الرئيسية » مصارف سوريا أمام مراجعة مستقلة لأصولها.. و”سويفت” وحده لا يكفي لاستعادة الثقة

مصارف سوريا أمام مراجعة مستقلة لأصولها.. و”سويفت” وحده لا يكفي لاستعادة الثقة

بواسطة Younes

حصل البنك المركزي السوري قبل أيام على منحة مقدمة من البنك الدولي تهدف لتحديث القطاع المالي في سوريا، وذلك بعد 14 عاماً من تدهور الاقتصاد في البلاد.

المنحة تضع القطاع المالي أمام فرصة لإعادة بناء البنية التي تقوم عليها المدفوعات والرقابة والامتثال، بعد سنوات من العزلة والصراع والاعتماد الواسع على النقد.

عودة لبنك الدولي إلى سوريا

وبحسب البيان الصادر عن البنك الدولي حول المنحة، فإن المشروع يستهدف بناء قطاع مالي حديث وآمن ومعتمد رقمياً، وجعل المعاملات أسرع وأكثر شفافية، مع تهيئة الظروف لتوسيع الوصول إلى الخدمات المالية.

البنك الدولي - إنترنت
البنك الدولي – إنترنت

تأتي المنحة ضمن عودة تدريجية للبنك الدولي إلى تمويل مشروعات في سوريا. فمنذ استئناف نشاطه التمويلي عام 2025، وافق البنك على 4 منح سابقة وهي 146 مليون دولار لإعادة تأهيل قطاع الكهرباء، و20 مليوناً لتعزيز إدارة المالية العامة، و150 مليوناً للمياه والصرف الصحي، و75 مليوناً لتعافي النظام الصحي، وبالمنحة الجديدة يرتفع إجمالي التمويل الممنوح للمشروعات الخمسة إلى 491 مليون دولار.

وكان مشروع الكهرباء أول مشروع يوافق عليه البنك في سوريا منذ نحو أربعة عقود، بعد استعادة دمشق أهليتها لتمويل المؤسسة الدولية للتنمية إثر تسديد السعودية وقطر متأخراتها في أيار/مايو 2025.

النظام المالي “أساسي لإنعاش الاقتصاد السوري

ويصف البنك الدولي، القطاع المالي في سوريا بأنه صغير وتهيمن عليه المصارف، ووساطة مالية محدودة، واعتماد كبير على النقد، وبنية قديمة للمدفوعات الرقمية.

ويضاف إلى ذلك ضعف في أنظمة الرقابة والنزاهة المالية والاستقرار، وهي مشكلات ترفع تكلفة المعاملات وتحد من التمويل وتعرقل إعادة ربط سوريا بالقنوات المالية الدولية الضرورية للتجارة والاستثمار.

وقالت مديرة قسم الشرق الأوسط في البنك الدولي، داليا خليفة، إن النظام المالي الحديث أساسي لإنعاش الاقتصاد السوري وتنميته، وإن المشروع سيجعل المدفوعات أكثر أماناً وكفاءة ويعزز النزاهة المالية.

وترى أن هذه الأسس يمكن أن تساعد القطاع على تقديم خدمات أفضل للأسر والشركات، وتوسيع التمويل اللازم للنمو الذي يقوده القطاع الخاص وخلق فرص العمل.

المكونات الأربعة

يتوزع المشروع على أربعة مكونات، يركز المكون الأول على تحديث النظام المصرفي الأساسي لمصرف سورية المركزي، وتطوير شبكات اتصال آمنة، وتعزيز قدرات الأمن السيبراني.

أما المكون الثاني فيستهدف إعادة تأهيل القطاع المصرفي ورفع كفاءته، من خلال إجراء مراجعات مستقلة وشاملة لجودة أصول المصارف العامة والخاصة.

والمكون الثالث، يتعلق بإدارة المشروع وتنفيذه، إذ سيتولى مصرف سورية المركزي هذه المهمة عبر وحدة متخصصة، بالتنسيق مع المصارف ومقدمي خدمات الدفع ووزارة المالية والجهات الرقابية والشركات الموردة للأنظمة.

وخُصص المكون الرابع للاستجابة لحالات الطوارئ، من دون رصد تمويل مسبق له. ويتيح هذا المكون إعادة توجيه الأموال غير المستخدمة من بقية أجزاء المشروع عند وقوع أزمة أو حالة طارئة مؤهلة.

من جهته، وصف حاكم مصرف سوريا المركزي صفوت رسلان في منشور له على منصة “إكس” اعتماد المنحة بأنها “محطة مهمة في مسار تطوير البنية المالية والمصرفية”.

