الرئيسية » السياحة في سوريا تنمو بالأرقام.. ماذا عن الإيرادات وجودة الخدمات؟

السياحة في سوريا تنمو بالأرقام.. ماذا عن الإيرادات وجودة الخدمات؟

بواسطة Younes

محمد كساح

رغم أن الأرقام الرسمية تشير إلى نمو قطاع السياحة في سوريا، فإن التطور الجذري في هذا القطاع لا يتوقف فقط على الزيادة المطردة في عدد الزوار، بل يعتبر حجم الإيرادات الناتجة عن هذا القطاع مؤشرًا مهمًا، يفيد في قياس التعافي.

ويرى الخبراء أن السياحة لا تنهض بالإعلانات وحدها، بل إن معيار النجاح الحقيقي يتمثل في جودة التجربة السياحية نفسها: مثل الطريق، والنظافة، والخدمة، والأسعار، وسهولة الوصول، وقدرة الزائر على الحصول على تجربة مقبولة ومستمرة.

أرقام إيجابية

الأرقام الرسمية حول قطاع السياحة جاءت إيجابية ومبشرة؛ فقد سجل القطاع في سوريا نموًا لافتًا خلال النصف الأول من عام 2026، إذ ارتفع إجمالي عدد الزوار من السوريين المغتربين والعرب والأجانب إلى 3.52 مليون زائر، مقارنة بـ1.67 مليون زائر خلال الفترة نفسها من العام الماضي، محققًا نموًا بنسبة 111%، فيما قفز عدد السياح الأجانب بنسبة 448%، والعرب بنسبة 107%.

وأوضحت مديرية التخطيط والإحصاء في وزارة السياحة في تصريح لوكالة “سانا” أنها سجلت معدلات نمو استثنائية خلال النصف الأول من عام 2026، عكست ارتفاع الثقة بسوريا كوجهة سياحية، وتزايد الطلب الإقليمي والدولي على زيارتها، مبينةً أن السياحة الدولية حققت أعلى معدلات الارتفاع، إذ بلغ عدد السياح الأجانب 719 ألفًا، مقابل 131 ألفًا خلال الفترة نفسها من عام 2025، بزيادة بلغت 448%.

السائح بالمعنى الاقتصادي هو من يساهم في دورة الإنفاق السياحي عبر الإقامة في الفنادق والمنتجعات، وزيارة المواقع السياحية والأثرية.

وبيّنت أن تركيا تصدرت قائمة الأسواق المصدّرة للزوار تلتها كل من ألمانيا، والسويد، والولايات المتحدة، وهولندا، وكندا، والمملكة المتحدة، بما يعكس اتساع قاعدة الأسواق الدولية، وتحول الطلب على سوريا تدريجيًا من أسواق الجوار إلى أسواق أوروبية وأميركية ذات قيمة سياحية أعلى، بما يعزز الأثر الاقتصادي للنمو المسجل.

وأشارت المديرية إلى أن عدد السياح العرب ارتفع إلى 664 ألف سائح، مقارنة بـ320 ألف سائح خلال الفترة نفسها من العام الماضي، محققًا نموًا بلغ 107%، حيث تصدر الأردن قائمة الأسواق العربية المصدرة للزوار، إلى جانب لبنان والعراق، مع استمرار تنامي أعداد الزوار من دول الخليج العربي.

‏وقالت المديرية إن عدد الزوار من السوريين المغتربين ارتفع إلى 2.13 مليون زائر خلال النصف الأول من عام 2026، مقارنة بـ1.22 مليون زائر خلال الفترة نفسها من عام 2025، محققًا نموًا بلغ 75%، مشيرة إلى المكانة المحورية للسوريين المغتربين ضمن استراتيجية الوزارة لتعزيز الثقة بالوجهة السورية، باعتبارهم الشريحة الأقرب لنقل تجربة الزيارة إلى الأسواق الخارجية، والمساهمة في ترسيخ صورة سوريا كوجهة سياحية تستعيد جاذبيتها.

في السياق، تستعد دمشق لاستضافة النسخة الافتتاحية من “ملتقى سوريا للسفر 2026″، خلال الفترة الممتدة من 28 إلى 30 أيلول/سبتمبر المقبل، بهدف بحث فرص الاستثمار ودعم تنشيط القطاع السياحي السوري، ومن المتوقع أن يشارك في الملتقى أكثر من 30 عارضًا، وأكثر من 20 متحدثًا، مع استقبال ما يزيد على خمسة آلاف زائر على مدى ثلاثة أيام.

