أثار تقرير رويترز حول مشروع إنشاء خط لنقل النفط العراقي عبر الأراضي السورية إلى البحر المتوسط اهتماماً سياسياً وإعلامياً واسعاً، خصوصاً في ظل أزمة مضيق هرمز والتوتر المتصاعد مع إيران. لكن بعيداً عن الضجيج السياسي، فإن قراءة المشروع من زاوية اقتصادية وأمنية تضعه في إطار أكثر تعقيداً بكثير من كونه «حلاً سريعاً» لأزمة هرمز.
خط جديد لا إعادة تشغيل لخط قديم
أولى الحقائق التي يجب توضيحها أن الحديث ليس عن خط جاهز يمكن تشغيله ببساطة. فالخط القديم بين العراق وسورية متضرر ومتهالك حسب تقرير ز نفسه ، وما يجري بحثه عملياً هو إنشاء منظومة جديدة أو إعادة بناء واسعة للبنية التحتية القائمة.
وبحسب المعلومات التي أوردها تقرير رويترز، فإن المشروع يحتاج إلى استثمارات لا تقل عن 15 مليار دولار، وقد يستغرق تنفيذه نحو أربع سنوات، بطاقة مستهدفة تصل إلى نحو مليوني برميل يومياً.
وهنا تبدأ الأسئلة الاقتصادية الحقيقية.
إذا افترضنا أن الخط سيعمل لمدة 20 عاماً وبطاقته القصوى، فإنه سينقل نظرياً نحو 14.6 مليار برميل خلال هذه الفترة. وبقسمة كلفة الإنشاء البالغة 15 مليار دولار على هذه الكمية، نحصل على نحو 1.03 دولار لكل برميل.
لكن هذا الرقم لا يعني أن نقل البرميل عبر الأنبوب سيكلف 1.03 دولار. إنه فقط يمثل حصة البرميل من الاستثمار الأولي في إنشاء الخط.
أما التكلفة الفعلية فتشمل التشغيل والصيانة والطاقة والتأمين والحماية الأمنية والتمويل وإعادة تأهيل البنية التحتية وتطوير الموانئ والمنشآت المرتبطة بالخط، إضافة إلى التخزين والتحميل.
التكلفة الفعلية لنقل النفط عبر الأنبوب لا تقتصر على الاستثمار، بل تشمل التشغيل والصيانة والطاقة والتأمين والحماية الأمنية والتمويل وإعادة تأهيل البنية التحتية وتطوير الموانئ والمنشآت والتخزين والتحميل، ما قد يجعل كلفته الإجمالية أعلى من الوفورات والعوائد المتوقعة منه
دولار واحد للبرميل… هل يكفي لتبرير الأنبوب؟
هنا تصبح المقارنة مع مضيق هرمز أكثر أهمية، بحسب تقارير إعلامية ومصادر في قطاع الشحن، طُلب من بعض الناقلات التي تمر عبر مضيق هرمز دفع مبالغ تصل إلى مليوني دولار للرحلة الواحدة تحت مسميات مرتبطة بالمرور الآمن أو تخفيف المخاطر.
وبافتراض أن الناقلة تحمل نحو مليوني برميل، فإن مليوني دولار تعادل تقريباً دولاراً واحداً لكل برميل.
وهنا تظهر المفارقة الاقتصادية:
دولار واحد للبرميل هو تقريباً نفس الحصة النظرية من الاستثمار الرأسمالي في الأنبوب عند توزيعه على 20 عاماً وبافتراض تشغيل الخط بكامل طاقته.
أي أننا أمام مشروع يحتاج إلى 15 مليار دولار لكي يوفر، نظرياً، تكلفة تقترب من دولار واحد للبرميل في مواجهة كلفة مخاطر العبور.
لكن حتى هذه المقارنة تجعل العبور عبر مضيق هرمز أكثر جاذبية اقتصادياً؛ فحجم التدفقات الكبير، واستقرار الأسعار، وتوافر البنية التحتية القائمة، تجعل كلفة النقل البحري أكثر قابلية للتنبؤ، بينما يحتاج الأنبوب إلى استثمارات ضخمة وتكاليف تشغيل وأمن وتمويل وتطوير للموانئ والمنشآت، ما يرفع كلفته الفعلية. وبالتالي، فإن النظر إلى مشروع الأنبوب باعتباره حلاً اقتصادياً جاهزاً يبدو أقرب إلى التعامل معه كمشروع على الورق، لا كمشروع قابل للمنافسة الفعلية في المدى المنظور.
