الرئيسية » إصلاح ضريبي أم إعادة توزيع للأعباء؟

إصلاح ضريبي أم إعادة توزيع للأعباء؟

مشروع الإعفاءات الضريبية في سوريا

بواسطة Younes

أعلن وزير المالية محمد يسر برنية عن توجه حكومي لإعفاء الأفراد الذين لا يتجاوز دخلهم السنوي 64 مليون ليرة سورية (بالقيمة الاسمية الحالية) من ضريبة الدخل، وذلك ضمن مشروع قانون يهدف إلى إعادة هيكلة النظام الضريبي. ويتضمن المقترح تحديد حد أدنى معفى يبدأ من 50 مليون ليرة، يضاف إليه 6 ملايين ليرة كبدل إعالة، و8 ملايين ليرة كمخصصات معيشية تشمل السكن والرعاية الصحية، بما يعني—نظرياً—شمول شريحة واسعة من العاملين في الدولة ضمن الإعفاء.

من الناحية القانونية والاقتصادية

يُقدَّم هذا التوجه كجزء من إصلاح ضريبي أشمل، يتضمن إلغاء “رسم الإنفاق الاستهلاكي” واستبداله بـ”ضريبة المبيعات”، بذريعة تبسيط الإجراءات وتحسين الامتثال الضريبي. كما يتضمن المشروع إعفاء نحو 9300 سلعة وخدمة أساسية—لا سيما الغذاء والدواء—من الضرائب، إلى جانب حزمة إجراءات تشمل دعم المنشآت المتضررة، وتشديد الرقابة على التهرب الضريبي، واستحداث ما يُعرف بـ”القائمة الذهبية” للمكلفين الملتزمين.

لكن الإجراءات تثير جملة من الإشكاليات:

أولاً، إن الفارق بين “ضريبة المبيعات” و”رسم الإنفاق الاستهلاكي” يظل تقنياً في آلية التحصيل أكثر منه جوهرياً في الأثر، إذ إن كليهما من الضرائب غير المباشرة التي لا تميز بين الشرائح الاجتماعية، ما يجعل عبئها النسبي أعلى على ذوي الدخل المحدود مقارنة بذوي الدخل المرتفع، مع اختلاف في آلية الجباية لا في جوهر التكلفة.

ثانياً، إن إعفاء عدد كبير من السلع لا يعني بالضرورة انخفاضاً ملموساً في الأسعار، في ظل العامل الحاسم المتمثل في تقلبات سعر الصرف وغياب بيئة إنتاجية مستقرة. وبالتالي، فإن أي تخفيف ضريبي قد يُمتص ضمن هوامش الربح أو تقلبات السوق دون أن ينعكس فعلياً على المستهلك النهائي.

ثالثاً،على المستوى الاجتماعي، فإن تحديد سقف الإعفاء عند 64 مليون ليرة سنوياً (أي ما يعادل نحو 5.3 مليون ليرة شهرياً) لا يعكس الواقع المعيشي الفعلي. إذ تشير التقديرات إلى أن الحد الأدنى لاحتياجات أسرة مكونة من خمسة أفراد يتراوح بين 6 إلى 10 ملايين ليرة شهرياً، وذلك عند احتساب سعر الصرف بنحو 12,000 ليرة للدولار، ما يعني أن شريحة واسعة من ذوي الدخل المحدود ستبقى خاضعة للضريبة رغم ضعف قدرتها الشرائية.

وتزداد هذه الإشكالية تعقيداً في ظل التسريبات الرسمية التي تتحدث عن نسبة ضريبة تقارب 15%، وهي نسبة مرشحة عملياً للارتفاع مع استمرار تراجع سعر صرف الليرة، إذ يؤدي انخفاض العملة إلى توسيع الفجوة بين الدخل الاسمي والدخل الحقيقي، ما يرفع العبء الضريبي الفعلي على الشرائح ذات الدخل الثابت أو المحدود.

رابعاً، يتزامن هذا التوجه مع انسحاب تدريجي للدولة من دعم السلع والخدمات الأساسية، ومع تسارع في خصخصة قطاعات حيوية كالتعليم والصحة. وهو ما يؤدي إلى نقل العبء المالي من الدولة إلى الأفراد، ورفع الكلفة الاجتماعية للإصلاحات الاقتصادية، خاصة في غياب شبكات أمان اجتماعي فعالة، ما يطرح تساؤلات حول الأثر الفعلي لأي تخفيض ضريبي.