وقال إنها ستدعم تحديث المدفوعات والبنية الرقمية والرقابة والنزاهة المالية، بما يعزز الاستقرار وبيئة الاستثمار ويقدم خدمات أكثر كفاءة وأماناً للمواطنين وقطاع الأعمال. كما ربط المشروع بإعادة اندماج سوريا في النظام المالي العالمي.

مطلب “المراجعات المستقلة”

بالعودة لبنود المشروع فإن أكثرها حساسية هو إجراء مراجعات مستقلة وشاملة لجودة أصول المصارف العامة والخاصة. وتختبار المراجعات القيمة الفعلية لأصول المصارف، بما يساعد على تحديد أوضاعها المالية وحجم القروض المتعثرة لديها.

ويقول الخبير الاقتصادي يونس الكريم، في حديثه لـ”الحل نت”، إن المراجعة يمكن أن تكشف حجم القروض المتعثرة، والقطاعات والعملات التي تتركز فيها، والمصارف الأكثر ضعفاً، وقيمة الضمانات، ومدى انكشاف البنوك على الدولة ومؤسساتها. كما قد تطرح طريقة معالجة الديون، وما إذا كانت ستبقى مقومة بالليرة السورية أو تخضع لمعالجة تتناسب مع طبيعة كل قرض.

وفق تقدير الكريم، ستضع نتائج مراجعة جودة الأصول القطاع المصرفي أمام خيارات متعددة، تشمل استمرار بعض المصارف، أو إعادة هيكلة ودمج بعضها، وربما إلغاء أو خصخصة أخرى. ويشدد الكريم على أن أي خطوة من هذا النوع لا ينبغي أن تصدر بقرار إداري مجرد، وإنما يجب أن تستند إلى دراسة واضحة ومبررة اقتصادياً ومالياً ونقدياً، تقارن بين كلفة كل خيار والبدائل المتاحة.

وبذلك، يمكن أن تنتج المراجعة ما يشبه “كشف حساب” عن واقع القطاع المصرفي وحجم الاختلالات وكلفة إصلاحها. علماً أن المشروع يمول عملية التشخيص وبناء القدرات اللازمة للإصلاح، ولا يحدد مسبقاً حجم الأموال التي قد تحتاجها المصارف لاحقاً لإعادة الرسملة أو معالجة الخسائر التي قد تكشفها المراجعات.

هل 100 مليون كافية؟

وبالنظر إلى منحة المئة مليون دولار المقدمة وإن كانت كافية للقطاع المالي في سوريا أم لا؟ يقول الكريم إن “منحة 100 مليون دولار غير كافية لإنقاذ القطاع المالي إذا جرى استخدامها لتغطية الضعف والأزمات المالية لدى مصرف سورية المركزي”.

ويحذر من أن توجيه المنحة إلى تحسين ملاءة مصارف بعينها، أو شطب ديون، أو تمويل الحكومة، أو تغطية عجزها من خلال إصدار النقد، سيبدد التمويل من دون تحقيق إصلاح مؤسسي حقيقي.

يرى الكريم، أن الاستخدام الفني المشروط للمنحة يمكن أن يجعل منها رافعة لإعادة هيكلة القطاع، من خلال إصلاح المؤسسات، ومراجعة القوانين الناظمة لمكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب، وإعادة تفعيل مجلس النقد والتسليف وتحسين الربط بين المصارف ومصرف سورية المركزي، وتطوير أنظمة الدفع والمقاصة، وإعادة تفعيل أنظمة تخطيط موارد المؤسسة، إلى جانب تطوير التقنيات والأدوات الرقابية.

ويشير الكريم أيضاً إلى أهمية الخدمات الفنية غير المباشرة المصاحبة للتمويل، باعتبارها قد توفر خريطة طريق لكيفية إنفاق المنحة وتنفيذ عملية إعادة الهيكلة، بدلاً من التعامل معها كتمويل مالي مباشر للمؤسسات المتعثرة.

تتيح المنحة بدء إصلاح القطاع عبر تحديث الأنظمة وفحص أوضاع المصارف. وستحدد نتائج المراجعات حجم الاختلالات والخطوات المطلوبة لمعالجتها، بما في ذلك إعادة الهيكلة أو الرسملة. ويرتبط نجاح المشروع بالالتزام بنطاقه الفني واتخاذ القرارات التي تفرضها النتائج، من دون تحميل التمويل مهمة إنقاذ القطاع بأكمله.

ما الذي ستكشفه هذه الأموال؟

وفي مكونات مشروع البنك الدولي الأربعة، يتضمن المكون الثاني إجراء مراجعات مستقلة لجودة الأصول، وتطوير الرقابة القائمة على المخاطر، وتعزيز قدرات وحدة الاستخبارات المالية. لكن إدراج هذه البنود في تصميم المشروع لا يحسم مسألة تطبيقها على أرض الواقع، إذ يبقى الاختبار الحقيقي مرتبطاً بطريقة إدارة التنفيذ، وفصل الصلاحيات، واستقلال الجهات التي ستتولى فحص الأصول ومراجعة أداء المصارف ومراقبة الإنفاق.