فالـ1.03 دولار ليست تكلفة نقل نهائية، وإنما مجرد حصة الاستثمار الرأسمالي من كل برميل. وعند إضافة التشغيل والصيانة والتمويل والتأمين والحماية الأمنية وتطوير الموانئ، ترتفع التكلفة الفعلية.
وفوق ذلك، فإن النفط الذي سيصل عبر الأنبوب إلى الساحل السوري لن يصل تلقائياً إلى الأسواق العالمية؛ بل سيحتاج إلى تحميله على ناقلات بحرية ونقله عبر المتوسط إلى وجهاته النهائية.
دولار واحد للبرميل هو تقريباً نفس الحصة النظرية من الاستثمار الرأسمالي في الأنبوب عند توزيعه على 20 عاماً وبافتراض تشغيل الخط بكامل طاقته.
القيمة الزمنية للنقود تقلب الحساب
هناك عامل اقتصادي أكثر أهمية غالباً ما يتم تجاهله في النقاشات السياسية حول المشروع، وهو القيمة الزمنية للنقود.
فالـ15 مليار دولار ستُدفع اليوم، وفي المقابل فإن كلفة المخاطر المفترضة للعبور عبر هرمز تبلغ نحو دولار واحد لكل برميل، وهي تكاد تعادل 1.03 دولار للبرميل كحصة من الاستثمار الرأسمالي للأنبوب وحده عند توزيعه على 20 عاماً وبطاقته القصوى. وبالتالي لا يوجد وفر اقتصادي حقيقي للأنبوب حتى في هذا الحساب المتفائل؛ بل إن كفة الأنبوب تميل إلى أن تكون أكثر كلفة بمجرد إضافة التشغيل والصيانة والتمويل والتأمين والحماية الأمنية وتطوير الموانئ والتخزين والتحميل، فضلاً عن كلفة النقل البحري من موانئ المتوسط إلى الأسواق النهائية. وبالتالي يجعل هدف الانبوب هو سياسي ليس اقتصادي وهو خاصة بالشركة التي تريد انشائها وبتعاقداتها وان السوق لن يتاثر بعرض شركة لملوني برميل ان كانت حالة الابارى تسمح بذلك ، كما ان الشركة سوف تكون تحت وطئة الضغوط التكاليف الاستثمار وعامل الزمني للقروض التي باتت تركز على دفع فؤائد علاية بسنوات الاولى اي ان الاخط يعتاش على استمرا اوم مضيق هرمز وهذا الامر سيناريو خيالي ولذلك لا يكفي أن نقول إن المشروع يسترد تكلفته من خلال توفير دولار لكل برميل.
يجب حساب القيمة الحالية للوفورات المستقبلية ومقارنتها بالقيمة الحالية للاستثمار وتكاليف التمويل والمخاطر.
بمعنى أبسط: ليس المهم فقط كم سنوفر خلال عشرين سنة، وإنما كم تساوي هذه الوفورات اليوم.
وهذا يجعل الحساب الحقيقي أكثر صعوبة من مجرد قسمة 15 مليار دولار على عدد البراميل.
وماذا لو لم يعمل الأنبوب بكامل طاقته؟
الحساب السابق يفترض أن الخط سينقل مليوني برميل يومياً طوال عشرين عاماً.
وهذا افتراض متفائل، إذا عمل الخط بمتوسط 70% من طاقته، فإن الكميات المنقولة خلال 20 عاماً ستنخفض إلى نحو 10.2 مليار برميل، وترتفع حصة الاستثمار الرأسمالي من نحو 1.03 دولار إلى حوالي 1.47 دولار للبرميل.
وإذا انخفض معدل التشغيل إلى 50%، فإنها ترتفع إلى نحو 2.05 دولار للبرميل، قبل إضافة أي تكلفة تشغيل أو أمن أو تمويل.
وهذا يوضح أن الطاقة التصميمية للأنبوب ليست بالضرورة طاقته الاقتصادية الفعلية.
فالأنبوب يحتاج إلى تدفقات نفطية مستقرة وعقود طويلة الأجل، كما يحتاج إلى صيانة وحماية وموانئ قادرة على التعامل مع الكميات المخطط لها، وأي انخفاض في التدفقات يعني أن تكلفة الاستثمار ستتوزع على عدد أقل من البراميل، وبالتالي ترتفع تكلفة البرميل.
