الرئيسية » تسوية الـ 80% مع حيتان الأسد.. صفقة لاسترداد الأموال أم إفلات من العقاب؟

تسوية الـ 80% مع حيتان الأسد.. صفقة لاسترداد الأموال أم إفلات من العقاب؟

بواسطة Younes

هند خليفة

في تطور لافت يعكس ملامح مرحلة جديدة من الملاحقات المالية التي تستهدف رجال الأعمال المرتبطين بالنظام السوري البائد، كشفت مصادر مطلعة أن “هيئة مكافحة الكسب غير المشروع” أبرمت مؤخرًا تسويات مالية واسعة النطاق مع اثنين من أبرز الحيتان الاقتصادية التي شكلت لعقود العمود الفقري للبنية المالية للنظام المخلوع، وهما رجل الأعمال طريف الأخرس، صهر الرئيس السابق، وسامر الفوز، أحد أبرز رجال الأعمال المقربين من دوائر القرار في العهد الماضي.

وتفيد المعلومات بأن التسوية المبرمة مع طريف الأخرس، وهو شقيق أسماء الأخرس زوجة بشار الأسد، تقضي بمصادرة 80 بالمئة من مجمل ممتلكاته المنقولة وغير المنقولة، وفق ما نقلها موقع “زمان الوصل” عن مصادر مطلعة.

مصادرة من السيولة إلى الاستثمارات

تشمل عملية المصادرة نطاقًا واسعًا من الأصول المتراكمة، بدءًا من السيولة النقدية في الحسابات المصرفية، وصولًا إلى المحافظ العقارية والاستثمارات الصناعية والتجارية التي تمكن من بناءها بفضل علاقاته المباشرة بالهياكل الحاكمة السابقة على مدى أكثر من عقدين.

 

وتأتي هذه الخطوة بعد أيام قليلة من تسوية مماثلة أبرمتها الهيئة مع رجل الأعمال سامر الفوز، الذي خضع بدوره لاتفاق قضى بمصادرة النسبة ذاتها 80 بالمئة من أصوله السائلة والعينية، لتصب جميعها في خزينة الدولة السورية، وفق ما ذكر “زمان الوصل”.

ويمثل هذان الإجراءان بداية حملة أوسع يجري الحديث عنها في الأوساط المطلعة، تستهدف تفكيك الإمبراطوريات الاقتصادية التي نشأت وتوسعت في ظل النظام السابق، واسترداد الأموال والمستحقات المالية التي يعتقد أنها خرجت من دائرة المال العام عبر عقود من المحسوبية والنفوذ.

طابع التسويات

وفق المصادر ذاتها تحمل هذه التسويات طابعًا ماليًا بحتًا، حيث تهدف بشكل أساسي إلى توفير سيولة نقدية وأصول ضخمة يمكن أن تدعم خزينة الدولة في مرحلة التعافي الاقتصادي، موضحين أن هذه الاتفاقات لا تشكل عائقًا أمام أي ملاحقات جنائية مستقبلية قد تطال الشخصيتين، كما أنها لا تسقط الحقوق الشخصية للمواطنين أو الجهات التي تضررت من ممارساتهما خلال السنوات الماضية.

أثر التسوية يقتصر على “الحق العام” والمستحقات المادية المستحقة للدولة فقط، فيما يبقى باب التقاضي مفتوحًا أمام المتضررين لرفع دعاوى قضائية شخصية.

مصادر مطلعة لـ”زمان الوصل”

وأثارت هذه التطورات موجة واسعة من الجدل على منصات التواصل الاجتماعي، رصدها “الحل نت” حيث انقسمت الآراء بين من يعتبرها خطوة ضرورية نحو استعادة الأموال المنهوبة، وبين من يرى فيها مساومة على الدماء وتقنينًا للإفلات من العقاب.

انتقادات تطال التسويات

من جهته اعتبر الباحث الاقتصادي يونس الكريم في تحليل منشور على فيسبوك أن الرواية المتداولة عن تنازل هؤلاء الرجال عن 80 بالمئة من ثرواتهم “مصاغة بعناية كأنها خرجت من ضباب الغابة السوداء”، بحسب وصفه.

وأوضح أن الحقيقة وفق رؤيته تكمن في أن هؤلاء الأشخاص، ومعظمهم يحمل جنسيات وإقامات أجنبية، يدركون هشاشة الوضع أكثر من غيرهم، وأن النسب المتعارف عليها في مثل هذه الصفقات لا تتجاوز 40 بالمئة مقابل احتفاظهم بـ60 بالمئة من ثرواتهم، واصفًا ما يروج له بأنه “ستار دخان لتمرير التسوية”، مستشهدًا بحجم الثروات التي يديرها هؤلاء.