تحسن جزئي وغير مستدام

تعليقًا على هذه الأرقام الرسمية، لفت الباحث ومدير منصة “اقتصادي”، يونس الكريم، إلى أنها، رغم كونها مؤشرًا على بدء تعافٍ تدريجي في قطاع السياحة السوري، تحتاج إلى قراءة أكثر تفصيلًا ودقة، إذ إن الإحصائية المعلنة خلطت بين السوريين العائدين من دول اللجوء، وهم بعشرات الآلاف، وبين السياح والزوار العرب والأجانب.

وأشار الباحث الكريم خلال حديثه إلى أن جمع مختلف الفئات ضمن رقم واحد قد يعطي انطباعًا أكبر من حجم النشاط السياحي الفعلي، ما يستدعي الفصل بين حركة العودة المرتبطة بالهجرة واللجوء، وبين التدفقات السياحية الحقيقية التي تقاس بحجم الإنفاق السياحي، ومتوسط مدة الإقامة، وعدد الليالي الفندقية، ومدى مساهمة القطاع في الاقتصاد الوطني.

ويضيف الكريم أن هذا الخلط، الذي قد يشمل أيضًا السوريين حاملي جوازات السفر الأجنبية، يجعل من الصعب الوصول إلى تقدير دقيق لمعدل النمو الحقيقي في القطاع، خصوصًا مع عودة أعداد من اللاجئين بهدف الاستقرار الدائم، أو تفقد أملاكهم وعقاراتهم، أو زيارة سوريا لفترات مؤقتة، وهي زيارات لا يمكن تصنيفها بالضرورة ضمن السياحة بالمعنى الاقتصادي.

ويوضح أن السائح بالمعنى الاقتصادي هو من يساهم في دورة الإنفاق السياحي عبر الإقامة في الفنادق والمنتجعات، وزيارة المواقع السياحية والأثرية، والإنفاق في المطاعم والأسواق والخدمات المرتبطة بالقطاع، وهو ما يختلف عن مجرد الدخول إلى البلاد أو زيارتها لفترة قصيرة.

كما يشير إلى أن الرقم الرسمي المعلن قد يشمل أيضًا الزوار والمدعوين المشاركين في المهرجانات والفعاليات الاستثمارية، إضافة إلى الوفود والفرق التي قدمت للاطلاع على فرص الاستثمار في سوريا، وليس بهدف السياحة التقليدية.

ويرى الكريم أن أعداد الزوار، حتى في حال صحتها، لا تمثل المؤشر الوحيد على تعافي القطاع، إذ يبقى حجم الإيرادات السياحية عاملًا أساسيًا في قياس التعافي الحقيقي، سواء من خلال الإنفاق على الإقامة والطعام، أو زيارة المعالم السياحية والأثرية، أو تنشيط القطاعات التجارية والخدمية المرتبطة بالسياحة.

وفي المقابل، يؤكد الكريم أن واقع السياحة السورية بعد سقوط النظام ورفع العقوبات أصبح أفضل نسبيًا مقارنة بالسنوات السابقة، إلا أن هذا التحسن يبقى جزئيًا وغير مستدام في ظل استمرار تحديات كبيرة، أبرزها ضعف البنية التحتية، ورداءة الطرق والمواصلات، والمخاوف الأمنية، إضافة إلى صعوبات إعادة الاندماج الكامل في النظام المالي العالمي عبر السويفت، وارتفاع تكاليف الإقامة والخدمات السياحية، وهي عوامل تحد من قدرة القطاع على تحقيق قفزة نوعية وجذب أعداد أكبر من السياح.

جمود النشاط السياحي في الساحل

رغم كل هذه المؤشرات والمعطيات، لا يزال القطاع السياحي في المناطق الساحلية، على سبيل المثال، يعاني من الجمود رغم وجود المقومات المغرية لحركة الزوار ووسائل الاستمتاع والاطلاع والراحة.

ويرى الباحث في شركة “كرم شعار للاستشارات” ملهم جزماتي أنه لا يمكن القول إن مشكلة السياحة في اللاذقية وطرطوس هي غياب المقومات، بل على العكس، الساحل السوري يملك عناصر متكاملة نسبيًا: بحر، ريف جبلي، مناخ متنوع، مواقع تاريخية، وقرب جغرافي من أسواق داخلية وخارجية مهمة، لكن المشكلة أن هذه المقومات بقيت في معظمها عند مستوى الإمكانات الخام، ولم تتحول بعد إلى منتج سياحي متكامل قادر على جذب الزائر وإقناعه بتكرار التجربة.

