يواجه الاقتصاد السوري اليوم معضلة مركبة تتمثل في اتساع العجز المالي، وتراجع الإنتاج، وشح الموارد، وضعف الاستثمار. وفي ظل هذه الظروف، يبرز سؤال جوهري: هل تمتلك السلطة استراتيجية اقتصادية للتعافي، أم أنها تكتفي بإدارة الأزمة وتأجيل تداعياتها؟
إدارة الأزمة بدلاً من معالجة أسبابها
يمكن فهم طريقة تعامل السلطة مع الأزمة الاقتصادية من زاويتين:
الأولى: تتعلق بفلسفة إدارة الأزمة.
الثانية : بالأدوات الاقتصادية المستخدمة لمواجهة العجز المالي.
على مستوى فلسفة الإدارة الأزمة،
يبدو أن النهج السائد يقوم على احتواء الأزمات أكثر من معالجتها، وذلك عبر صناعة أولويات جديدة للرأي العام من خلال ما يُعرف بـ”الترند”، الذي أصبح في كثير من الأحيان أداة لتوجيه النقاش العام أكثر من كونه انعكاساً له. ونتيجة لذلك، ينتقل الاهتمام باستمرار من قضية طارئة إلى أخرى، فتطغى الأحداث اليومية والملفات الآنية على القضايا الجوهرية المرتبطة بالإنتاج، وفرص العمل، والإصلاح الاقتصادي.
وبهذه الطريقة، يصبح إدارة الرأي العام جزءاً من إدارة الأزمة نفسها، بينما تتراجع الملفات الهيكلية التي تحدد مستقبل الاقتصاد إلى هامش النقاش، بما يسمح بتأجيل الاستحقاقات الاقتصادية الكبرى بدلاً من معالجتها.
وفي الوقت نفسه، يؤدي تراجع حضور الخبراء الاقتصاديين والمؤسسات البحثية في دوائر صنع القرار إلى إضعاف قدرة الدولة على صياغة سياسات تستند إلى تشخيص علمي للواقع الاقتصادي، لتصبح القرارات أكثر ارتباطاً بالاعتبارات السياسية والإدارية من ارتباطها بالمعايير الاقتصادية والتنموية.
أدوات مالية تؤجل الأزمة ولا تعالجها
أما على الصعيد الاقتصادي، فتعتمد السلطة على مجموعة من الأدوات التقليدية لإدارة العجز المالي، من أبرزها:
- تقليص الإنفاق الاستثماري.
- وتأجيل مشاريع البنية التحتية.
- وإعادة هيكلة الدعم أو تخفيضه
- ورفع أسعار السلع والخدمات العامة، إضافة إلى زيادة الرسوم والضرائب، والاعتماد على المنح والقروض والاستثمارات الخارجية، وتأجيل سداد بعض الالتزامات المالية، فضلاً عن بيع أو تأجير بعض أصول الدولة أو منح امتيازات طويلة الأجل للمستثمرين.
ورغم أن هذه السياسات قد توفر سيولة مؤقتة وتخفف الضغوط عن الخزينة العامة، فإنها تبقى حلولاً مالية قصيرة الأجل، لأنها لا تعالج جذور الأزمة المتمثلة في ضعف الإنتاج، وانخفاض الاستثمار، وتراجع القدرة على توليد إيرادات مستدامة. فهي تؤجل المشكلة أكثر مما تقدم حلاً لها، ما لم تترافق مع إصلاحات تعيد تنشيط القطاعات الإنتاجية وتوسع القاعدة الاقتصادية.
من أين يبدأ التعافي الاقتصادي؟
إذا كان الاقتصاد يحتاج سنوات طويلة ليستعيد جزءاً من حجمه، فإن نقطة البداية لا تكمن في ضخ الأموال أو إطلاق مشاريع جديدة، بل في بناء رؤية اقتصادية واضحة.
وتتمثل الخطوة الأولى في تشكيل فريق اقتصادي وطني مستقل يضم خبراء من الجامعات ومراكز الأبحاث والقطاع الخاص، يتولى إعداد تشخيص شامل للاقتصاد السوري وتحديد أولويات الإصلاح. وقد تستغرق هذه المرحلة عدة أشهر، لكنها تمثل استثماراً ضرورياً لتجنب القرارات العشوائية التي تزيد كلفة التعافي.
