الرئيسية » سوق دمشق للعملات الأجنبية والذهب: خطوة لضبط السوق السوداء أم حل غير كاف؟

سوق دمشق للعملات الأجنبية والذهب: خطوة لضبط السوق السوداء أم حل غير كاف؟

بواسطة Younes

ديانا الصالح

تتجه الأنظار الاقتصادية اليوم إلى إعلان إطلاق مشروع سوق دمشق للعملات الأجنبية والذهب، في خطوة وُصفت بأنها الأولى من نوعها، لتنظيم التداول وتوحيد الأسعار تعزيزاً لمبدأ الشفافية في إطار إعادة هيكلة السوق المصرفي.

ويأتي هذا الاتجاه ضمن مسار أوسع يهدف إلى إعادة دمج القطاع المصرفي السوري بالمنظومة المالية العالمية بعد عزلة طالت لسنوات، بالتزامن مع المساعي الرسمية المُعلنة للعودة إلى نظام “سويفت” بشكل تدريجي، والتي تُترجم من خلال التعامل المحدود مع مصارف خارجية بعد انقطاع دام لأكثر من 10 سنوات.

وفي الوقت الذي تدور فيه الأحاديث الرسمية عن الآثار الإيجابية المُحتملة لهذه الخطوة، يطرح خبراء اقتصاديون تساؤلات جوهرية حول قدرة السوق الجديدة على تحقيق أهدافها في بيئة اقتصادية متذبذبة، ما تزال تعاني من تعدد أسعار الصرف وضعف الثقة بالقطاع المصرفي.

وفي هذا السياق، تثور عدة تساؤلات ملحّة: هل تنهي سوق دمشق للعملات الأجنبية والذهب في دمشق فوضى السوق السوداء؟ وما هي الشروط الواجب توافرها لإحداث آثار إيجابية على الاقتصاد والمواطن؟

سوق دمشق للعملات الأجنبية والذهب

أكد حاكم مصرف سوريا المركزي عبد القادر الحصرية إطلاق سوق دمشق للعملات الأجنبية والذهب، معتبراً أنها مرحلة مفصلية في مسار تحديث السياسة النقدية وتحسين الاستقرار المالي في سوريا، بموجب قرار رئاسة الوزراء السوري رقم 189 لعام 2025.

ويسلط الحصرية الضوء على الأهداف المُعلنة لإطلاق السوق عبر منشور على صفحته في فيسبوك، فتنظيم عملية التداول وتوحيد مرجعية الأسعار هي أساس إنشائه، مما ينعكس بشكل إيجابي على السوق من خلال تقليص التشوهات وتعزيز الشفافية في آليات العرض والطلب بصورة فورية ودقيقة، مشيراً إلى أن هذه الخطوة هي الأولى من نوعها، وتأتي وفقاً للمعايير الدولية المُعتمدة.

كما يبين حاكم مصرف سوريا المركزي أن هذه المنصة وسيلة لتعزيز مبدأ الشفافية بما توفره من بيانات ومعطيات مضمونة مع تحديثات متواصلة، لافتاً إلى أهميتها في تحسين مستوى الثقة بالمصارف والحد من المضاربات العشوائية (غير النظامية)، مما يُسهم في القضاء على قوة السوق السوداء إلى جانب الأسواق الموازية، لأول مرة منذ عشرات السنين على حدّ وصفه.

وفي هذا السياق، يرى الباحث الاقتصادي محمد غزال أن سوريا اليوم تنتهج مساراً جديداً يهدف إلى التخلص من عزلتها الخارجية ومعالجة التشوهات الاقتصادية، مؤكداً أن طريق التعافي بدأ من خلال إعادة ربط الاقتصاد المحلي بالاقتصاد العالمي.

ويؤكد غزال أن استقرار الاقتصاد السوري ووضوحه يبدأ من حصر قنوات التعامل المالي والتجاري عبر المؤسسات والمصارف الرسمية تحت سقف الدولة وإشرافها، حيث يؤدي ذلك إلى ضبط فوضى السوق السوداء وتضييق الخناق عليها، إضافة إلى تذليل الفجوة الواسعة بين السعر الحقيقي والموازي.

على الرغم من أهمية هذا الاتجاه النوعي، إلا أن القراءات التحليلية تشير إلى تخطي الطموح الرسمي الواقع البنيوي للاقتصاد السوري الذي يعاني من تآكل مصادر القطع الأجنبي وتدهور القدرة الشرائية، إلى جانب التحديات المزمنة المتمحورة حول تعدد مستويات التسعير، والثقة بالقطاع المصرفي السوري لا سيما في سياسة تقييد السحب، وعدم الإفصاح عن الشريك مما يفتح جدلاً واسعاً حول جاهزية البنية التحتية لاستيعاب مثل هذه الخطوات قبل ضمان تنفيذ الإجراءات الإصلاحية الهيكلية.

شروط لنجاح المنصة

إن الجانب التقني لهذه المنصة رغم أهميته، لا يكفي وحده لتحقيق الأهداف المرجوة بفعالية، ما لم يُرفق بمجموعة من الإصلاحات الاقتصادية والمالية الأوسع، التي تضمن نجاح هذه الخطوة وتحدّ من مخاطر تعثرها، حيث تشير التجارب الدولية إلى عدم كفاية المنصات التنظيمية لتقليص حجم السوق السوداء والموازية، بل تحتاج إلى إصلاحات أوسع تشمل السياسة النقدية لإعادة ثقة المتعاملين وضمان تقليص فجوة التسعير وغيرها.

