يمثّل إجراء أول عملية دفع إلكتروني في سوريا خطوة إيجابية نحو تخفيف عزلة المنظومة المالية السورية وتسهيل التحويلات المالية، لكنها لا تزال محدودة بسبب مجموعة من العوامل المتراكمة، أبرزها ضرورة الربط الكامل بنظام “سويفت” وجهوزية البنى التحتية المالية.
وكانت وزارة الاتصالات وتقانة المعلومات قد أطلقت مؤخرًا أول تجربة للدفع الإلكتروني عبر شبكتي “فيزا” و”ماستركارد” العالميتين، إلى جانب إطلاق أول شبكة مدفوعات إلكترونية محلية مرتبطة بالشبكات العالمية للدفع بالبطاقات، إيذانًا بدخول سوريا إلى منظومة المدفوعات الرقمية العالمية، وذلك خلال فعالية في فندق “الفورسيزون” بدمشق.
ونقلت وكالة “سانا” عن وزير الاتصالات عبد السلام هيكل أن الإطلاق التجريبي يمهد لمرحلة يصبح فيها بإمكان المواطن السوري استخدام بطاقاته بسهولة في المتاجر داخل دمشق والمحافظات الأخرى، كما سيتمكن الزائر القادم من الخارج من استخدام بطاقاته الدولية بشكل طبيعي داخل سوريا، إضافة إلى إتاحة بنية دفع حديثة للتجار السوريين تفتح أمامهم آفاق التجارة والخدمات بصورة أوسع.
ترتيبات أولية
سبق أول عملية دفع إلكتروني إصدار المصرف المركزي القرار رقم /259 ل.أ/، الذي سمح للمؤسسات المالية المصرفية وشركات الدفع الإلكتروني المرخصة والعاملة داخل البلاد بالتعامل مع شركات الدفع الإلكتروني العالمية. وبالموازاة مع قرار المركزي، أعلنت مجموعة “QNB” القطرية عن إطلاق خدمات قبول بطاقات الدفع والحلول الرقمية في سوريا، وذلك عقب القرار الأخير لمصرف سوريا المركزي المتعلق بتحديث القطاع المالي في البلاد.
وبحسب وكالة الأنباء القطرية “قنا”، أوضحت المجموعة في بيان أن هذه الخطوة تُسهم في تعزيز البنية التحتية للمدفوعات الرقمية داخل سوريا، وتؤكد التزامها بدعم النمو الاقتصادي وتوسيع الشمول المالي وتوفير بيئة دفع آمنة.
وفي هذا الإطار، قال نائب رئيس تنفيذي أول للخدمات المصرفية للأفراد في المجموعة، عادل علي المالكي، إنّ “QNB” تفخر بكونها أول بنك عالمي يتيح قبول المدفوعات الرقمية وبطاقات الدفع الدولية في السوق السورية، في ظل التحولات التي يشهدها القطاع المالي هناك نحو تقليل الاعتماد على النقد، مشيرًا إلى السعي لتقديم تجربة دفع سلسة وآمنة وسريعة.
ولفت البيان إلى أن إطلاق هذه الخدمة جاء نتيجة تنسيق مع جهات عدة وضمن الالتزام بالأنظمة المحلية والمعايير الدولية، على أن يتم تطبيقها تدريجيًا لدعم توسّعها في مختلف القطاعات بشكل مستدام.
خطوة مرهونة بربط البنوك بنظام “سويفت”
تعليقًا على ما سبق، يشير وزير الاقتصاد السابق عبد الحكيم المصري إلى أن شركات الدفع الإلكتروني توقفت في سوريا بسبب العقوبات الغربية، ومن ثم فإن عودتها مرتبطة برفع العقوبات، مضيفًا أن عودة شركات الدفع مرهونة بربط البنوك السورية بنظام “سويفت”، وهو مسار يحتاج إلى وقت طويل وإجراءات وتفاهمات مع الجهات المعنية الخارجية ومع المؤسسات المالية.
عودة شركات الدفع مرهونة بربط البنوك السورية بنظام “سويفت”، وهو مسار يحتاج إلى وقت طويل وإجراءات وتفاهمات مع الجهات المعنية
وحول قرار المصرف المركزي الذي يسمح للمؤسسات المالية بالتعامل مع شركات الدفع العالمية، يلفت المصري إلى أنه يشكل خطوة مبدئية باتجاه تنفيذ تعاملات الدفع الإلكتروني لكنها تبقى خطوة مرهونة بالربط الفعلي بنظام “سويفت”.
وأكد الوزير السابق وجود تحديات عدة تقف أمام التفعيل الكامل لعمليات الدفع الإلكتروني، من بينها وضع بعض المصارف السورية الخاصة التي لا يزال جزء من مالكيها يخضع للعقوبات الغربية، الأمر الذي يحتاج إلى إجراءات وآليات تضع المالكين الخاضعين للعقوبات خارج هذه المؤسسات، إما بشراء حصصهم وهي مسألة صعبة بسبب العقوبات ذاتها، أو غير ذلك من الترتيبات.
