التحرك أصبح ضرورة لتعزيز الاحتياطيات النقدية، لما لذلك من أثر مباشر في تحسين الاستقرار النقدي، ودعم التعافي المالي، وتسريع وتيرة شفاء الاقتصاد السوري.
وأشار الكريم إلى أن بعض الدول تلجأ أحياناً إلى منح مرونة أكبر في استخدام العملات المحلية كأداة لمواجهة التضخم أو لتعزيز استقرار الاقتصاد الداخلي.
وفي هذا الإطار، يرى أن الدول المتحالفة مع سوريا يمكن أن تسهم في تعزيز الاستقرار النقدي عبر إدراج الليرة السورية في جزء من معاملاتها التجارية الثنائية، لا سيما في القطاعات التي تسمح طبيعتها باستخدام عملات محلية بدلاً من العملات الدولية التقليدية.
كما يشير إلى أن المسارات المتاحة لدعم الاقتصاد السوري عبر تعزيز موقع الليرة يجب أن تُبنى على أسس واقعية تتناسب مع الظروف الحالية. ويؤكد أن استبدال الليرة السورية بعملة أجنبية – كما حدث في تجارب سابقة مثل استخدام الليرة التركية – لا يُعد خياراً منطقياً في المرحلة الراهنة.
ويشرح الكريم أن الكمية المتاحة من الإصدار الجديد لا تزال محدودة، في حين أن الإنتاج المحلي لم يتحرك بعد بالوتيرة المطلوبة، ما يجعل أي محاولة للربط الخارجي أو استبدال العملة خطوة غير قابلة للتطبيق عملياً، وقد تؤدي إلى جفاف السيولة وخلق اختناقات نقدية حادة داخل السوق.
ويضيف الكريم أن الدعم الأمثل لليرة السورية يمكن أن يتحقق عبر مسارين رئيسيين: تفعيل أدوات السياسة النقدية التقليدية من خلال عمليات السوق المفتوحة عبر شراء سندات الخزينة، ووضع ودائع لدى البنك المركزي.
واعتبر أن هذه الإجراءات تعزز الطلب على الليرة وتساعد في ضبط الكتلة النقدية وتحسين الاستقرار المالي.
أما المسار الثاني، فيشمل رفع الطلب الخارجي على الليرة عبر المؤسسات الدولية، ويقترح الكريم أن تطلب الحكومة السورية من الصناديق الاستثمارية، والهيئات الدولية، والشركات التي تعمل داخل سوريا أو تستثمر فيها، أن تُجري معاملاتها داخل البلاد بالليرة السورية الجديدة فقط.
وأوضح أن هذا التوجه يرفع الطلب على العملة الوطنية، ويوفر في المقابل عملات أجنبية إضافية، كما يشجع شركات أخرى على اتباع النهج نفسه، ويدفع البنوك المتعاملة مع تلك المؤسسات إلى توسيع تعاملاتها بالليرة داخل السوق السورية.
وأشار إلى أن الاقتصاد السوري يمتلك القدرة على استعادة جزء مهم من استقراره عبر تعزيز الطلب على الليرة داخلياً أولاً، ثم التدرّج في توسيع استخدامها ضمن التبادلات التجارية الثنائية مع الدول الحليفة.
ويرى أن هذا المسار – إذا نُفّذ بذكاء وبالتوازي مع سياسات نقدية فعّالة – يمكن أن يشكّل خطوة أساسية نحو إعادة بناء الثقة بالعملة الوطنية وتهيئة بيئة أكثر استقراراً للنشاط الاقتصادي.
المصدر : الثورة السورية

