رائد وحش، وائل قيس، مصطفى ديب
تثير مقاطع الفيديو التي نشرها رجل الأعمال السوري غسان عبود، حول طبيعة وطريقة إدارة الاقتصاد في سوريا، إلى جانب ما رافقها من تعليقات ومنشورات بين مؤيد ومعارض، جدلًا واسعًا يتجدد بشكل شبه يومي، ويطرح تساؤلات تتجاوز شخصه إلى بنية الاقتصاد ككل، وفي مقدمتها كيفية إدارة الاقتصاد في البلاد من قِبل الحكومة الجديدة. وبينما يتمحور السجال على مواقع التواصل حول نوايا عبود، وما إذا كانت تصريحاته حقيقية أم كاذبة، إلى جانب الجدل بشأن الجهات التي تهاجمه، يبرز جانب آخر غيّبه هذا السجال، ويتعلق ببنية القرار الاقتصادي في سوريا، التي أعادت هذه التصريحات تسليط الضوء على التساؤلات المطروحة حولها.
لكن عبود لم يكن الوحيد الذي تحدّث عن قرارات التفرّد بالمنظومتين الاقتصادية والاستثمارية التي تعيق تعافي البلاد. في العودة إلى عام 2025، كان رجل الأعمال أيمن الأصفري قد أكد في حوار مع “تلفزيون سوريا” أن الدولة الحديثة تحتاج منظومة فكرية واقتصادية وثقافية وسياسية مختلفة. وما بين تصريحات عبود والأصفري، حذّر خبراء واقتصاديون من التفرّد في القرار الاقتصادي، لكن ما حصل هو أن التقارير توالت عن التفرّد بالقرار الاقتصادي-الاستثماري، وهنا يمكن الإشارة، على سبيل المثال، إلى الفيديو الذي نشره رجل الأعمال أبو فيصل الشخير يتحدث فيه عن فساد في المنظومة الاستثمارية.
وفي ظل غياب رد رسمي من الحكومة يتضمن تفنيدًا قانونيًا أو اقتصاديًا، في مقابل تفاعل يغلب عليه الطابع الشخصي والاتهامات المتبادلة و”التخوين”، تتزايد التساؤلات حول طبيعة الاقتصاد والبيئة الاستثمارية في سوريا وآليات إدارتهما، في وقت تشير فيه المؤشرات إلى توجه نحو اقتصاد أكثر انفتاحًا على الاستثمار، دون وضوح كامل بشأن الجهات التي تدير هذا التحول أو الإطار المؤسسي الذي يحكمه.
ملامح إدارة الاقتصاد في سوريا
من الناحية الرسمية، تشكّلت ملامح إدارة الاقتصاد في سوريا عقب تشكيل الحكومة الجديدة بمرسوم رئاسي في نيسان/أبريل 2025، مع إعادة توزيع الحقائب على عدد من الوزارات والهيئات المعنية بالملفات الاقتصادية، بينها وزارة المالية، ووزارة الاقتصاد والصناعة، ووزارة الاتصالات، ووزارة الطاقة، إلى جانب ذلك، أعلنت الرئاسة السورية عن سلسلة مراسيم تشكّل بموجبها كيانات اقتصادية تُعنى بالبنية الاستثمارية في البلاد، وكانت على التوالي: الصندوق السيادي السوري حزيران/يونيو، صندوق التنمية السوري أيلول/سبتمبر، المجلس الأعلى للتنمية الاقتصادية تموز/يوليو، وجميعها أُسِّست بمراسيم تشريعية في 2025، فضلًا عن إعادة هيكلة هيئة الاستثمار السورية، على أن تكون تحت الإشراف المباشر للرئيس أحمد الشرع، ودُعمت هذه التحولات المؤسسية بتعديلات على قانون الاستثمار لعام 2021، وسّعت حقوق المستثمرين وأعادت تشكيل منظومة الحوافز.
يربط متابعون كُثر بين الجدل الذي أثارته تصريحات عبود وبين التحديات الأوسع المرتبطة بمرحلة إعادة تشكيل الاقتصاد في سوريا، في ظل تباين بين الخطاب الرسمي الداعي إلى الانفتاح الاستثماري، والتساؤلات المطروحة حول آليات تطبيقه على أرض الواقع
بحسب ورقة تحليلية لمؤسسة “كرم شعار للدراسات”، في تعليقها على سلسلة الكيانات وارتباطها بالرئاسة السورية، تقوم البنية الاقتصادية السورية بعد الحرب على نموذج متكامل عموديًا، حيث توضع الاستراتيجية في المجلس الأعلى، ويُنفَّذ العمل عبر هيئة استثمار مبسطة، وتُموَّل المشاريع من خلال صندوق سيادي وآخر للتنمية.
وأشارت إلى أنه رغم أن هذا النموذج يعد بالمرونة وتحسين التنسيق، فإنه ينطوي على مخاطر كبيرة، أبرزها تعزيز المحسوبية، إذ إن تركّز القرار في الرئاسة وتشكّل مجالس الإدارة من مُعيّنين رئاسيين فقط، يفتح المجال لتوجيه المشاريع والاستثمارات إلى المقرّبين، خاصة في ظل غياب المناقصات أو غموض إجراءاتها.
