الرئيسية » هل تغيرت عقيدة الناتو؟ من عولمة منخفضة التكلفة إلى اقتصاد الحرب

هل تغيرت عقيدة الناتو؟ من عولمة منخفضة التكلفة إلى اقتصاد الحرب

بواسطة Younes

افتُتحت في العاصمة التركية أنقرة أعمال القمة السادسة والثلاثين لحلف شمال الأطلسي (الناتو)، باستضافة تركية هي الثانية منذ قمة عام 2004، وذلك من خلال منتدى للصناعات الدفاعية الذي سبق الاجتماعات السياسية. ورغم أن جدول الأعمال يتناول ملفات أمنية وعسكرية متعددة، فإن البعد الاقتصادي يبقى المحرك الحقيقي لهذه القمة، إذ أصبحت القرارات الدفاعية اليوم ذات تأثير مباشر في الاقتصاد العالمي وأسواق المال والطاقة والاستثمار.

فالقمة لا تقتصر على مناقشة قضايا الأمن التقليدي، بل تتمحور حول ثلاثة ملفات استراتيجية مترابطة تحمل انعكاسات مباشرة على الاقتصاد العالمي:

  1. الأمن القومي التركي وما يرتبط به من تحديات وتهديدات عابرة للحدود، في ظل سعي أنقرة إلى تعزيز دورها الجيوسياسي داخل الحلف وترسيخ موقعها كفاعل رئيسي في معادلات الأمن الإقليمي.
  2. استمرار دعم أوكرانيا في مواجهة روسيا، وهو ملف بات يشكل عبئًا ماليًا وعسكريًا متزايدًا على الدول الأوروبية، التي تواجه تحدي الحفاظ على مستوى الدعم المطلوب في ظل ضغوط اقتصادية داخلية وارتفاع تكاليف الدفاع.
  3. التصعيد المرتبط بإيران، وما يحمله من مخاطر على أمن الطاقة العالمي، واستقرار طرق التجارة، وسلاسل الإمداد الدولية، خصوصًا في حال توسع دائرة التوتر في مناطق استراتيجية.

لكن السؤال الأهم يبقى: كيف ستنعكس هذه الملفات الأمنية على الاقتصاد العالمي؟

إذا عدنا إلى مخرجات قمة حلف الناتو العام الماضي في لاهاي، نجد أن دول الحلف اتفقت على رفع الإنفاق الدفاعي إلى 5% من الناتج المحلي الإجمالي بحلول عام 2035، موزعة على مسارين رئيسيين:

  • 3,5% للإنفاق العسكري المباشر، بما يشمل تطوير القدرات الدفاعية، والتسليح، والجاهزية العسكرية.
  • 1,5% للاستثمارات المرتبطة بالأمن والدفاع، مثل البنية التحتية الحيوية، والأمن السيبراني، والصناعات الدفاعية، والتقنيات المتقدمة.

وبعد عام واحد فقط، أعلن الأمين العام لحلف الناتو مارك روته أن الحلفاء الأوروبيين وكندا باتوا يقتربون من إنفاق نحو 4% من الناتج المحلي الإجمالي على الدفاع والأمن، بما يعادل قرابة 258 مليار دولار من الاستثمارات الإضافية خلال عامي 2025 و2026، مع تقديم خطط للوصول إلى هدف الـ5%.

لكنني أعتقد أن التطورات الأمنية المتسارعة قد تدفع النقاش داخل الحلف إلى ما هو أبعد من هذا الهدف؛ إذ إن هناك اليوم دوائر استراتيجية بدأت تطرح ضرورة إعادة تقييم سقف الإنفاق الدفاعي، وربما الانتقال مستقبلًا إلى مستويات أعلى بكثير. وقد تصل بعض الطروحات القصوى إلى حدود 10% من الناتج المحلي الإجمالي، ليس باعتباره إنفاقًا عسكريًا مباشرًا فقط، وإنما ضمن مفهوم أوسع للأمن القومي يشمل الطاقة، والتكنولوجيا، والصناعات الدفاعية، وحماية سلاسل الإمداد، أي توسيع مفهوم الأمن من الدفاع العسكري التقليدي إلى بناء قدرة استراتيجية شاملة.