وفي هذا الصدد، يبين الخبير الاقتصادي جورج خزام في منشور على فيسبوك، أهمية الاعتماد على منصةٍ رسمية واضحة تنظم عملية بيع وشراء الدولار للتخلص من هيمنة صفحات الفيسبوك المجهولة، التي تتحكم بالواقع المعيشي والاقتصاد عبر أسعار وهمية للعملة الأجنبية، لافتاً إلى ضرورة اعتمادها لمعرفة سعر التوازن الحقيقي بين العرض والطلب.

ويؤكد خزام أن مهمة المصرف المركزي تتركز على المراقبة والتنظيم والإعلان عن سعر التوازن الحسابي، وليس بالضرورة أن يملك احتياطات ضخمة ليتمكن من التدخل بسعر الصرف، مبيناً أن هذه الخطوة تتماثل مع اقتراحه منذ عام 2023.

فيما يوضح خزام أن نجاح المنصة بتحقيق أهدافها المُعلنة مرتبط بشكل وثيق بمدى قدرة الجهات المعنية على تصحيح مسار السياسة النقدية، وذلك من خلال منع تقييد السحب إلى جانب ضمان الأسس المهنية والأمانة في الإدارة، إضافة إلى التعاون مع وزارة الاقتصاد لوضع قيود على الاستيراد.

في المقابل، يختلف الباحث الاقتصادي يونس الكريم مع رأي خزام من حيث مبدأ الاحتياطيات، مشيراً إلى أنه رغم المساهمة المُحتملة لإحداث سوق إلكتروني في تعزيز مبدأ الشفافية وتوفير بيانات مُحدثة، إلا أن هناك عدة شروط لتعزيز فعاليتها في تنظيم سوق، من بينها ضرورة توافر الاحتياطيات الأجنبية والمحلية.

علاوة على ذلك، يوضح الكريم أن هذا التوجه يُترجم كرغبة واضحة في إعادة هيكلة وتنظيم سوق الصرف، ويستحق الترحيب كونه تطور نظري إيجابي في حال تطبيقه استناداً لمعايير واقعية من الكفاءة والشفافية، إلا أن فعاليته لا ترتبط بالمنصة بحد ذاتها وإنما بالبيئة الاقتصادية والمؤسساتية التي ستنطلق منها.

كما يُضيف الكريم أنه من المهم إدراج هذا المشروع كإجراء ضمن حزمة من الإصلاحات البنيوية العميقة للسياسة النقدية وإعادة هيكلة النظام المصرفي، مع تعزيز البيئة الاستثمارية وتدفق القطع الأجنبي، فمهما بلغت فعالية المنصة لن تكون بديلة عن معالجة الاختلال البنيوي القائم.

الإنتاج والمواطن

حول مدى تأثير هذا الاتجاه على المواطن، يؤكد الخبير المصرفي علي محمد أن الانعكاس لن يكون مباشراً على الحياة المعيشية للمواطنين، مشيراً إلى سعر الصرف هو المرآة للاقتصاد، بالتالي فإن الإنتاج المحلي وحجم الصادرات هما العاملان الرئيسيان لتحسين السعر بشكل حقيقي.

ويبين محمد أنه لا يمكن الحديث عن مؤشرات نجاح المنصة قبل تحقيق عدة عوامل تثبت نجاعتها من عدمها مثل ارتفاع عدد المنضمين لها، ومدى نجاحها في تقليص الفجوة بين السعر الرسمي والفعلي.

إذاً، يُعد دعم الإنتاج المحلي وزيادة حجم الصادرات من أبرز العوامل التي تسهم في تحسين المؤشرات الاقتصادية وتقوية الاقتصاد الوطني، بما ينعكس تدريجياً على مستوى معيشة المواطنين ويعزز فرص تحقيق التنمية المستدامة.

توصيات الخبراء

يرى الخبير يونس الكريم أن التوقف عند معالجة التشوهات الاقتصادية ثم الانطلاق نحو السوق الإلكتروني هو الوسيلة الأنجع للوصول إلى نتائج مثمرة تعود بالفائدة على الاقتصاد وتقليص حجم السوق السوداء، وذلك من خلال التحول نحو استكمال مسألة تراخيص شركات الصرافة، والتوجه نحو الإدارة السلسة والمضمونة لطرح العملة المحلية، إلى جانب إعادة هيكلة البيئة التشغيلية المصرفية.

ويبين الخبير الاقتصادي أن الانتقال التدريجي في عملية الإصلاح أفضل طريقة لاستدامة الاستقرار النقدي واستعادة ثقة المتعاملين بالقطاع المالي، بالتالي فإن التريّث بالإطلاق خيار مثالي ريثما يُدرج ضمن حزمة إصلاحية أوسع، وفقاً لرأيه.

ويقترح الكريم تطبيق عدة توصيات قبل إطلاق سوق دمشق للعملات الأجنبية والذهب، استناداً للتجارب الدولية التي أثبتت أن السوق الموازي لا يختفي بمجرد إطلاق المنصات التنظيمية، وإنما بتوافر مجموعة من الإصلاحات والشروط أبرزها تحرير سعر الصرف وفقاً لسياسة مرنة واقعية، والعمل على تذليل الفجوة الواسعة بين السعر الرسمي والموازي، تخفيف القيود التي تحدّ من ثقة المتعاملين بالنظام المصرفي.

يبدو أن مشروع سوق دمشق للعملات الأجنبية والذهب محاولة رسمية طموحة لتنظيم سوق الصرف العشوائية والتحول نحو التنظيم الرقمي، ولكن يبقى السؤال الأهم: هل تتمكن هذه الخطوة من إحداث تحول جذري في سوق الصرف السورية، أم أنها ستبقى إطاراً تنظيمياً شكلياً يعاني التحديات ذاتها التي أعاقت فعالية السياسات النقدية السابقة؟

المصدر: سوريا اليوم

مقالات ذات صلة