ويوازي ذلك أهمية مصارحة المواطنين بالواقع الاقتصادي من خلال إعلان حجم العجز الحقيقي، والموارد المتاحة، وأولويات الإنفاق، والتحديات التي تواجه الدولة. فالشفافية ليست ترفاً سياسياً، بل شرط أساسي لاستعادة الثقة بين الدولة والمجتمع.
وفي المقابل، لا يمكن لأي برنامج اقتصادي أن يحقق نتائج حقيقية إذا لم يبدأ بمحاربة الفساد والهدر المالي والإداري، لأن أي تمويل جديد سيتحول إلى استنزاف إضافي ما دامت أسباب الهدر قائمة.
أما التمويل الخارجي، فرغم أهميته، فإنه لا يمثل نقطة الانطلاق، وإنما يأتي بعد بناء بيئة مؤسسية قادرة على تحويل الأموال إلى استثمارات منتجة وقيمة مضافة. ويتطلب ذلك ترسيخ سيادة القانون، وحماية الملكية الخاصة، وضمان حقوق المستثمرين، وإعادة تأهيل البنية التحتية الأساسية، ولا سيما الكهرباء والمياه والنقل، إلى جانب دعم الزراعة والصناعة والمشروعات الصغيرة والمتوسطة، وإصلاح النظام المالي والمصرفي لتوجيه المدخرات نحو الاستثمار بدلاً من المضاربة.
لماذا تتضخم المؤسسات الأمنية والبيروقراطية في الدول الخارجة من الحروب؟
لا يرتبط تضخم المؤسسات الأمنية والبيروقراطية في الدول الخارجة من الحروب بالاعتبارات السياسية وحدها، بل يمثل في كثير من الأحيان نتيجة مباشرة لانهيار النشاط الاقتصادي وتراجع قدرة الدولة على إدارة المجتمع عبر أدوات التنمية والإنتاج.
فعندما تتوقف عجلة الاقتصاد، وتتراجع الاستثمارات، ويعجز القطاع الخاص عن خلق فرص عمل، تميل الدولة إلى الاعتماد على البيروقراطية الأمنية والعسكرية أكثر من البيروقراطية المدنية والإنتاجية. وبذلك تنتقل وظيفة الدولة تدريجياً من إدارة التنمية إلى إدارة المجتمع وضبطه، لتصبح المؤسسات الأمنية والعسكرية أحد أكبر أرباب العمل، حتى وإن كانت لا تضيف قيمة إنتاجية حقيقية للاقتصاد.
ومن هذا المنطلق، يمكن تفسير تضخم هذه المؤسسات بثلاثة عوامل مترابطة:
أولاً: العامل السياسي:
تسعى السلطة، ولا سيما خلال المراحل الانتقالية، إلى تعزيز السيطرة وضمان الولاءات ورفع قدرتها على إدارة التحديات الداخلية. لذلك يتحول التوظيف في المؤسسات الأمنية والعسكرية إلى أداة سياسية لبناء قاعدة اجتماعية مرتبطة بالدولة. إلا أن هذا التوسع يرفع الإنفاق الجاري ويزيد الطلب الاستهلاكي، في وقت يبقى فيه الإنتاج المحلي ضعيفاً، مما يؤدي إلى اتساع الفجوة بين الطلب والعرض، ويولد ضغوطاً تضخمية متزايدة.
ثانياً: العامل الاقتصادي:
عندما يعجز القطاع الخاص عن استيعاب العمالة بسبب ضعف الطلب، وارتفاع تكاليف الإنتاج، والمخاطر الأمنية، تلجأ الدولة إلى التوظيف الحكومي لامتصاص البطالة، وهو ما يعرف بالبطالة المقنعة. وفي البداية قد يبدو هذا الخيار أقل كلفة سياسياً واجتماعياً من الاستثمار في القطاعات الإنتاجية، لكنه مع مرور الوقت يصبح أكثر كلفة على الاقتصاد، لأنه يوجه الموارد نحو مؤسسات غير منتجة بدلاً من توظيفها في قطاعات تولد دخلاً وقيمة مضافة.