ويعتبر الكريم أن إدارة القطاع المالي في المرحلة الحالية ستكون العامل الحاسم في تحديد نتائج المشروع، مشيراً إلى أن إعلان مصرف سورية المركزي عن إجراءات إصلاحية لا يكفي وحده لتصحيح مسار السياسات النقدية، ما لم تقترن هذه الإجراءات بآليات واضحة للتنفيذ والرقابة والمساءلة.

ويرى أن الاختبار لا يتعلق فقط بقدرة الإدارة الحالية على تنفيذ مشروع تقني معقد، وإنما بقدرتها على التعامل مع النتائج التي قد يكشفها المشروع، خصوصاً إذا أظهرت مراجعات جودة الأصول وجود فجوات كبيرة في رأس المال أو خسائر متراكمة أو مؤسسات غير قادرة على الاستمرار.

ففي هذه الحالة، ستنتقل المسؤولية من مرحلة تشخيص المشكلة إلى مرحلة اتخاذ القرارات الصعبة بشأن إعادة الرسملة أو الدمج أو إعادة الهيكلة أو الخروج من السوق.

فامتلاك أنظمة مصرفية حديثة وشبكات دفع متطورة لا يكفي لبناء قطاع مالي سليم إذا لم تكن المؤسسات التي تدير هذه الأنظمة خاضعة للرقابة، وتتمتع بقدر كافٍ من الاستقلالية، وتعمل وفق قواعد واضحة وقابلة للمساءلة.

ويضيف الكريم، إن “الاختبار الحقيقي للمنحة لن يكون في كيفية إنفاق الـ100 مليون دولار فقط، وإنما في ما الذي ستكشفه هذه الأموال، وكيف ستتعامل السلطات مع ما ستكشفه”.

فإذا تحولت المنحة إلى أداة لتشخيص القطاع وإعادة بناء مؤسساته على أساس شفاف ومستقل، فقد تشكل نقطة انطلاق لإصلاح مالي أوسع. أما إذا اقتصر استخدامها على تحديث بعض الأنظمة والتقنيات من دون معالجة الاختلالات المؤسسية والمالية، فقد يحصل القطاع على بنية مصرفية أكثر حداثة من الخارج، لكن المشاكل الداخلية تتجه نحو التعقيد والخسائر مما يوقف أي كلام عن عودة الاقتصاد لاحقاً الى التحرك.

“سويفت” لا يكفي

تطمح دمشق إلى أن يساعد الإصلاح في استعادة حضورها داخل النظام المالي الدولي، لكن الاتصال التقني لا يساوي قبولاً مصرفياً. فإعادة الربط بنظام “سويفت” تتيح قناة للرسائل المالية، بينما تتخذ البنوك المراسلة قراراتها بناء على مخاطر الامتثال وموثوقية المؤسسات والأشخاص والأموال التي تتعامل معها.

ويصف الكريم إعادة ربط “سويفت” بأنها خطوة مهمة، لكنه يقول إنها لا تقود إلى عودة تلقائية بعد انقطاع طويل، خصوصاً مع وجود أمراء حرب وأشخاص معاقبين ضمن البنية الاقتصادية، ومخاطر مرتبطة بمساهمين أو إدارات أو حسابات. وبرأيه، تحتاج المصارف إلى ميزانيات شفافة قابلة للتدقيق، وبيانات مالية موثقة، وأنظمة فعالة لمكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب، وإجراءات دقيقة لمعرفة العميل ومصدر الأموال.

ويربط الخبير استعادة الثقة أيضاً بإعادة تفعيل مجلس النقد والتسليف، وتحديث الامتثال وإدارة المخاطر، وإنشاء قنوات مقاصة أولية مع دول يمكن البدء معها، فضلاً عن استقرار القوة الشرائية وتوافر السيولة. ويرى أن الاعتماد على المنح والحوالات لتأمين الدولار يمنع الانهيار، لكنه لا يبني وحده اقتصاداً قادراً على توليد العملة الأجنبية واستدامة الثقة.

ويمكن القول إن المنحة تكفي لبدء تحديث الأنظمة وفحص أصول المصارف، وفق نطاق المشروع، بينما ستحتاج معالجة الخسائر وإعادة الرسملة إلى تمويل وقرارات لاحقة. وستظهر قيمة المشروع عند نشر نتائج المراجعات، وتحديد المصارف القادرة على الاستمرار، وإخضاع الإنفاق لرقابة يمكن التحقق منها.

المصدر: الحل .

مقالات ذات صلة