أثار قرار مصرف سوريا المركزي، القاضي بإلزام المصارف وشركات الصرافة بتسليم الحوالات الواردة من الخارج بالليرة السورية بدل الدولار، جدلًا واسعًا في الأوساط الاقتصادية، وسط تباين في تقييم آثاره على سوق الصرف وتدفق العملات الأجنبية.
ويأتي هذا القرار، الصادر برقم (235) بتاريخ 21 نيسان 2026، ضمن توجه أوسع لتنظيم سوق الحوالات، إذ يشمل جميع الجهات المتعاملة مع شبكات التحويل العالمية مثل “موني غرام” و“ويسترن يونيون” و“سويفت”.
وبحسب المصرف، يتم احتساب قيمة الحوالات وفق سعر الصرف الوسطي الرسمي مضافًا إليه هامش محدد، في محاولة لضبط آلية التسعير وتقليص الفجوة مع السوق.
خطوة ممكنة… بشرط توحيد السعر
يرى الدكتور عبد الحكيم المصري أن تسليم الحوالات بالليرة السورية يمكن أن يكون إجراءً مقبولًا، لكن بشرط أساسي يتمثل في توحيد سعر الصرف بين السوق الرسمية والموازية.
ويشير إلى أن نجاح هذا القرار يتطلب إيجاد منصة منظمة لتداول العملات الأجنبية والذهب، بحيث تعكس الأسعار داخلها واقع السوق، ما يؤدي إلى تقليص الفجوة بين السعر الرسمي والسعر المتداول خارج القنوات الرسمية.
ويضيف أن تحقيق هذا التوازن من شأنه أن يجعل استلام الحوالات بالليرة أمرًا طبيعيًا، دون أن يتعرض المستفيد لأي خسارة، كما سينعكس إيجابًا على موازنة الدولة من خلال تعزيز توفر العملات الأجنبية اللازمة لتمويل الاستيراد، خاصة في ظل استمرار العجز في الميزان التجاري واعتماد السوق المحلية بشكل كبير على السلع المستوردة.
كما يلفت إلى أن سماح المصارف ببيع الدولار للتجار بهدف تمويل عمليات الاستيراد يشكل خطوة داعمة، تصب في اتجاه تحسين ميزان المدفوعات.
المخاطر تتجاوز الإجراء
في المقابل، يقدم الباحث الاقتصادي يونس الكريم قراءة أكثر حذرًا، معتبرًا أن فرض تسليم الحوالات بالليرة قد يؤدي إلى نتائج عكسية في حال لم يترافق مع إصلاحات اقتصادية ونقدية أوسع.
ويحذر من أن هذا الإجراء قد يحد من تدفق العملات الأجنبية عبر القنوات الرسمية، ويدفع المتعاملين نحو السوق غير المنظمة، خصوصًا في ظل استمرار الفجوة بين أسعار الصرف وتراجع الثقة بالليرة والسياسات النقدية.
كما يشير إلى أن القرار لا يمكن فصله عن بيئة أوسع تعاني من ضعف العرض الحقيقي للعملات الأجنبية، نتيجة تراجع الصادرات والتحويلات، إضافة إلى القيود المفروضة على السحب والتحويل عبر المصارف، وتعثر منح تراخيص شركات الصرافة.
آراء المواطنين حول القرار
تباينت آراء المواطنين بشأن قرار تسليم الحوالات بالليرة السورية، في استطلاع أجراه مراسلا سوريا 24 في دمشق ودرعا، بين مؤيد يرى فيه دعمًا للعملة المحلية، ومعارض يفضل الاستمرار بالتعامل بالدولار.
وقالت سيدة من دمشق إنها تفضل استلام الحوالات بالدولار، موضحة أن الليرة السورية “محل احترام”، إلا أن الظروف المعيشية الصعبة تدفع الناس للبحث عن خيار أكثر استقرارًا، مضيفة أن “قيمة الدولار تبقى أوضح وأسهل عند التعامل”.
من جانبه، أبدى مواطن آخر من دمشق تحفظه على القرار، لكنه أشار إلى أنه قد يقبل به في حال عدم وجود فروقات في سعر الصرف، وأن يكون احتساب القيمة عادلًا وواضحًا.
في المقابل، عبر بعض المواطنين عن دعمهم للعملة الوطنية، مؤكدين ضرورة التعامل بالليرة السورية وتعزيز الثقة بها، معتبرين أن الاعتماد على الدولار يسبب تقلبات مستمرة ويزيد من تعقيد التعاملات اليومية.
في حين رفض آخرون القرار، معتبرين أن الحوالات تُرسل أساسًا بالدولار أو اليورو، وأن تحويلها إلى الليرة قد لا يكون في مصلحة المستفيد، مشيرين إلى أن هذه الإجراءات قد تخدم التجار أكثر من المواطنين.
أما في درعا، فقد أبدى بعض المواطنين تأييدهم للقرار، معتبرين أنه يسهل التعاملات اليومية ويخفف من الاعتماد على الدولار، في حين أشار آخرون إلى أن تقلبات سعر الصرف كانت سببًا في خسائر متكررة، ما يجعل الاستقرار النقدي أولوية لديهم.
من الحوالات إلى “سوق دمشق”
ويأتي هذا القرار ضمن حزمة أوسع من الإجراءات التي يعمل عليها المصرف المركزي، تشمل التوجه لإحداث “سوق دمشق للعملات الأجنبية والذهب”، إلى جانب إعادة تنظيم قطاع الصرافة، في محاولة لإعادة هيكلة سوق الصرف وتقليص الفوضى السعرية.
إلا أن الخبراء يرون أن هذه الخطوات، رغم أهميتها، تبقى أدوات تنظيمية لن تكون كافية بمفردها، ما لم تُستكمل بإصلاحات أعمق تعيد التوازن إلى السوق النقدي وتستعيد الثقة بالقطاع المالي.
المصدر: سوريا 24

