الرئيسية » النرويج ترفع الحظر عن السندات السورية.. هل تستعيد دمشق موقعها في الأسواق المالية العالمية؟

النرويج ترفع الحظر عن السندات السورية.. هل تستعيد دمشق موقعها في الأسواق المالية العالمية؟

بواسطة Younes

هند خليفة

في تطور يحمل دلالات اقتصادية وسياسية بعيدة المدى، كشفت وثيقة حكومية نرويجية، لمحضر اجتماع عُقد سابقاً بين وزارة المالية وهيئة الإشراف الأخلاقي لصندوق الثروة النرويجية، عن توجه أوسلو لرفع الحظر المفروض على استثمارات صندوق ثروتها السيادي في السندات الحكومية السورية.

وتأتي هذه الخطوة في وقت تتجه فيه النرويج نفسها إلى فرض حظر مماثل على الاستثمار في السندات الإيرانية، لتضع سوريا في موقع مختلف تماماً على خريطة الاستثمار الأخلاقي للصندوق، الأكبر في العالم بقيمة تريليوني دولار.

إعادة تصنيف.. ورسالة للأسواق

أظهرت الوثيقة، التي كشفت عنها وكالة “رويترز” للأنباء، أن القائمة الجديدة للدول المشمولة بحظر الاستثمار تشمل إيران وكوريا الشمالية وروسيا وبيلاروسيا، بعد أن كانت تضم سوريا إلى جانب هذه الدول في عام 2025.

هذا التعديل، الذي اعتبرته “رويترز” مؤشراً إضافياً على عودة سوريا إلى النظام المالي العالمي، لا يعني أن الصندوق بدأ فعلياً بضخ أموال في الاقتصاد السوري، بل هو، وفقاً للوكالة، مجرد فتح للباب أمام إمكانية الاستثمار مستقبلاً، في حال توفرت الظروف المناسبة.

قاعة التداول التابعة لصندوق إدارة استثمارات بنك النرويج، صندوق الثروة السيادية لدولة الشمال، في أوسلو- رويترز

غير أن رمزية القرار لا تُقلل من شأنه، فصندوق الثروة السيادي النرويجي (Government Pension Fund Global) الذي يدير أصولاً تبلغ 2.2 تريليون دولار، هو مستثمر مؤسسي عملاق، وغالباً ما تُقرأ قراراته كمؤشرات ثقة توجه الأسواق.

ويدار الصندوق وفق تفويض رسمي يربط قرارات الاستثمار بهدف تحقيق أعلى عائد ممكن على المدى الطويل ضمن مستوى مخاطرة مقبول، لذلك، فإن أي تغيير في قائمة الدول المستثناة لا يُقرأ بوصفه تفصيلاً فنياً فحسب، بل باعتباره إشارة معيارية إلى ما إذا كانت دولة ما ما تزال خارج المجال الاستثماري أو بدأت تعود إليه.

هل يعني رفع الحظر تدفق الأموال؟

تراجع الحكومة النرويجية هذه القوائم بصورة دورية على ضوء العقوبات الدولية النافذة، ما يعني أن إعادة إدراج سوريا في إطار الإمكانية الاستثمارية لا تعني بالضرورة تقييمها على أنها بيئة آمنة، بل فقط أنها لم تعد محظورة حكومياً من حيث المبدأ، وفي لغة الأسواق، هذا فارق كبير،فرفع المنع لا يساوي شراء، لكنه يفتح نافذة لاحتساب العائد والمخاطر بدلاً من إغلاق الملف بالكامل.

في هذا السياق، تبرز قراءة الخبير الاقتصادي يونس الكريم لتعطي بعدا أكثر واقعية لهذا التحول، حيث يرى أن ما جرى تداوله بشأن توجه الصندوق السيادي النرويجي نحو السوق السورية يجب ألا يفهم كتحول سياسي مكتمل الأركان أو قرار استثماري نهائي، بقدر ما هو انعكاس لمراجعة داخلية ذات طابع إداري وفني بحت.

