رغم إعلان مصرف سوريا المركزي انتهاء المرحلة الرسمية لاستبدال العملة السورية القديمة، وبدء سحبها من التداول بعد تجاوز نسبة الاستبدال 95 بالمئة من الكتلة النقدية المتداولة، عاد المصرف ليمنح المواطنين مهلة إضافية تمتد من الثاني وحتى السادس من آب لاستبدال ما تبقى من الأوراق النقدية عبر جميع المصارف العامة والخاصة وفروع المؤسسة السورية للبريد، قبل حصر العملية لاحقاً بمقر المصرف المركزي في دمشق لمدة خمس سنوات عبر منصة إلكترونية مخصصة لهذا الغرض.
ويؤكد المصرف أن هذه الخطوة تهدف إلى تسهيل استكمال العملية دون فرض أي رسوم أو عمولات، مع استمرار تقييم احتياجات السوق من السيولة النقدية بما يضمن استقرار التداول.
تمديد يفتح باب التساؤلات
يأتي القرار بعد أيام فقط من تأكيد المصرف أن العملة القديمة فقدت قوتها الإبرائية اعتباراً من 31 تموز، ولم تعد صالحة قانونياً لتسوية المدفوعات أو الوفاء بالالتزامات المالية، في إطار برنامج إعادة هيكلة الكتلة النقدية وإحلال الإصدار الجديد بصورة كاملة.
غير أن الإعلان عن نافذة إضافية للاستبدال أثار نقاشاً واسعاً بين اقتصاديين ومتعاملين في السوق حول جدوى التمديد، وما إذا كان يعكس مرونة في إدارة العملية أم يكشف عن تحديات واجهت تنفيذها على أرض الواقع.
وترافقت المرحلة الأخيرة من استبدال العملة مع شكاوى في عدد من المحافظات بشأن الازدحام على مراكز الاستبدال، وتفاوت توافر السيولة من الفئات الجديدة، إضافة إلى نقص الفئات النقدية الصغيرة، وهو ما انعكس على حركة البيع والشراء والمعاملات اليومية، ودفع المصرف إلى إتاحة أسبوع إضافي عبر شبكة المصارف والبريد قبل الانتقال إلى آلية أكثر تقييداً تقتصر على دمشق.
ويؤكد المركزي أن هذه الإجراءات لا تعني إعادة العمل بالقوة الإبرائية للأوراق القديمة، وإنما تقتصر على سحبها واستبدالها فقط ضمن ضوابط محددة.
انتقادات لآلية إدارة العملية
في هذا السياق، يرى الباحث الاقتصادي يونس الكريم أن تمديد مهلة سحب واستبدال العملة القديمة لا يعالج جوهر المشكلة، وإنما يؤجلها، معتبراً أن إدارة واحدة من أكبر العمليات النقدية في البلاد لا ينبغي أن تقوم على تمديدات قصيرة ومتكررة، بل على خطة واضحة وجدول زمني معلن وآليات تنفيذ مستقرة تضمن وصول الخدمة إلى جميع المواطنين دون استثناء.
ويعتقد الكريم وفق منشور له عبر منصة “فيسبوك”، أن تكرار الإعلان عن تمديدات أسبوعية يبعث برسائل متناقضة إلى الأسواق، إذ سبق للمصرف أن أكد انتهاء القوة الإبرائية للعملة القديمة، ثم عاد ليفتح نافذة جديدة لاستبدالها عبر المصارف والبريد، وهو ما قد يخلق حالة من الارتباك لدى المواطنين والمتعاملين، ويؤثر في مستوى الثقة بالإجراءات النقدية، خاصة أن نجاح أي عملية استبدال للعملة يرتبط بوضوح قواعدها وثباتها منذ البداية.