الأنبوب لا يحل مشكلة هرمز
المشكلة الأساسية في تقديم مشروع خط النفط العراقي–السوري باعتباره بديلاً لمضيق هرمز هي أن قدرته على تعويض تدفقات المضيق محدودة للغاية. فحتى إذا عمل الخط بكامل طاقته التصميمية البالغة مليوني برميل يومياً، فإنه لن يعوض سوى نحو 10% من كميات النفط التي تمر عبر هرمز، والمقدرة بنحو 20 مليون برميل يومياً.
والأمر لا يتعلق بالنفط وحده؛ فمضيق هرمز يمثل ممراً رئيسياً لتجارة الطاقة العالمية، بما في ذلك كميات كبيرة من الغاز الطبيعي المسال الذي يعتمد بطبيعته على النقل البحري، وهو ما يجعل من المستحيل عملياً أن يحل خط أنابيب بري واحد محل المضيق أو يؤدي الوظيفة التي يؤديها في منظومة الطاقة العالمية.
وفي أفضل السيناريوهات، يمكن لخط العراق–سورية أن يمنح العراق مساراً إضافياً لتصدير جزء من إنتاجه النفطي إلى البحر المتوسط، بما يقلل جزئياً من اعتماده على طرق التصدير المرتبطة بالخليج، لكنه لا يقدم بديلاً شاملاً عن هرمز.
بل إن النفط الذي سيصل عبر الأنبوب إلى الساحل السوري سيحتاج، في نهاية المطاف، إلى النقل بواسطة ناقلات بحرية إلى الأسواق العالمية. وبالتالي، فإن المشروع لا يلغي المخاطر البحرية، وإنما يعيد توزيعها: جزء ينتقل من مضيق هرمز إلى مسار بري طويل ومعقد، ثم يعود النقل البحري مجدداً من موانئ المتوسط إلى الأسواق النهائية.
لذلك، فإن وصف خط العراق–سورية بأنه «بديل لمضيق هرمز» يحمل مبالغة سياسية واضحة. والأدق اقتصادياً واستراتيجياً اعتباره مساراً إضافياً ومحدوداً لتصدير النفط العراقي ، قد يمنح العراق هامشاً أكبر للمناورة، لكنه لا يستطيع أن يحل محل مضيق هرمز أو يخفف سوى جزء صغير من أثر أي اضطراب في هذا الممر الحيوي على سوق الطاقة العالمية.
الأمن هو الحلقة الأضعف
هناك أيضاً مشكلة أمنية لا يمكن التعامل معها كعامل ثانوي.
المسار المقترح يمر في بيئة سياسية وأمنية شديدة التعقيد، مع مخاطر مرتبطة بالجماعات المسلحة من حشد شعبي المحسوبة على ايران ، وبقايا تنظيم داعش، والتوترات المحلية والعشائرية التي تجد ان الانبوب سوف يهدد مصادر تمويلها ، فضلاً عن المصالح المتعارضة لتركيا بانابيب النفط وإيران التي تجد ان الامضيق يتهدد وقوى إقليمية أخرى.
وخط أنابيب بطاقة مليوني برميل يومياً ليس مجرد منشأة اقتصادية؛ إنه بنية تحتية استراتيجية ثابتة.
وبالتالي فإن تأمينه سيكون جزءاً أساسياً من تكلفته، وليس بنداً هامشياً.
والفرق بين الأنبوب والنقل البحري هنا مهم جداً: الناقلة يمكنها تغيير مسارها، أو تأجيل رحلتها، أو استخدام ميناء آخر، أو تغيير وجهتها وفقاً للمخاطر. أما الأنبوب فهو بنية ثابتة لا تستطيع التحرك عندما تتغير الظروف الأمنية.وهذا يعني أن المشروع قد يزيل نوعاً من المخاطر، لكنه قد يخلق نوعاً آخر.
المشروع كأداة ضغط سياسية أكثر منه حلاً اقتصادياً
من هذه الزاوية، يمكن فهم التوقيت السياسي لطرح مشروع خط النفط العراقي–السوري. فالولايات المتحدة تبحث عن بدائل ومسارات جديدة لتقليل أثر اضطرابات مضيق هرمز، لكن أزمة هرمز بطبيعتها أزمة آنية تحتاج إلى حلول سريعة، بينما مشروع الأنبوب يحتاج سنوات من التخطيط والتمويل والتنفيذ قبل أن يصبح قادراً على العمل.