وفي موازاة ذلك، وقّعت الحكومة حزمًا من المذكرات والاتفاقات شملت قطاعات مختلفة أبرزها الطيران والاتصالات والبنية التحتية والمياه والعقار، وقدّمتها بوصفها مؤشرًا على بداية مرحلة تعافٍ اقتصادي. لكن الخبير الاقتصادي كرم الشعار يرى في ورقة بحثية أن الأكثر إثارة للقلق من المشاريع غير الواقعية هي آلية ترشيح مذكرات التفاهم وتقييمها والموافقة عليها، واصفًا النهج الحالي بأنه “ارتجالي وغير شفاف”، فضلًا عن “غياب دلائل على آليات موحّدة لفحص الجدوى أو إجراءات اختيار تنافسية، ما يغذّي المخاوف المتعلقة بالمحسوبية وتفضيل الوصول”.
كما لا بد من التنويه إلى إعلان وزارة المالية عن خطوات تشمل رقمنة الجباية وتوحيد بعض الأوعية الضريبية وتوسيع استخدام الدفع الإلكتروني، إلى جانب إنشاء مجالس تضم ممثلين عن القطاع الخاص، في حين يدعم البنك الدولي هذا التوجه عبر مشروع مخصص لتعزيز إدارة المالية العامة والرقابة والشفافية والرقمنة. تعكس الخطابات الرسمية توجهًا نحو بناء منظومة اقتصادية حديثة قائمة على الأطر القانونية والمؤسساتية، وتعزيز دور القطاع الخاص، إلى جانب تنسيق التمويل الخارجي والانضباط المالي.
حملات التبرع بين خلق الفرص وغياب الشفافية
وقد برز بشكل لافت، خلال الأشهر الماضية، حملات التبرّع التي شهدتها العديد من المدن والبلدات السورية. وفقًا لموقع “دويتشه فيله” الألماني، تجاوزت قيمة المبالغ التي جُمعت في هذه الحملات نصف مليار دولار أميركي، مشيرةً إلى أنه بينما أثارت هذه المبادرات مشاعر الفخر والتضامن في بلد أنهكته الحرب، طرحت في المقابل تساؤلات حول مصدر الأموال وشفافية إدارتها، خاصة مع مشاركة رجال أعمال مرتبطين بالنظام السابق، وتداخل التبرعات مع ميزانيات حكومية ومشاريع تنموية قائمة.
في مثال طرحه الموقع على آلية جمع التبرعات، أوضح أن بعض وسائل الإعلام المحلية أوردت أن من بين أكبر “المتبرعين” في حملة “الوفاء لإدلب” كان برنامج الأمم المتحدة الإنمائي، والذي ساهم بـ14 مليون دولار، بالإضافة إلى الجمعية الطبية السورية الأميركية (SAMS) التي ساهمت بـ11 مليون دولار. لكن توضيحات لاحقة، حصل عليها معدو التقرير، أظهرت أن هذه المبالغ ليست تبرعات نقدية، بل تخص مشاريع يُجري تنفيذها أصلًا، بحسب رئيس مجلس إدارة “SAMS” عبد الفتاح الشعار.
في النظر إلى حملات التبرع يبرز رأيان متقابلان؛ إذ يعكس طرح المحلل الاقتصادي رضوان الدبس رؤية تركز على الأثر الاقتصادي المباشر لهذه الحملات في تحريك عجلة الإعمار وخلق فرص عمل وتحسين الخدمات، بينما يسلط يونس الكريم الضوء على البعد المؤسسي، محذرًا من غياب الشفافية وآليات الرقابة، ما يضعف فعالية هذه الأموال ويحوّلها من أداة تنموية محتملة إلى مجال مفتوح لسوء التوجيه وتداخل المصالح.
وفي هذا السياق، يرى الدبس، في تصريح سابق، أن حملات التبرع توفر سيولة نقدية تُوجَّه نحو إعادة الإعمار والترميم والبناء، ما يسهم في خلق فرص عمل وتحسين الواقع الخدمي، إضافة إلى تنشيط الاقتصاد المحلي ولو بشكل محدود. كما يلفت إلى أن هذه المبادرات تحفّز المنظمات المحلية والعربية والدولية على دعم الإعمار، عبر تقديم صورة إيجابية عن نتائج الحملات، وتسليط الضوء على الجهود المشتركة بين الحكومة والمجتمع، بما يعزز فرص استقطاب تمويل إضافي واستدامة النشاط الاقتصادي المرتبط بمرحلة التعافي.