وحول إيجابيات نجاح عمليات الدفع الإلكتروني، يوضح المصري أنها تسهّل تدفق الحوالات من وإلى سوريا دون عمولات مرتفعة، والحد من المخاطر والأخطاء المصاحبة لعمليات التحويل كما يحدث في السوق السوداء، إضافة إلى تحفيز شريحة كبيرة جدًا من المواطنين على استخدام المصارف، ما سينشط من حركة تدفق الأموال عبرها ويحث البنوك على فتح حسابات بتسهيلات أكبر.
ضرورة إصلاح النظام المصرفي
من جانبه، يؤكد الباحث في “مركز عمران للدراسات”، أيمن الدسوقي، أن قرار المصرف المركزي بالسماح بالتعامل مع شركات الدفع العالمية يدل على توجه ثابت لإعادة دمج سوريا في المنظومة الاقتصادية العالمية وتعزيز الاقتصاد الرقمي.
في المقابل، يشير الدسوقي إلى أن النوايا والتوجه الحكومي يبقيان محل اختبار جاد، ونتائجهما مرهونة بالتعامل مع مجموعة من التحديات، لعل في مقدمتها استمرار تصنيف سوريا على أنها دولة راعية للإرهاب، وأثر ذلك على متطلبات الامتثال المصرفي وسياسات مكافحة غسيل الأموال على سبيل المثال، إلى جانب ضعف البنية التحتية الرقمية لمتطلبات الدفع الإلكتروني، وضرورة إصلاح النظام المصرفي السوري ليلبي متطلبات الخارج ذات الصلة.
النوايا والتوجه الحكومي يبقيان محل اختبار جاد، ونتائجهما مرهونة بالتعامل مع مجموعة من التحديات
ويعتقد الدسوقي، أن تطبيق نظام الدفع الإلكتروني يعتبر ممكنًا، عبر العمل من خلال وسطاء في الخارج لإتمام معاملات الدفع الإلكتروني، أو التدرج في تطبيق معاملات على نطاق ضيق آخذين بعين الاعتبار مسألة عدم استقرار سعر الصرف.
خطوة سياسية مالية أكثر من كونها تحولًا تقنيًا
من جهته، ينظر الباحث ومدير منصة “اقتصادي” يونس الكريم إلى قرار المصرف المركزي كخطوة سياسية مالية أكثر من كونها تحولًا تقنيًا مكتملًا، ومع ذلك يعتبر أن القرار هو إطار قانوني لعودة عمل شركتي الدفع الإلكتروني “فيزا” و”ماستركارد” العالميتين إلى سوريا.
ويضيف الباحث الكريم أن القرار وحده غير كافٍ للقيام بعمليات الدفع الإلكتروني، لأن هذه العمليات ترتبط بترتيبات أخرى ينبغي أن يقوم بها المصرف المركزي، مثل الربط مع نظام “سويفت”، وهو ما يتطلب بناء علاقات موسّعة مع البنوك المرسلة، بالتوازي مع الامتثال الكامل من قبل المصارف السورية لمعايير مكافحة غسيل الأموال ومكافحة الإرهاب مع تأسيس بنية مصرفية كاملة غير متوفرة الآن.
القرار وحده غير كافٍ للقيام بعمليات الدفع الإلكتروني، لأن هذه العمليات ترتبط بترتيبات أخرى ينبغي أن يقوم بها المصرف المركزي
ويرى أنه رغم إزالة العقوبات الغربية عن سوريا، إلا أن تأثير إمكانية عودة هذه العقوبات نتيجة متطلبات أوربية سياسية يمثل عائقًا كبيرًا أمام الملف الاقتصادي السوري، مشيرًا إلى أن عمليات الدفع قد تتأثر بهذا الأمر، فضلًا عن تأثرها بعدم انتشار نقاط بيع إلكترونية فعالة في سوريا، وبانقطاع الكهرباء والإنترنت وارتفاع أسعارهما، وغياب البنية التحتية وقانونية للمنظومة المصرفية بشكل عام.
ويؤكد الكريم أن عمليات الدفع التي تم الإعلان عنها مرتبطة بمجموعة “QNB” القطرية، وبالتالي فإن هذه العمليات ستبقى محدودة، ومرتبطة مثلًا بالفنادق من تصنيف “خمس نجوم”، ويرجح أن عمليات التسوية مع الشركات الخارجية ستتم إما عن طريق المجموعة القطرية أو عبر تركيا.
وفي السياق، ينظر الكريم إلى هذه الإجراءات كخطوة إيجابية تخفف العزلة عن القطاع المالي السوري، وتحفز الشركات الخارجية على التعامل مع الشبكات المالية السورية، على اعتبار أن عودة شركات الدفع العالمية تعني دعمًا أميركيًا وأوروبيًا للإدارة السورية.
في المحصلة، تمثل عودة الدفع الإلكتروني إلى سوريا خطوة أولى باتجاه إعادة وصل القطاع المالي بالمنظومة العالمية، لكنها تبقى محدودة الأثر ما لم تُستكمل بمتطلبات الربط المصرفي الخارجي، وتطوير البنية التحتية، وتعزيز الامتثال المالي، بما يتيح انتقالًا فعليًا نحو منظومة مدفوعات أكثر اتساعًا واستقرارًا.
المصدر :الترا سوريا

