الرئيسية » جمعية مرتقبة للصرافة.. عوامل تحدد قدرتها على المساهمة في الاستقرار النقدي

جمعية مرتقبة للصرافة.. عوامل تحدد قدرتها على المساهمة في الاستقرار النقدي

بواسطة Younes

نور جوخدار

يشهد قطاع الصرافة في سوريا خطوة تنظيمية جديدة مع التوجه إلى استحداث أول جمعية مهنيةتجمع شركات الصرافة ضمن إطار مؤسساتي واحد، في مسعى لتعزيز الانضباط والشفافية ودعم الاستقرار النقدي.

وتأتي هذه الخطوة ضمن مسار أوسع لإعادة تنظيم السوق المالية غير المصرفية، وسط آراء اقتصادية ترى فيها أداة لتحسين التنسيق مع السياسة النقدية وتوحيد المعايير، مع التأكيد على أن فعاليتها تبقى مرهونة بكفاءة الإدارة وعمق الإصلاحات الاقتصادية المصاحبة.

وفي هذا السياق، عقد حاكم مصرف سوريا المركزي الدكتور عبد القادر الحصرية، السبت، اجتماعاً مع ممثلي شركات الصرافة في البلاد، لبحث سبل تطوير القطاع وتعزيز دوره في دعم الاستقرار النقدي.

وتناول اللقاء مقترح استحداث جمعية للصرافة في سوريا، في خطوة تُعد الأولى من نوعها في تاريخ البلاد، على أن تلتزم هذه الجمعية بأخلاقيات العمل المهني وبالضوابط والقواعد العالمية المعتمدة في مجال مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب.

مظلة قانونية ومهنية

أكد الحصرية خلال الاجتماع أهمية تنظيم عمل شركات الصرافة ضمن إطار مؤسساتي يعزز الشفافية والانضباط في السوق المالية، مشيراً إلى استعداد المصرف المركزي لتقديم الدعم والمساندة اللازمة لتأسيس الجمعية، سواء على الصعيد المحلي أو الدولي.

وحول أهمية الخطوة في هذه المرحلة، أوضح الخبير المالي والمصرفي الدكتور علي محمد، أنها تمثل تطوراً إيجابياً، لا سيما من حيث الإطار التنظيمي والإشرافي على القطاع، مشيراً إلى أن تأسيس مثل هذه الجمعية يسهم في الانتقال من تنظيم جزئي إلى تنظيم أكثر شمولاً، ويعزز حوكمة السوق.

وقال الخبير محمد ،  إن فكرة إنشاء جمعية توفر مظلة قانونية رسمية ومهنية موحدة لشركات الصرافة، تتيح تبادل المعلومات فيما بينها، وتوفر إحصاءات دقيقة عن حجم التحويلات الواردة والصادرة وحجم عمليات التصريف، بما يدعم استراتيجية المصرف المركزي.

وأضاف أن هذه المظلة تتيح بلورة اقتراحات ومشاورات بين الشركات على اختلاف نهجها وآليات عملها، ليجري لاحقاً تنسيقها مع المصرف المركزي، ما يجعل وجود هذه الجمعية خطوة ذات أهمية تنظيمية ومهنية.

وأكد أن هذه الخطوة، رغم أهميتها، تتطلب إصلاحات نقدية ومالية متكاملة، بما يضمن تحقيق الاستقرار وتعزيز كفاءة القطاع المالي في سوريا.

دور تنظيمي وإداري

بحث اجتماع المركزي مع شركات الصرافة، إمكانية انضمام الجمعية مستقبلاً إلى الاتحادات المهنية العربية والعالمية، بما يسهم في تطوير المهنة وتعزيز الشفافية والتسعير وفق معايير فنية صحيحة كما هو متبع في دول العالم الأخرى.

وأشار الخبير محمد إلى أن مدى قدرة هذه الجمعية على تحقيق الاستقرار النقدي وتقليص الفجوة بين سعر الصرف الرسمي والسوق السوداء يرتبط بعوامل عدة، موضحاً أن وجود الجمعية يمكن أن يساعد في توحيد هوامش التسعير بين الشركات، والتي غالباً ما تختلف من شركة إلى أخرى.

كما يمكن أن يسهم في تقليل حجم المضاربات على الليرة السورية، إلى جانب تحسين التزام الشركات بالتعليمات الصادرة عن المصرف المركزي من خلال إطار مهني منظم.