وفي حال تحولت هذه التوجهات إلى سياسات فعلية، فإن العالم قد يدخل مرحلة جديدة يصبح فيها الإنفاق الأمني أحد المحركات الرئيسية للاقتصاد العالمي، مع إعادة توجيه جزء كبير من الاستثمارات نحو الصناعات الدفاعية والتكنولوجيا الاستراتيجية، مقابل ضغوط أكبر على الموازنات العامة والقطاعات المدنية.

من اقتصاد العولمة إلى اقتصاد الجغرافيا السياسية

تشير هذه التحولات إلى أن الاقتصاد العالمي يدخل مرحلة مختلفة عن العقود السابقة. فمنذ تسعينيات القرن الماضي وحتى عام 2020، قام النموذج الاقتصادي العالمي بدرجة كبيرة على معادلة واضحة:

أسعار فائدة منخفضة← تضخم منخفض انخفاض تكاليف الإنتاج← العولمة

فقد سمحت العولمة بتوسيع سلاسل التوريد العالمية، ونقل جزء كبير من الإنتاج إلى الدول ذات التكلفة الأقل، ما أدى إلى زيادة الكفاءة وخفض أسعار السلع والخدمات، وخلق بيئة اقتصادية اتسمت بتضخم محدود وفوائد منخفضة دعمت الاستثمار والنمو.

أما اليوم، فإن العالم يتحرك نحو نموذج مختلف يقوم على معادلة جديدة:

الجغرافيا السياسية←  إعادة التصنيع ← زيادة الإنفاق العسكري← سلاسل توريد أكثر تكلفة← تضخم هيكلي أعلى.

فالصراع بين القوى الكبرى، ومخاطر الاعتماد على موردين خارجيين، دفع الدول إلى إعادة توطين جزء من صناعاتها، وبناء سلاسل إمداد أكثر أمانًا حتى لو كانت أعلى تكلفة. كما أدى ارتفاع الإنفاق الدفاعي إلى توجيه مليارات الدولارات نحو قطاعات التكنولوجيا العسكرية، والذكاء الاصطناعي، والأقمار الصناعية، والأمن السيبراني.

ماذا يعني ذلك اقتصادياً؟

لم يعد التحول الدفاعي مجرد زيادة في الموازنات العسكرية، بل أصبح عاملًا يعيد تشكيل الاقتصاد العالمي. فالاستثمارات الجديدة تتجه نحو الصناعات الدفاعية والتقنيات المتقدمة، وهو ما يعني توسع دور القطاع الخاص في المجالات العسكرية على حساب بعض القطاعات المدنية.

وتظهر هذه الظاهرة بوضوح من خلال عقود شركات كبرى مثل إيرباص، التي أصبحت توسع حضورها في قطاع الدفاع والفضاء، سواء عبر تطوير أنظمة ذكاء اصطناعي عسكرية أو تنفيذ مشاريع أقمار صناعية دفاعية، بما يعكس انتقال المنافسة التكنولوجية من الأسواق التجارية إلى المجالات الأمنية والعسكرية.

كما أن استمرار الحرب في أوكرانيا يفرض ضغوطًا متزايدة على الموازنات الأوروبية، مع استمرار تخصيص مليارات الدولارات للمساعدات العسكرية والمالية لكييف، في وقت تبدو فيه فرص التسوية السياسية محدودة. وهذا يعني استمرار ارتفاع الإنفاق الدفاعي على حساب جزء من الإنفاق التنموي والاجتماعي.

الطاقة والتضخم… الحلقة الأكثر حساسية

وتبرز هنا قضية أخرى قد تكون من أكثر القضايا حساسية في مسار تحول حلف الناتو من استراتيجية الدفاع التقليدي إلى استراتيجية اقتصاد الدفاع، وهي العلاقة بين الأمن والطاقة والتضخم. فالتصعيد الجديد في منطقة الشرق الأوسط، ولا سيما المرتبط بالتوترات حول إيران، يعيد إلى الواجهة مخاطر ارتفاع أسعار الطاقة واضطراب الأسواق العالمية.

ورغم أن وجود مخزونات استراتيجية من النفط والغاز ساهم في امتصاص جزء من الصدمات على المدى القصير، فإن استمرار التوترات الجيوسياسية، بالتوازي مع تحديات تغير المناخ واحتمالات ارتفاع الطلب خلال فترات البرد، قد يعيد الضغط على أسواق الطاقة ويؤثر في مسار الأسعار.

