مع الإعلان عن وفاة السيناتور الجمهوري البارز ليندسي غراهام عن عمر ناهز 71 عاماً إثر مرض مفاجئ وقصير، يجد التعاطي الأميركي مع الملف السوري نفسه أمام مرحلة جديدة من إعادة الحسابات؛ ليس لأن الراحل كان صانع القرار الوحيد في واشنطن، بل لكونه أحد أكثر الأصوات تأثيراً وحضوراً داخل الكونغرس في صياغة استراتيجيات الأمن القومي والسياسة الخارجية للولايات المتحدة.
طوال السنوات الماضية، برز غراهام كأحد أهم أركان الحزب الجمهوري الممسكين بالملف السوري؛ فكان المحرك الأساسي لملفات العقوبات الصارمة، ومواجهة النفوذ الإيراني والروسي في الشرق الأوسط، فضلاً عن دوره المحوري كحلقة وصل وضمانة سياسية لـ “قوات سوريا الديمقراطية” (قسد) والوجود العسكري الأميركي شرق الفرات. ومن هنا، فإن غيابه المفاجئ يعني فقدان واشنطن لأحد أبرز “الصقور” الذين صاغوا معادلات الضغط على دمشق، حتى وإن كانت القرارات النهائية تطبخ في مطابخ مؤسساتية متعددة داخل الإدارة الأميركية.
سيولة سياسية وترقب للخلف
إن رحيل غراهام لا يعني بالضرورة تحولاً دراماتيكياً أو انفتاحاً فورياً على دمشق، لكنه يضفي حالة من “السيولة” على الملف السوري، ويعيد فتح النقاش حول مستقبل الرؤية الأميركية للمنطقة. وتكتسب هذه المرحلة حرجها من ارتباطها بثلاثة محددات رئيسية:
-
هوية الشخصية التي ستخلف غراهام وتملأ الفراغ الذي تركه.
-
التوجهات الراهنة للإدارة الأميركية بعد رحيلة وتنصيب خلفه.
-
توازنات الكونغرس الجديد المرتقب بعد الانتخابات التشريعية المقبلة.
وتكمن أهمية الخلف السياسي لغراهام في طبيعة المقاربة التي سيميل إليها التيار الصاعد؛ فالانتقال إلى كونغرس جديد يفتح الباب أمام احتمالين رئيسيين:
-
سيناريو الخط المتشدد (المواجهة الصفرية):
إذا ارتبط البديل القادم بالتيار الأميركي التقليدي الأكثر تشدداً تجاه إيران وروسيا، فإن أي مرونة أميركية محتملة تجاه دمشق، بما في ذلك تخفيف العقوبات أو توسيع قنوات الانفتاح، ستصبح أكثر تعقيداً وارتباطاً بشروط سياسية وأمنية صارمة، باعتبار أن الملف السوري سيُنظر إليه كجزء من صراع النفوذ الإقليمي الأوسع، وليس كملف منفصل يمكن التعامل معه ببراغماتية.
في هذا السيناريو، ستتقلص مساحة المناورة أمام الحكومة السورية، وقد يصبح الانخراط في مواجهة النفوذ الإيراني، بما في ذلك حزب الله والميليشيات المرتبطة بطهران، أحد شروط القبول الأميركي بأي مسار تطبيع أو اندماج تدريجي مع دمشق. كما قد يرتبط الانفتاح الأميركي بمطالب تتعلق باتفاقات إقليمية أوسع، مثل الانضمام إلى مسارات اتفاقات أبراهام أو ترتيبات سياسية وأمنية مشابهة، ما يضع الحكومة السورية أمام استحقاقات داخلية وإقليمية معقدة.
وسيؤدي ذلك إلى تصادم محتمل مع المقاربة البراغماتية التي يطرحها توماس براك، والقائمة على أن “التعاون يجب أن يكون نتيجة للمصالح المشتركة وليس شرطاً مسبقاً لتحقيقها”؛ إذ يرى هذا النهج أن بناء الثقة والانخراط التدريجي قد يحققان نتائج أكبر من سياسة الإملاءات المسبقة.
في المقابل، سيعيد التيار المتشدد إحياء مقاربة “الضغط الأقصى”، القائمة على استخدام العقوبات والأدوات السياسية كورقة تفاوضية، بحيث يصبح الانفتاح على دمشق مشروطاً بحزمة واسعة من التنازلات السياسية والأمنية، وليس مساراً تدريجياً قائماً على اختبار المصالح المشتركة.
-
سيناريو التيار البراغماتي (الواقعية السياسية):
في المقابل، إذا صعد إلى موقع التأثير تيار أميركي أكثر واقعية وبراغماتية، يركز على تقليص كلفة الانخراط العسكري والسياسي المباشر، فقد تجد مقاربة توماس براك مساحة أوسع للحركة داخل دوائر صنع القرار.
ينطلق هذا التيار من فرضية أن إعادة تشكيل النفوذ الأميركي لا تحتاج بالضرورة إلى سياسة المواجهة المستمرة، بل يمكن تحقيقها عبر أدوات اقتصادية وتنموية طويلة الأمد، مثل دعم مشاريع التعافي المبكر، وتشجيع الاستثمارات، والمساهمة في إعادة تأهيل البنية التحتية، بما يحول الاستقرار الاقتصادي إلى أداة نفوذ سياسي.