واعتبر أن دور الجمعية سيكون تنظيمياً وإدارياً في الدرجة الأولى، مشيراً إلى أنه لا يمكن التعويل عليها وحدها في مسألة تقليص الفجوة بين السعر الرسمي وسعر السوق السوداء، إذ قد تسهم كأحد الأدوات الفنية في تحسين أو توحيد سعر الصرف، غير أن هذه الفجوة ترتبط بعوامل أوسع، أبرزها السياسة النقدية المتبعة، واستراتيجية المصرف المركزي، إضافة إلى حجم تدفق القطع الأجنبي إلى الداخل السوري عبر الحوالات الخارجية.

وفيما يتعلق بقدرة الجمعية على ضبط عمل شركات الصرافة والحد من التلاعب، وانعكاس ذلك على حركة التحويلات المالية والاستثمارات، أوضح أن نجاح هذه الخطوة لا يمكن فصله عن السياسة النقدية العامة، مشيراً إلى أن ضبط سلوك السوق يرتبط أولاً باستراتيجية المصرف المركزي ومدى التزام مختلف الفاعلين الاقتصاديين بها، من مصارف وشركات صرافة وسائر مكونات الاقتصاد الوطني.

وأضاف أن الجمعية، بوصفها إطاراً تنظيمياً ومهنياً، يمكن أن تؤدي دوراً في طرح حلول عملية قابلة للتطبيق تنسجم مع توجهات المصرف المركزي، بما يسهم في ضبط السوق، وينعكس إيجاباً على بيئة التحويلات المالية، ويعزز ثقة المستثمرين.

معايير دولية

أكد حاكم مصرف سوريا المركزي أن تأسيس جمعية للصرافة من شأنه الإسهام في تحقيق الاستقرار النقدي وتطوير أداء القطاع بما يواكب المعايير الحديثة، ويعزز الثقة بالقطاع المالي في سوريا.

لكن الخبير محمد يرى أن التحديات المرتبطة بتطبيق المعايير الدولية ليست بسيطة، نظراً لاختلاف النماذج المعتمدة بين الدول. ففي بعض الدول، ورغم اتساع حجم التعاملات والتحويلات النقدية، تخضع شركات الصرافة لإشراف مباشر من المصرف المركزي دون وجود جمعيات مستقلة، كما هو الحال في الإمارات والسعودية ومصر، بينما تعتمد دول أخرى على جمعيات مهنية، مثل لبنان التي برز فيها دور هذه الجمعيات بعد أزمة تشرين الأول 2019 في تنظيم السوق خلال تراجع قيمة الليرة من حدود 1500 إلى 100 ألف ليرة لبنانية مقابل الدولار، إضافة إلى تجربة الأردن التي شهدت حضوراً مماثلاً في تنظيم القطاع.

أما عن أهمية انضمام الجمعية إلى اتحادات مهنية عربية ودولية، فأكد محمد أن ذلك يمثل خطوة بالغة الأهمية، لما يوفره من فرصة لتبادل الخبرات والتوءمة في مجالات الإدارة والتشغيل والرقابة، بما يعزز الالتزام بالمعايير الدولية في المحاسبة والتدقيق والامتثال المالي، وينقل عمل شركات الصرافة في سوريا إلى مستوى المعايير الدولية.

كيان مؤسساتي غير حكومي

من جانبه، اعتبر الخبير الاقتصادي يونس الكريم، أن إنشاء جمعية للصرافة في سوريا يمثل خطوة تنظيمية في إطار تطوير بنية القطاع المالي غير المصرفي، موضحاً أنها كيان مؤسساتي غير حكومي يؤدي دوراً تمثيلياً وتنظيمياً لشركات الصرافة.

وأوضح الكريم ،  أن وجود مثل هذه الجمعية يمكن أن يسهم في تعزيز قنوات التواصل بين شركات الصرافة والبنك المركزي، بما يدعم مبدأ التشاور في صياغة السياسات الناظمة للقطاع، ويرفع مستوى الانضباط والشفافية في بيئة العمل، إلا أن هذا الدور يبقى في الإطار الاستشاري والتنسيقي، إذ لا تمتلك الجمعية سلطة رقابية أو تنفيذية إلا بالقدر الذي يُمنح لها من البنك المركزي، ما يجعل تأثيرها مرتبطاً بمدى تجاوب الجهات الرسمية معها، وليس بقدرتها الذاتية على فرض التغييرات.