ويشير إلى أن المصرف المركزي أوضح مراراً أن عملية الاستبدال لا تتضمن إصدار كتلة نقدية جديدة، وإنما تقوم على إحلال أوراق نقدية جديدة محل القديمة بالقيمة الاسمية نفسها، وهو ما يعني أن المعروض النقدي لا يتغير من حيث الحجم، وإنما تتغير فقط جودة الأوراق المتداولة وشكلها، وهو النهج الذي تتبعه البنوك المركزية عادة عند تنفيذ عمليات استبدال أو تحديث للإصدارات النقدية.
انطلاقاً من هذا المبدأ، يرى الكريم أن أي مواطن يحتفظ بأوراق نقدية قديمة يجب أن يتمكن من استبدالها بسهولة وخلال فترة زمنية كافية، محذراً من أن عدم تمكن جزء من المواطنين من استبدال ما بحوزتهم يثير تساؤلات حول مصير القيمة النقدية التي ستخرج من التداول دون استبدال، وكيف ستعالج محاسبياً وقانونياً، داعياً إلى توضيحات رسمية تضمن الشفافية وتحافظ على الثقة العامة في العملية.
ويضيف أن الاقتصار لاحقاً على استقبال طلبات الاستبدال عبر مصرف سوريا المركزي في دمشق، ومن خلال منصة إلكترونية وحجز مواعيد مسبقة، قد يخفف الضغط الإداري، لكنه قد يفرض أعباء إضافية على المواطنين المقيمين في المحافظات البعيدة، ولا سيما في ظل تفاوت القدرة على الوصول إلى الخدمات المصرفية والإلكترونية، الأمر الذي يستدعي، برأيه، الإبقاء على قنوات الاستبدال مفتوحة عبر شبكة المصارف والمؤسسة السورية للبريد لفترة أطول.
بين المرونة والفوضى النقدية
يؤكد الكريم أن الحل الأكثر فاعلية يتمثل في تمديد عملية الاستبدال حتى نهاية العام على الأقل، مع استمرار استقبال المواطنين في جميع الفروع المصرفية ومكاتب البريد، بالتوازي مع تطبيق إجراءات مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب، والتحقق من مصادر الأموال عند الضرورة، وتوثيق كل عملية استبدال وربط الأوراق النقدية القديمة بالجديدة بما يتيح تتبعها وفق المعايير الرقابية الدولية، بما ينسجم مع التوصيات المعتمدة لدى مجموعة العمل المالي (FATF) في ما يتعلق بالشفافية المالية والرقابة على التدفقات النقدية.
في المقابل، يرى مؤيدو قرار المصرف أن منح مهلة إضافية يمثل خطوة عملية لتدارك الحالات التي لم تتمكن من استبدال أوراقها خلال المهلة السابقة، ويساعد على استكمال سحب ما تبقى من العملة القديمة بصورة منظمة، خصوصاً بعد إعلان المصرف أن أكثر من 95 بالمئة من الكتلة النقدية أصبحت ضمن الإصدار الجديد، وهو ما يعد مؤشراً على اقتراب اكتمال عملية الإحلال النقدي.

تجاوز نسبة الاستبدال 95 بالمئة من الكتلة النقدية المتداولة- إنترنت
وبين هذين الرأيين، يبقى الجدل قائماً حول ما إذا كانت التمديدات المتكررة تمثل مرونة إدارية فرضتها ظروف التنفيذ، أم أنها تعكس حاجة إلى مراجعة آلية إدارة واحدة من أهم العمليات النقدية التي شهدتها سوريا خلال السنوات الأخيرة.
وفي جميع الأحوال، فإن نجاح عملية استبدال العملة لن يقاس بنسبة الأوراق التي جرى سحبها من التداول فحسب، بل أيضاً بقدرة المصرف المركزي على إنجازها ضمن إطار واضح وشفاف يعزز الثقة بالعملة الوطنية ويضمن حماية حقوق المواطنين، ويجنب الأسواق أي ارتباك قد ينعكس على النشاط الاقتصادي في المرحلة المقبلة.