وبالتالي، قد تكون قيمة المشروع في المرحلة الحالية جيوسياسية وسياسية أكبر بكثير من قيمته التشغيلية والاقتصادية الفعلية. فمجرد الإعلان عن وجود مسار بديل يمكن أن يستخدم كورقة ضغط على إيران، ويوحي بوجود خيارات أخرى أمام أسواق الطاقة، حتى لو كان تنفيذ هذا المسار يحتاج إلى استثمارات ضخمة واستقرار أمني وسياسي غير متوفر حالياً.
وهنا تكمن المفارقة: المشكلة التي يفترض أن يعالجها الأنبوب تحتاج إلى حل سريع، بينما الأنبوب نفسه يحتاج إلى سنوات حتى يصبح حلاً فعلياً. ولذلك فإن استخدامه اليوم كورقة ضغط سياسية أكثر واقعية من اعتباره بديلاً جاهزاً لمضيق هرمز.
لكن هناك فارقاً كبيراً بين استخدام مشروع مستقبلي كورقة تفاوضية وبين تحويله إلى مشروع اقتصادي قابل للحياة.
فالمسألة ليست أن الولايات المتحدة أو أي طرف آخر يستطيع الإعلان عن إنشاء خط أنابيب، وإنما السؤال الحقيقي هو: هل يستطيع مستثمر أن يضع 15 مليار دولار في مشروع يحتاج سنوات من الإنشاء، ثم يضمن تدفق النفط وحماية الخط واستقرار المسار واسترداد تكلفة التمويل وتحقيق عائد اقتصادي لعقود؟
وهنا تحديداً ينتقل المشروع من الجغرافيا السياسية والإعلام إلى اختبار الاقتصاد الحقيقي.
وهنا يصبح السؤال أكثر صعوبة.
ماذا عن سعر النفط؟
هناك متغير اقتصادي آخر لا يمكن تجاهله: سعر النفط نفسه.
فجدوى أي مشروع لنقل النفط تعتمد على الفارق بين تكلفة المسارات البديلة.
إذا انخفض سعر النفط، أو انخفضت أجور النقل البحري، أو تراجعت علاوة المخاطر المرتبطة بمضيق هرمز، فإن الوفر المتوقع من خط الأنابيب يتقلص، بينما تبقى تكاليف بناء الخط وتمويله وصيانته وحمايته قائمة.
كما أن تغير أسعار النفط يمكن أن يؤثر في حجم الإنتاج نفسه وفي استعداد العراق لاستثمار مليارات الدولارات في مسار تصدير جديد.
لذلك فإن المشروع لا يجب أن يُقاس بسعر النفط في لحظة الأزمة فقط، وإنما يجب تقييمه وفق مجموعة من السيناريوهات لأسعار النفط وتكاليف النقل ومعدلات التشغيل والمخاطر الأمنية على مدى عشرين عاماً.
المقارنة الحقيقية ليست دولاراً مقابل دولار
لذلك فإن المقارنة الصحيحة ليست بين «دولار المخاطر في هرمز» و«دولار الاستثمار في الأنبوب».
بل يجب مقارنة التكلفة الكاملة للمسارين على مدى 20 عاماً.
في حالة الأنبوب:
الاستثمار + التمويل + التشغيل والصيانة + التأمين + الأمن + تطوير الموانئ + التخزين والتحميل + النقل البحري من المتوسط إلى الأسواق.
وفي حالة المسار البحري:
أجور الناقلات + التأمين + الرسوم + علاوة المخاطر + تكلفة المسار.
ثم تُحسب هذه التدفقات وفق القيمة الحالية للنقود.
وهنا يمكن أن تتغير النتيجة جذرياً.
فالأنبوب قد يصبح أكثر جدوى إذا استمر الاضطراب بالمنطقة وبقيت مخاطر هرمز مرتفعة لسنوات طويلة. واستقرت بنفس الوقت المنطقة امنيا مما يقود الى نسب تشغيله مرتفعة ،.