 

أما الصحفي والباحث أحمد أبو الوليد اعتبر في تعليق له على منصة “إكس” أن هذه التسويات باتت أمرًا واقعًا لا يمكن تجاهله، مضيفًا: “ليس الحل أن نطالب بإيقافه أو تغييره لأن السلطة قررت ذلك منذ اليوم الأول وعملت عليه بكل قوة”.

لكنه شدد في الوقت نفسه على ضرورة أن توضح السلطة آلية توزيع الأموال المصادرة وكيفية الاستفادة منها، إلى جانب وضع مسار قانوني يسهل تقديم الشكاوى الشخصية ضد هؤلاء الرجال، مع إطلاق برنامج لحماية الشهود، محذرًا من أن غياب هذه الضمانات يعني “إعادة إنتاج رموز النظام البائد والشراكة معهم”.

أسئلة حول مصير الأموال المحصلة

قدم الباحث الاقتصادي محمد علبي قراءة متعمقة لدلالات هذه التسويات وحجم تأثيرها المحتمل، عبر منشور له على فيسبوك، مشيرًا إلى أن الأموال المحصلة من هذه الشخصيات، رغم ضخامتها الظاهرية، “لن تكون كافية بأي حال من الأحوال لتمويل مشروع إعادة إعمار سوريا” في مواجهة الكلفة التقديرية الهائلة لإعادة بناء ما دمرته سنوات الحرب.

وأوضح أن هذه الأموال “تظل محدودة للغاية على مستوى الحسابات الكلية”، لكنه استدرك بالقول إنها “في المقابل قد تمثل موردًا مهمًا إذا ما جرى توظيفه في تمويل بنود العدالة الاجتماعية الأساسية، كرواتب المعلمين، ومعاشات المتقاعدين، وتسديد المستحقات المتراكمة لشريحة واسعة من العاملين الذين استنزفوا خلال سنوات النزاع”.

وفي تعليقه على الإجراءات نفسها، أثار علبي تساؤلات جوهرية حول الطبيعة القانونية لهذه التسويات، كاشفًا أن دور “لجنة مكافحة الكسب غير المشروع” اقتصر على “إغلاق ملفات تلك التسويات من الناحية الشكلية”، في حين أن “المفاوضات والإشراف الفعلي على عملية تحصيل الأموال جرى عبر قنوات تنفيذية أخرى، في ظل غياب إطار قانوني واضح ينظم هذه العمليات”.

وأشار إلى امتلاكه وثائق رسمية صادرة عن جهات حكومية “تفيد بعدم وجود أساس قانوني يحكم مسار هذه التسويات”، محذرًا من أن هذا الغموض قد يحولها إلى “أدوات ضغط أو ابتزاز مالي بحق أطراف تسعى إلى تأمين وضعها القانوني”، متسائلًا عن مصير الأموال المحصلة ومواقع إيداعها في غياب “الحسابات الختامية، وقرارات الحجز والمصادرة القضائية القطعية”، وعدم نشر بيانات تفصيلية تتعلق بقيم التسويات، منبهًا إلى أن الحديث عن تحويل هذه الأموال إلى “صندوق سيادي” يفتقر إلى أي تعريف قانوني أو مؤسسي واضح.

وتساءل أيضًا عن القانون الناظم لهذا الكيان والجهة المسؤولة عن تدقيق حساباته، محذرًا من أن “غياب الشفافية والمساءلة في إدارة هذه الموارد قد يؤدي إلى تبخرها دون أثر محاسبي فعلي، بما يعمق فجوة الثقة بين المجتمع والسلطات في مرحلة يفترض أن تقوم على إعادة بناء العقد الاجتماعي والمالي للدولة”.

تشكيك بجدوى الإجراءات

أما الحقوقية ريم الناصر، فعبرت عن استنكار شديد لهذه الخطوات في تدوينة على فيسبوك، متساءلة: “شو هالمسرحية يا سيادة الرئيس؟ هذا قانون عدالة ولا قانون جباية؟”.

وأشارت إلى أن قائمة الشخصيات التي شملتها التسويات تطول، متسائلة عن جدوى هذه الإجراءات في ظل غياب المحاسبة الجنائية، مستطردة: “دمروا البلد وسرقوا وكانوا سببًا بقتل مئات الآلاف من السوريين وتشريد الملايين، وبالأخير تسوية وخصم 80 بالمئة وكأنها مخالفة سير”.

يشار إلى أنه حتى الآن، لم يصدر أي تعليق رسمي من الجهات المعنية يوضح تفاصيل هذه التسويات، أو يبين الأسس القانونية التي استندت إليها، إضافة إلى الإجابة على الأسئلة التي تتعلق بمصير الأموال المُصادرة، ذلك في وقت لا يزال فيه الجدل مستمرًا على منصات التواصل الاجتماعي حول مفهوم العدالة وحدود المحاسبة في المرحلة الحالية.

المصدر :الحل

مقالات ذات صلة