هذه المراجعة، وفقا للكريم، استندت إلى إعادة تعريف حدود التعامل مع سوريا في ضوء التغيرات التي طرأت على بيئة العقوبات الدولية خلال العام الماضي، لكن هذا لا يلغي استمرار ما يمكن وصفه بـ “الأثر السلبي الممتد للعقوبات” على مناخ الاعمال العام.

قيود مستمرة ومخاطر قائمة

أكد الكريم، أن القيود لا تزال قائمة بصورة أو بأخرى، سواء عبر أدوات مباشرة أو من خلال ما يعرف بالعقوبات الثانوية التي تظل هاجساً يقيد سلوك المستثمرين الدوليين ويجعلهم يترددون في الإنخراط المباشر مع أصول سيادية في مناطق كانت حتى وقت قريب مصنفة ضمن عالي المخاطر.

البنك المركزي النرويجي- أرشيفية

كما أفاد بأن الإعلان عن هذا الموقف النرويجي، رغم أهميته التي وصفها بـ”الرمزية الكبيرة”، يبقى في إطار نظري إلى حد بعيد بالنظر إلى جملة من التحديات البنيوية العميقة التي يعاني منها الاقتصاد السوري في المرحلة الراهنة، مشيراً إلى أن الدخول في استثمارات مؤسسية واسعة النطاق من قبل صناديق سيادية عالمية تعتمد معايير صارمة في الحوكمة وإدارة المخاطر يتطلب بيئة تتجاوز مجرد رفع الحظر القانوني.

ورأى أن سوريا تفتقر حالياً إلى سوق أوراق مالية منظمة وشفافة تمتثل للمعايير الدولية، كما أن البنية التحتية المصرفية لا تزال تعاني من محدودية الكفاءة، مما يضعف القدرة على إجراء التحويلات المالية الدولية بسلاسة وموثوقية، كما يضاف إلى ذلك الهشاشة القانونية وغياب بيئة تنظيمية مستقرة تضمن حماية الحقوق الإستثمارية طويلة الأجل، فضلاً عن استمرار بعض المخاطر الأمنية والتقلبات السياسية التي تضيف طبقات من عدم اليقين فوق أي قرار استثماري مؤسسي.

فرصة مشروطة باختبار الإصلاح

يرى الكريم أن الحديث عن فرص استثمارية محتملة في السندات السورية لا يزال محصوراً ضمن نطاق ضيق ومشروط، وقد يقتصر في بداياته على أصول محددة أو أدوات غير تقليدية تتيح تقليل الانكشاف المباشر على المخاطر، لافتاً إلى أن الإشكالية الجوهرية لا تكمن فقط في توفر الرغبة الدولية بالاستثمار، بل في مدى توافق الأصول السورية القابلة للاستثمار مع المعايير الدقيقة التي يعتمدها الصندوق النرويجي، خاصة في ما يتعلق بالشفافية والإفصاح المالي والامتثال لممارسات الحوكمة الرشيدة.

قدرة الحكومة السورية على تقييم هذه المخاطر بشكل موضوعي وقابل للقياس هي التي ستحدد سرعة تحول هذا القرار الإداري النرويجي إلى واقع مالي ملموس على الأرض.

الخبير الاقتصادي يونس الكريم

واختتم بأن الأنظار تتجه الآن إلى شهر حزيران أو تموز المقبلين، حيث يتوقع إرسال بعثة تقييم استثمارية دولية لتولي دراسة البيئة الاقتصادية والمؤسسية في سوريا بشكل ميداني، حيث ستمثل هذه البعثة الاختبار الحقيقي الأول لقدرة الحكومة السورية والبنك المركزي على تقديم مقاربة إصلاحية مقنعة، تعالج الاختلالات الهيكلية المتراكمة وتؤسس لبيئة جاذبة لرؤوس الأموال الدولية التي تبحث عن الأمان والاستقرار قبل العوائد.

وأكد على أن نجاح هذه البعثة في الخروج بتقييم إيجابي قد يفتح الباب أمام تدفقات مالية سيادية أخرى، مما يعزز من قيمة العملة الوطنية ويخفض تكلفة الاقتراض الحكومي اللازم لتمويل مشاريع إعادة الإعمار الكبرى.

المصدر :الحل.

مقالات ذات صلة