لكنه قد يصبح أقل جدوى إذا تراجعت مخاطر العبور، أو انخفضت أجور النقل البحري، أو انخفض سعر النفط، أو لم يعمل الخط بطاقته التصميمية، أو ارتفعت كلفة تأمينه وحمايته وتمويله.
هل يمكن أن يصبح المشروع مجدياً؟
نعم، ولكن بشروط.
إذا استقرت سورية والعراق أمنياً، وتوفر التمويل، وضمنت حماية الخط، ووجدت عقود طويلة الأجل لتغذيته بالنفط، وتم تطوير الموانئ والبنية التحتية اللازمة، فإن المشروع يمكن أن يتحول إلى ممر استراتيجي حقيقي للعراق نحو البحر المتوسط، فهل ممكن هذا ؟
كما أنه يمكن أن يمنح العراق مرونة أكبر في تصدير نفطه وعدم الاعتماد الكامل على المسارات المرتبطة بالخليج.
لكن هذا مشروع طويل الأجل، وليس حلاً سريعاً لأزمة هرمز.
وفي المدى القصير، قد تكون حلول أكثر مرونة، مثل النقل البري المرحلي ثم الشحن البحري، أكثر واقعية في التعامل مع الظروف الحالية، حتى لو كانت تكلفتها التشغيلية أعلى.
فالمرونة في أوقات الأزمات لها قيمة اقتصادية بحد ذاتها، خصوصاً عندما تكون كلفة إنشاء البنية التحتية الثابتة ضخمة، بينما يمكن للنقل البحري إعادة توزيع مساراته وفق تغير المخاطر.
من الورق إلى الواقع
المشكلة في الخطاب السياسي حول المشروع أنه يقفز فوق المسافة الكبيرة بين الإعلان عن المشروع وتنفيذه.
15 مليار دولار ليست رقماً صغيراً، وأربع سنوات ليست فترة قصيرة، خصوصاً عندما يتعلق الأمر بمشروع يمر عبر منطقة أمنية وسياسية شديدة التعقيد.
والأهم أن المشروع لن يقضي على مخاطر هرمز، ولن يلغي النقل البحري، ولن يضمن انخفاض تكلفة النفط إلى الأسواق العالمية.
هو ببساطة مسار بديل جزئي للنفط العراقي، قد يكون ذا قيمة استراتيجية كبيرة إذا تغيرت البيئة السياسية والأمنية في المنطقة.
أما تقديمه اليوم كأنه البديل الجاهز لمضيق هرمز، فهو أقرب إلى استخدام مشروع مستقبلي في معركة جيوسياسية حاضرة.
في النهاية، هناك فرق كبير بين أن يكون لدينا مشروع على الورق، ودراسة، وإعلان سياسي، وبين أن يكون لدينا خط أنابيب يعمل فعلياً.
الأنبوب لم يصبح واقعاً بعد. والاستثمار الحقيقي لا يُقاس بحجم العناوين الإعلامية، وإنما بالقيمة الحالية للتدفقات النقدية، وكلفة المخاطر، واستقرار المنطقة، وقدرة المشروع على المنافسة مع البدائل البحرية طوال عمره التشغيلي.
فإذا كانت كلفة المخاطر الاستثنائية في هرمز نحو دولار واحد للبرميل، فإن الأنبوب لا يحصل تلقائياً على أفضلية اقتصادية؛ لأن حصة الاستثمار الرأسمالي فيه تبلغ نظرياً نحو 1.03 دولار للبرميل على مدى عشرين عاماً، قبل إضافة تكاليف التشغيل والصيانة والتمويل والأمن وتطوير الموانئ والنقل البحري عبر المتوسط.
وهنا تحديداً تكمن المفارقة:
المشروع قد يكون استراتيجياً على المدى الطويل، لكنه ليس بالضرورة أرخص على المدى الاقتصادي، وليس بديلاً كاملاً عن هرمز، ولا حلاً سريعاً للأزمة الحالية.
السؤال الحقيقي إذن ليس: هل يمكن بناء الأنبوب؟
بل: هل القيمة الحالية للوفورات التي سيحققها خلال عشرين عاماً تكفي لتغطية كامل تكلفته ومخاطره، مقارنة بالنقل البحري والبدائل الأخرى؟
وهذا هو الاختبار الاقتصادي الحقيقي للمشروع، وليس مجرد حجم الاستثمار أو عدد البراميل التي يمكن أن ينقلها.