من هنا، يرى جزماتي في حديثه  أن الانتقادات حول جمود القطاع السياحي في اللاذقية وطرطوس دقيقة إلى حد كبير، لكن ليس بمعنى غياب الحركة كليًا، بل بمعنى أن مستوى هذه الحركة ما يزال أقل بكثير من حجم الإمكانات المتاحة.

وأضاف أن الجمود هنا لا يرتبط بعامل واحد، بل بتراكم ضعف البنية التحتية والخدمات الأساسية، وارتفاع موسمية النشاط، وتفاوت الأسعار قياسًا بجودة الخدمة، إضافة إلى بقاء السياحة الساحلية محصورة أحيانًا بمنطق الاصطياف التقليدي، لا بمنطق الاقتصاد السياحي المتكامل.

الخطة الحكومية لتنشيط هذا القطاع يجب أن تتسم بالواقعية وتنطلق مما هو ممكن حاليًا، لا من نماذج سياحية كبرى لا تشبه ظروف سوريا

ولفت الباحث جزماتي إلى أن التعاطي الحكومي مع قطاع السياحة يشوبه ضعف في تحويل الخطاب السياحي الحكومي إلى إدارة تنفيذية يومية، مؤكدًا أن النقاش السياحي يجب ألا يبقى محصورًا بجذب الاستثمارات الكبيرة فقط، مشيرًا إلى أن الفنادق والمنتجعات مهمة، وقد تكون ضرورية لرفع سوية القطاع، لكن الخطاب الحكومي ما زال يميل غالبًا إلى التركيز على المشاريع الضخمة، في مقابل حضور أضعف لفكرة دعم المشاريع الصغيرة والمتوسطة.

ويرى أنه في بلد مثل سوريا، هذه المشاريع ليست تفصيلًا جانبيًا، بل هي حجر الزاوية في أي نهضة محلية حقيقية، لأنها قادرة على خلق فرص عمل بسرعة، واستيعاب عدد واسع من العاملين، وتوزيع العائد السياحي داخل المجتمع المحلي.

وأوضح جزماتي أن بيوت الضيافة، والمطاعم العائلية، والنقل السياحي، والأدلاء المحليون، والمشاريع الترفيهية الصغيرة، والمسارات الجبلية والريفية، وأسواق الحرف والمنتجات المحلية، كلها يمكن أن تجعل السياحة قطاعًا يوميًا منتجًا، لا مجرد استثمار كبير ينتظر سنوات قبل أن تظهر آثاره، مؤكدًا أن هذا مهم تحديدًا في المرحلة الحالية، لأن الاقتصاد المحلي بحاجة إلى قطاعات قادرة على توليد دخل وفرص عمل بأسرع وقت ممكن وبكلفة أقل.

وبناء على ما سبق، أكد جزماتي أن الخطة الحكومية لتنشيط هذا القطاع يجب أن تتسم بالواقعية وتنطلق مما هو ممكن حاليًا، لا من نماذج سياحية كبرى لا تشبه ظروف سوريا، وبالتالي فإن الأولوية اليوم ليست بناء قطاع ينافس تركيا أو دول الجوار فورًا، بل تحسين الحد الأدنى من التجربة السياحية: نظافة أفضل في المواقع والشواطئ، أسعار أوضح، خدمات أساسية أكثر انتظامًا، وتأهيل تدريجي للمرافق الموجودة بدل انتظار مشاريع ضخمة قد تحتاج سنوات.

وفي ختام حديثه، يرى جزماتي أن هناك إمكانية لربط بعض النقاط السياحية القريبة ببعضها ضمن برامج بسيطة، لا مسارات معقدة، بحيث يستطيع الزائر أن يجمع بين البحر والريف أو الموقع الأثري ضمن رحلة قصيرة ومنظمة. وأضاف أنه بموازاة ذلك، تحتاج بيئة الاستثمار إلى تبسيط الإجراءات وتوضيح الصلاحيات بين الجهات الحكومية، لأن المستثمر في هذه المرحلة لا يبحث فقط عن فرصة واعدة، بل عن قدرة فعلية على التنفيذ وسط بنية تحتية ما زالت ضعيفة وسوق لم يتعافَ بالكامل.

المصدر : الترا سوريا

مقالات ذات صلة