وهنا يصبح التضخم في المرحلة المقبلة مختلفًا عن موجات التضخم السابقة؛ فهو قد لا يكون مجرد نتيجة لزيادة السيولة أو للسياسات النقدية، بل قد يتحول إلى تضخم هيكلي مرتبط بإعادة تشكيل الاقتصاد العالمي نفسه، وبانتقال الدول إلى مرحلة يصبح فيها أمن الطاقة، وسلاسل الإمداد، والقدرة الصناعية، جزءًا أساسيًا من مفهوم الأمن القومي.

وهذا تحديدًا ما يفسر لماذا لم يعد النقاش داخل الناتو يقتصر على حجم الإنفاق العسكري، بل يتجه نحو بناء منظومة أوسع تجمع بين الدفاع والاقتصاد والطاقة والتكنولوجيا.

هل يتغير مفهوم التضخم المستهدف؟

 وأعتقد أن الاقتصاد العالمي، نتيجة هذه التحولات وما يمكن تسميته بمرحلة التضخم الجديدة، قد يبدأ في إعادة النظر في مفهوم استقرار الأسعار نفسه. وربما تكون إحدى الخطوات المحتملة مستقبلاً الانتقال من اعتبار معدل 2% هدفًا ثابتًا للتضخم إلى قبول معدل أعلى، قد يكون قريبًا من 3%، كهدف أكثر واقعية في ظل البيئة الاقتصادية الجديدة.

وهذا لا يعني وجود قرار عالمي بتغيير هدف التضخم حتى الآن، وإنما يعكس نقاشًا متزايدًا بين الاقتصاديين حول مدى ملاءمة الهدف التقليدي البالغ 2% لعالم يختلف كثيرًا عن العقود السابقة. فقد ناقش اقتصاديون بارزون، من بينهم Olivier Blanchard وJason Furman وMaurice Obstfeld، أن ارتفاع مستويات الدين العام، وزيادة الإنفاق الدفاعي، والتحول المناخي، وإعادة تشكيل التجارة العالمية، كلها عوامل قد تجعل الحفاظ على تضخم منخفض عند 2% أكثر صعوبة مما كان عليه في السابق.

لذلك أعتقد أن السؤال في المرحلة المقبلة قد لا يكون فقط: كيف نعيد العالم إلى معدلات التضخم التي عرفها قبل الأزمات؟ بل كيف ندير اقتصادًا يعمل ضمن بيئة تضخم أعلى نسبيًا؟ وفي هذا السياق، قد يصبح معدل قريب من 3% خيارًا مطروحًا في بعض السيناريوهات لتحقيق توازن بين دعم النمو الاقتصادي والحفاظ على استقرار الأسعار، خصوصًا إذا استمرت الضغوط الناتجة عن التوترات الجيوسياسية، وارتفاع الإنفاق الدفاعي، وإعادة بناء سلاسل التوريد العالمية.

التحول السياسي وانعكاساته الاقتصادية

لكن التحول الأهم لا يقتصر على الاقتصاد، بل يمتد إلى طبيعة المزاج السياسي داخل دول الحلف نفسها. فمع اقتراب استحقاقات انتخابية في عدد من الدول الأعضاء، أصبح الخطاب السياسي يميل أكثر نحو قضايا الأمن والدفاع، بينما تراجعت ملفات التنمية والإنفاق الاجتماعي إلى مرتبة أقل.

هذا التحول قد يعزز صعود التيارات الشعبوية واليمينية التي تركز على الأمن القومي، وحماية الصناعات المحلية، وزيادة الإنفاق العسكري. وفي حال توسع نفوذ هذه القوى، فقد يشهد العالم مزيدًا من السياسات الحمائية، وسباقات التسلح، وتصاعد التوترات التجارية، بما يكرس انتقال الاقتصاد العالمي من اقتصاد يبحث عن الكفاءة إلى اقتصاد يبحث عن الأمان.

وفي النهاية، فإن قمة الناتو لا تعكس فقط مستقبل التحالف العسكري، بل تكشف عن تحول أعمق في النظام الاقتصادي العالمي. فالعالم لم يعد يسعّر السلام فقط، بل أصبح يسعّر المخاطر والصراعات أيضًا.

لقد لم يعد الأمن نتيجة للاقتصاد فقط، بل أصبح الاقتصاد نفسه أداة لإنتاج الأمن، وهو تحول قد يعيد رسم خريطة الاستثمار والتجارة والسياسات النقدية خلال العقد المقبل.

مقالات ذات صلة