وفضلاً عن ذلك، فإن تضخم المؤسسات الأمنية والعسكرية يرسخ صورة اقتصاد يقوم على الأمن أكثر من الإنتاج، ويزيد من عسكرة المجتمع، ويضعف ثقة المستثمرين المحليين والأجانب، ما يقلل من تدفق الاستثمارات ويؤخر عودة النشاط الاقتصادي، لتدخل الدولة في حلقة مفرغة من ضعف الإنتاج وتوسع الإنفاق غير المنتج.
ثالثاً: العامل الاجتماعي:
تستخدم الدولة هذه المؤسسات أيضاً كوسيلة لتوفير حد أدنى من الدخل لشريحة واسعة من الأسر، بهدف الحد من البطالة وتخفيف الضغوط الاجتماعية. إلا أن استمرار هذا النموذج قد يخلق حوافز اقتصادية مشوهة، إذ تتحول بعض المواقع الإدارية أو الأمنية إلى مصادر دخل غير رسمية من خلال استغلال السلطة أو ابتزاز الأنشطة الاقتصادية، مما يرفع تكاليف الإنتاج على القطاع الخاص ويزيد من خروج المنتجين من السوق أو انتقالهم إلى الاقتصاد غير المنظم.
وهكذا تنخفض القدرة الإنتاجية للاقتصاد مرة أخرى، بينما تستمر الدولة في توسيع الجهاز الإداري والأمني لمعالجة المشكلات التي ساهم هذا النموذج نفسه في إنتاجها.
في النهاية، لا يكمن الخطر في حجم المؤسسات الأمنية أو البيروقراطية بحد ذاته، وإنما في تحولها إلى بديل عن الاقتصاد المنتج. فكلما توسعت الدولة في خلق وظائف غير منتجة على حساب الاستثمار في الزراعة والصناعة والخدمات، أصبحت أكثر اعتماداً على الإنفاق الجاري، وأقل قدرة على تحقيق نمو اقتصادي مستدام. لذلك فإن بناء السلام الاقتصادي في الدول الخارجة من الحروب لا يقتصر على إعادة الإعمار، بل يتطلب أيضاً إعادة التوازن بين الدولة الأمنية والدولة التنموية، بحيث يصبح الإنتاج والاستثمار، وليس التوظيف غير المنتج، المحرك الرئيسي للاقتصاد.
لماذا يعجز القطاع الخاص عن استيعاب العمالة؟
في المقابل، لا يستطيع القطاع الخاص أن يشكل بديلاً سريعاً لاستيعاب العمالة الخارجة من القطاع العام، لأنه يعاني هو الآخر من مشكلات هيكلية، أبرزها ضعف الطلب المحلي، وارتفاع تكاليف الإنتاج والطاقة، وصعوبة الحصول على التمويل، وعدم استقرار التشريعات، وارتفاع المخاطر السياسية والأمنية، وضعف القدرة التصديرية.
وفي مثل هذه البيئة، ينشغل القطاع الخاص بالحفاظ على بقائه أكثر من التفكير في التوسع والاستثمار، ما يجعله يميل إلى تقليص العمالة بدلاً من توظيف عمالة جديدة.
الدعم الخارجي يشتري الوقت ولا يصنع التنمية
يلعب الدعم الخارجي دوراً مهماً في تخفيف الضغوط المالية التي تواجه الدول الخارجة من الأزمات، لكنه لا يستطيع بمفرده تحقيق التعافي الاقتصادي أو بناء تنمية مستدامة.
فإذا ذهبت التدفقات المالية إلى تمويل الرواتب، أو دعم الاستهلاك، أو سد العجز الجاري، فإنها تؤجل الأزمة المالية فقط، لأنها لا تضيف طاقات إنتاجية جديدة للاقتصاد.