وحول تأثير الجمعية على المضاربة أو الاحتيال في سوق الصرافة، أشار الكريم إلى أن وجود إطار تنظيمي مهني قد يسهم في تحسين السلوكيات العامة للقطاع وتقليل بعض المخالفات، لكنه لا يشكل بحد ذاته أداة كافية للحد من هذه الظواهر، التي ترتبط أساساً بسياسات سعر الصرف ومستوى الرقابة الفعلية واستقرار البيئة النقدية.

وعلى صعيد الحوالات المالية وثقة المتعاملين، يمكن أن يسهم تنظيم القطاع بشكل أفضل في تعزيز الثقة تدريجياً وتحسين كفاءة التحويلات.

غير أن هذا الأثر يظل مشروطاً بمدى استقرار النظام النقدي العام، وليس نتيجة مباشرة لوجود الجمعية وحده، كما أن سوء تنظيم دورها أو التوسع غير المدروس في صلاحياتها قد يؤدي إلى زيادة الأعباء الإدارية وخلق بيئة بيروقراطية معقدة، بحسب الكريم.

وأشار إلى أن الخطر المحتمل يتمثل في إمكانية انحراف دور الجمعية نحو ممارسات غير صحية مثل الضغط غير المبرر على الشركات، أو تغذية بيئات من المحسوبية والوصاية التنظيمية، بما قد يضعف استقلالية القطاع ويؤثر على كفاءته.

الشفافية وآليات الإدارة

شدد الكريم على أن نجاح هذه الجمعية يرتبط بشكل أساسي بمستوى الشفافية في عملها وآليات إدارتها، لافتاً إلى أن دورها ينبغي أن يتركز في دعم الاستقرار النقدي عبر تنظيم السوق وتحسين آليات العمل فيه ووضوحها.

وفي حال نجحت الجمعية بتعزيز الثقة بين المتعاملين، فإن ذلك قد ينعكس على زيادة تدفق الحوالات المالية من الخارج والحد من المضاربات في سوق الصرف، بما يسهم في دعم الاستقرار النقدي والتوافق مع التوجهات الاقتصادية للدولة، ويجعل السياسات النقدية والمالية أكثر وضوحاً.

أما في حال تحولت إلى كيان بيروقراطي مثقل بالتدخلات غير الفعّالة، فقد تفقد دورها الأساسي كأداة تنظيمية داعمة للقطاع، لتصبح عاملاً مُعرقلاً لسرعة الأداء بدل أن تكون عنصراً مُحسّناً لبيئة عمل الصرافة، مع ما قد يرافق ذلك من مخاطر تتعلق بزيادة فرص الفساد وعودة نشاط السوق السوداء.

ورأى الكريم أن عملية ضبط عمل شركات الصرافة ومنع التلاعب تعتمد على ثلاث عوامل رئيسة، أولها وضوح الشكل الإداري للجمعية وتحديد أهدافها، إلى جانب آلية انتخاب أعضائها.

كما تشمل العوامل، عدم تحول الجمعية إلى أداة بيد كبار الصرافين، وما قد يرافق ذلك من احتكار للقرار وتوزيع للمكاسب على فئة محددة على حساب بقية الشركات.

ويتعلق العامل الثالث بمدى قدرتها على التأثير والتنسيق مع الجهات الرسمية، وفي مقدمتها البنك المركزي ووزارة المالية، إضافة إلى الهيئة العامة للمنافذ والجمارك، في مناقشة القرارات قبل صدورها، إلى جانب التزام شركات الصرافة بهذه الجمعية.

وأكد الكريم أن تنظيم السوق عبر الجمعية سيوفر بيانات أدق حول حركة الأموال، ما يساعد الجهات المالية على تحسين سياساتها سواء في إدارة السيولة أو رسم السياسات المالية، كما يمنح السوق مرونة أكبر في إدارة العمليات التجارية والمالية داخلياً وخارجياً، ويشجع الاستثمار والمستثمرين، لكن كل هذه النتائج تبقى مرهونة بطريقة تأسيس الجمعية وإدارتها، وعدم تحويلها إلى كيان بيروقراطي وصائي يخدم نخبة محددة.

لمصدر : الثورة السورية

مقالات ذات صلة