وفق هذا المنظور، قد تُعامل سوريا ليس فقط كساحة تنافس مع الخصوم الإقليميين، وإنما كفرصة لإعادة بناء حضور أميركي أقل كلفة وأكثر استدامة، عبر ربط الانفتاح التدريجي بالإصلاحات والضمانات الأمنية، بدلاً من اشتراط تغييرات شاملة قبل بدء أي تعاون.
لكن نجاح هذا المسار سيبقى مرتبطاً بقدرة هذا التيار على إقناع المؤسسات الأميركية، ولا سيما الكونغرس والأجهزة الأمنية، بأن الاستثمار في الاستقرار السوري يمكن أن يخدم المصالح الأميركية أكثر من استمرار سياسة العزل والضغط. كما سيواجه تحدي الموازنة بين الرغبة في تقليل الأعباء الخارجية وبين مخاوف واشنطن التقليدية من تمدد النفوذ الإيراني والروسي أو ظهور فراغ أمني تستفيد منه قوى منافسة.
اختبارات الميدان والملفات الحساسة
ستكون المؤشرات الأولى لطبيعة المرحلة المقبلة مرتبطة بكيفية تعامل الإدارة الأميركية المقبلة مع الملفات الأكثر حساسية في المشهد السوري، ولا سيما تلك التي تجمع بين الاعتبارات الأمنية والسياسية وإعادة تشكيل النفوذ الدولي في البلاد.
في مقدمة هذه الملفات يأتي:
- مستقبل العلاقة مع قوات سوريا الديمقراطية (قسد): وشكل الوجود العسكري الأميركي في شمال شرق سوريا، في ظل استمرار المخاوف من عودة نشاط تنظيم “داعش” وقدرته على استغلال أي فراغ أمني محتمل. كما أن الموقف الأوروبي سيكون عاملاً مكملاً للمقاربة الأميركية، إذ أظهرت العواصم الأوروبية خلال المرحلة الأخيرة ميلاً إلى التحرك ضمن الإطار العام الذي تحدده واشنطن، باعتبار أن الملف السوري جزء من منظومة أمنية وسياسية مشتركة بين ضفتي الأطلسي، وهو ما انعكس في مستوى الانفتاح الأوروبي المتزايد على دمشق، ومن ضمنه زيارة الرئيس الفرنسي الأخيرة إلى سوريا والاحجام عن تواصل مع قسد .
- أما الاختبار الثاني فيتعلق بشكل التنسيق الأميركي مع التحركات الدبلوماسية الأوروبية والإقليمية المتسارعة تجاه دمشق، ومدى استعداد واشنطن للسماح بهوامش أوسع للتعامل مع الحكومة السورية والقوى المحلية، أو الإبقاء على سياسة إدارة النفوذ عبر أدوات الضغط والعقوبات.
وسيكون ملف شمال شرق سوريا تحديداً نقطة قياس أساسية، إذ ستكشف طريقة تعامل واشنطن مع القوى المحلية هناك ما إذا كانت المرحلة المقبلة ستتجه نحو إعادة ترتيب العلاقة ضمن تفاهمات سياسية وأمنية أوسع، أم نحو استمرار نموذج إدارة التوازنات القائم على الاحتواء ومنع أي تغيير جوهري في خريطة النفوذ.
وسيكون ملف شمال شرق سوريا تحديداً نقطة قياس أساسية
لا يعني غياب ليندسي غراهام عن واجهة الملف السوري أن واشنطن ستتجه بالضرورة نحو الانفتاح على دمشق أو تعود تلقائياً إلى سياسة التشدد والضغط؛ بل يعني دخول الملف مرحلة انتقالية ستحدد ملامحها موازين القوى الجديدة داخل مؤسسات صنع القرار الأميركي.
فالاختبار الحقيقي لن يكون في غياب شخصية بعينها، وإنما في طبيعة الاتجاه الذي سيحظى بالنفوذ داخل الإدارة والكونغرس:
هل سيستمر الإرث التقليدي القائم على العقوبات والضغط وربط أي انفتاح بتنازلات سياسية وأمنية واسعة، أم ستتم إعادة تعريف الدور الأميركي في سوريا ضمن مقاربة إقليمية أوسع تقوم على المصالح المشتركة، والاستقرار، واستخدام الأدوات الاقتصادية والدبلوماسية كوسائل لإعادة بناء النفوذ؟
وبين هذين المسارين ستبقى سوريا ساحة اختبار للمواجهة بين مدرستين داخل السياسة الأميركية: مدرسة ترى أن الضغط الأقصى هو الأداة الأساسية لانتزاع التنازلات، ومدرسة براغماتية تعتبر أن دمج دمشق تدريجياً في ترتيبات إقليمية جديدة قد يكون أكثر قدرة على تحقيق المصالح الأميركية وتقليص نفوذ الخصوم.
وعليه، فإن المرحلة المقبلة لن تُحسم فقط بمن يغادر المشهد أو من يدخل إليه، بل بكيفية إعادة تعريف واشنطن لأهدافها في سوريا: هل تريد إدارة صراع طويل الأمد، أم تحويل الملف السوري من ساحة مواجهة إلى ورقة تفاوض ضمن صفقة إقليمية أكبر؟