أما إذا وُجِّهت هذه الأموال إلى الكهرباء، والبنية التحتية، والقطاعات الإنتاجية، والتعليم والتدريب، ودعم القطاع الخاص، فإنها تواجه تحدياً أكثر تعقيداً يتمثل في معضلة الاستدامة الاقتصادية. فهذه المشروعات تحتاج إلى نموذج مالي يوازن بين كلفة التشغيل والصيانة من جهة، وقدرة المواطنين والقطاع الخاص على تحمل الأسعار من جهة أخرى. فإذا بقيت الأسعار منخفضة بدافع الاعتبارات الاجتماعية، عجزت المرافق عن تغطية نفقاتها واستمرار خدماتها. وإذا رُفعت الأسعار إلى مستويات تحقق الربحية، فقد تتراجع القدرة الشرائية، وتنخفض تنافسية الإنتاج، ويتباطأ النمو الاقتصادي.
لهذا فإن نجاح التمويل الخارجي لا يتوقف على حجم الأموال، بل على وجود سياسات اقتصادية ترفع الإنتاجية، وتحسن كفاءة الإدارة، وتقلل الهدر، وتضمن توجيه الدعم إلى مستحقيه، بما يسمح للمشروعات بالاستمرار دون أن تتحول إلى عبء دائم على المالية العامة.
وبعبارة أخرى، تستطيع الأموال الخارجية أن تشتري الوقت، لكنها لا تستطيع شراء التنمية. فالتنمية لا تتحقق بالتمويل وحده، بل بقدرة الاقتصاد على تحويل هذا التمويل إلى إنتاج، وفرص عمل، وإيرادات مستدامة، بحيث يصبح النمو قائماً على النشاط الاقتصادي الحقيقي لا على استمرار تدفق المساعدات.
من اقتصاد الاعتماد إلى اقتصاد الإنتاج
إن الانتقال من اقتصاد يعتمد على المساعدات والتدفقات الخارجية إلى اقتصاد قادر على تحقيق النمو يتطلب قبل كل شيء إعادة ترتيب الأولويات الاقتصادية. فلا يمكن بناء تعافٍ مستدام في ظل استمرار توسع الإنفاق الجاري، ولا سيما في المجالات غير الإنتاجية، بينما ت
بقى القطاعات القادرة على خلق القيمة وفرص العمل تعاني من نقص التمويل والاهتمام.
وتبدأ عملية الإصلاح بضبط الإنفاق العام، وتوجيه الموارد المحدودة نحو القطاعات الإنتاجية، وتهيئة بيئة قانونية ومؤسساتية مستقرة قادرة على جذب الاستثمار، إضافة إلى دعم المشروعات الصغيرة والمتوسطة باعتبارها من أكثر القطاعات قدرة على توليد فرص العمل خلال مراحل التعافي الاقتصادي.
كما يتطلب الأمر إعادة هيكلة القطاع العام بصورة تدريجية ومدروسة، لا من خلال التسريح المفاجئ الذي قد يزيد الضغوط الاجتماعية، بل عبر برامج لإعادة التأهيل والتدريب ونقل العاملين نحو قطاعات أكثر إنتاجية، بالتوازي مع تعزيز الشفافية والمساءلة لضمان استخدام الموارد المحلية والخارجية بكفاءة.
لذلك، فإن المشكلة الأساسية في سوريا اليوم لا تتمثل فقط في نقص التمويل، بل في طبيعة النموذج الاقتصادي نفسه. فاقتصاد لا ينتج بما يكفي، ولا يجذب استثمارات منتجة، ولا يوفر بيئة مستقرة لرأس المال، سيبقى أسيراً للمساعدات الخارجية مهما كان حجمها.
إن التعافي الحقيقي لا يتحقق عبر زيادة الإنفاق الحكومي أو تدفق المنح وحدهما، بل من خلال بناء اقتصاد أكثر إنتاجية وكفاءة، ينخفض فيه الهدر، وتتوسع فيه القاعدة الإنتاجية، ويصبح قادراً على خلق فرص عمل ورفع مستوى الدخل الحقيقي بصورة مستدامة.
وعندها فقط تتحول المساعدات الخارجية من وسيلة لتأجيل الأزمة إلى أداة انتقال تدعم مسار التنمية، وتصبح نقطة انطلاق نحو اقتصاد قادر على الاعتماد على موارده وقدرته الإنتاجية بدلاً من الاعتماد الدائم على الدعم الخارجي.