خامساً، من زاوية الاستثمار، فإن منح إعفاءات انتقائية لقطاعات أو شركات—لا سيما في ظل غموض معايير الاستفادة—قد يخلق بيئة غير متكافئة، ويعزز الانطباع بوجود تمييز بين المستثمرين المحليين والأجانب. كما أن تراجع القدرة الشرائية وارتفاع المخاطر الاقتصادية والاجتماعية يضعفان جاذبية السوق السورية، حيث ينظر المستثمرون إلى الاستقرار العام وحجم الطلب المحلي أكثر من الحوافز الضريبية وحدها.

سادساً، يطرح هذا المسار تساؤلات حول استدامة المالية العامة، في ظل تراجع الموارد السيادية بالعملة الأجنبية، والاعتماد المتزايد على أدوات ضريبية تطال القاعدة الأوسع من السكان. وهو ما قد يفتح الباب أمام فرض ضرائب إضافية مستقبلاً لسد فجوات الموازنة، بما يفاقم الضغوط المعيشية ويؤثر سلباً على النشاط الاقتصادي.

بناءً على ذلك، يمكن القول إن الإصلاح الضريبي المقترح، رغم أهميته الشكلية، يواجه تحديات جدية في التطبيق، ما لم يُقترن بسياسات اقتصادية كلية تعالج جذور الأزمة، وعلى رأسها استقرار سعر الصرف، وتحفيز الإنتاج، وتعزيز العدالة الضريبية، وتوفير حماية اجتماعية حقيقية للفئات الأكثر هشاشة.

وفي السياق الأوسع، فإن الإشكال لا يقتصر على التصميم الضريبي بحد ذاته، بل يمتد إلى الإطار الكلي للسياسات المالية ، ففي ظل غياب إطار تشريعي مستقر ومنتظم، تُدار الموازنات بمرجعيات استثنائية أو شبه دستورية، ما يُضعف أحد أهم ركائز السياسة المالية، وهو اليقين القانوني، ويحد بالتالي من قدرة المالية العامة على لعب دور توجيهي واضح للاقتصاد.

كما يثير التوسع المتوقع في الموازنة—الذي قد يصل إلى نحو ثلاثة أضعاف في عام 2026—أسئلة حول مصادر التمويل، في وقت تتآكل فيه القاعدة الضريبية بفعل توسع الإعفاءات وضعف الامتثال الضريبي. وهو ما يضع وزارة المالية أمام معضلة حقيقية تتعلق باستدامة الموارد.

في هذا السياق، يتحول الإنفاق العام تدريجياً من كونه إنفاقاً استثمارياً محفزاً للنمو إلى إنفاق ذي طابع استهلاكي، ما يفاقم فجوة العجز المالي، خصوصاً مع محدودية الموارد بالعملة الأجنبية.

ومع تقلص خيارات التمويل، تتجه السياسات المالية عملياً إلى أدوات غير مباشرة لسد العجز، مثل رفع الرسوم وتوسيع الوعاء الضريبي بشكل غير متوازن، ما يخلق حالة من عدم اليقين الضريبي، ويؤسس لما يمكن وصفه بـ”فوضى ضريبية” تتجلى في تعدد الأعباء وتضارب القرارات وغياب الاستقرار التشريعي.

وتتعمق هذه الإشكالية مع التحول غير المكتمل نحو اقتصاد السوق، حيث يؤدي ضعف البنية المؤسسية إلى توسع الاقتصاد غير المنظم، بما ينعكس سلباً على القاعدة الضريبية بدلاً من توسيعها، لتدخل المالية العامة في حلقة مفرغة: تراجع في الإيرادات يقابله تشدد ضريبي، وهذا التشدد يؤدي بدوره إلى مزيد من التهرب والانكماش الاقتصادي.

ومن جهة أخرى، فإن الحوافز الضريبية وحدها تبقى محدودة الفاعلية في السياق السوري، إذ يظل المستثمر—خصوصاً الأجنبي—يركز على حجم السوق والقوة الشرائية ومستوى الاستقرار العام، أكثر من تركيزه على العبء الضريبي. وبالتالي، فإن أي إصلاح ضريبي، ما لم يُدعَم بإصلاح اقتصادي شامل، سيبقى تأثيره محدوداً في تحسين بيئة الاستثمار أو تحقيق العدالة الضريبية.

مقالات ذات صلة