لكنّ الكريم يعتبر، في تصريح له، أن التبرعات تُجمع عبر قنوات رسمية يشرف عليها صندوق التنمية، إلا أن آليات إدارتها تفتقر إلى الشفافية، ما يجعلها عرضة لسوء التوجيه بعيدًا عن الاحتياجات الفعلية. ويشير إلى أنها لا تدخل ضمن الموازنات الرسمية بل تخضع لصلاحيات الرئاسة، ما يعيق تقييم أثرها الاقتصادي والاجتماعي. ويرى أن هذا الغموض يحوّل التبرعات إلى أداة رمزية أكثر منها تنموية، في ظل محدودية اطلاع المتبرعين وغياب رقابة فعلية على كيفية إنفاق الأموال، وهو ما يمكن تسميته، مجازًا، بـ”شفافية تطمينية” للمتبرع، دون أي رقابة فعلية على آلية إنفاق الأموال.
فجوة البنية المؤسسية
في المقابل، تشير وثائق البنك الدولي الخاصة بسوريا خلال عام 2026 إلى الحاجة لتعزيز البنية المؤسسية القائمة، من خلال إنشاء وحدات تنسيق داخل وزارة المالية، وقسم مركزي لإدارة التمويل الخارجي والمخاطر الائتمانية والرقابية. وتتضمن هذه الوثائق مقترحات بإنشاء وحدة لتنسيق إصلاحات إدارة المالية العامة، إلى جانب قسم موحد لإدارة الأموال والمساعدات الخارجية، بهدف رفع الجاهزية للتعامل مع تمويلات إعادة الإعمار بكفاءة وشفافية.
ويعكس ذلك توازي مسارين: توجه نحو الانفتاح الاقتصادي والاستثماري، مقابل استمرار العمل على تطوير الأدوات المؤسسية اللازمة لتنظيم هذا التحول وإدارته. وفي هذا السياق، يرى متابعون أن جانبًا من الشكاوى المرتبطة بغياب الآليات أو تعقيد الإجراءات قد يرتبط بمرحلة انتقال مؤسسية لم تكتمل بعد، في ظل استمرار العمل على تطوير الأطر التنظيمية والإدارية.
اقتصاد بلا قواعد
الباحث الاقتصادي أدهم قضيماتي يرى أن انتقادات رجل الأعمال غسان عبود لآلية إدارة الاستثمار في سوريا ينبغي مقاربتها في ضوء المسار الحكومي والتشريعي الجاري، مشيرًا إلى أن القوانين الناظمة للاستثمار لا تزال قيد الدراسة ولم تُطرح بشكلها النهائي. ويقول قضيماتي إن هذه القوانين تحتاج إلى إقرار من مجلس الشعب قبل دخولها حيّز التنفيذ، ما يجعل تقييمها في هذه المرحلة غير مكتمل، مضيفًا أن من غير الواضح ما إذا كانت الانتقادات المطروحة تستند إلى معرفة مسبقة بهذه التشريعات.
ويضيف أن الفجوة بين الخطاب الرسمي وتوقعات المواطنين تُعد أمرًا طبيعيًا في الدول الخارجة من النزاعات، حيث ترتفع سقوف المطالب الشعبية مقابل قدرات تنفيذية محدودة في المراحل الأولى من إعادة البناء. ويؤكد أن الحكم على معايير الشفافية في المشاريع الاستثمارية يتطلب اطلاعًا كاملًا على تفاصيلها، وهو ما لا يتوفر حاليًا، لافتًا إلى أنه شخصيًا لا يمتلك صورة شاملة عن جميع المشاريع المطروحة.
يُنظر إلى الجدل حول عبود بوصفه مؤشرًا على طبيعة التفاعل بين الدولة والقطاع الخاص، واختبارًا لمدى قدرة البيئة الاقتصادية على استيعاب انتقادات داخلية، ولآليات تنظيم السوق وحدودها
وفيما يتعلق بمرحلة إعادة الإعمار، يشير قضيماتي إلى أن اللجوء إلى استثناءات محددة لبعض الشركات قد يكون ضروريًا لتجاوز البيروقراطية وتسريع العمل، على أن يتم ذلك ضمن أطر قانونية واضحة. ويعتبر أن الاستثمارات المرتبطة بشراكات دولية تخضع بطبيعتها لضوابط مؤسساتية، إذ إن الشركات الدولية لا تنخرط في مشاريع خارج القنوات الرسمية أو دون ضمانات قانونية.
ورغم ذلك، يحذّر من أن غياب بنية مؤسساتية متكاملة لإدارة الأموال والاستثمارات قد يفتح الباب أمام مخاطر حقيقية، وهو تحدٍ تواجهه عادة الدول الخارجة من الحروب. ويخلص إلى أن المرحلة الانتقالية قد تشهد بعض التجاوزات، إلا أن التعامل معها يرتبط بقدرة الدولة على بناء منظومة قانونية ومؤسساتية مستقرة خلال عملية إعادة الإعمار.
في هذا السياق، يفسّر متابعون مضمون التصريحات التي قدّمها عبود مؤخرًا بوصفها تعبيرًا عن تساؤلات أوسع تتعلق بآليات إدارة الاقتصاد، وليس فقط بمشاريع أو مبادرات بعينها. وتشير هذه القراءة إلى أن جزءًا من النقاش يتناول طبيعة اتخاذ القرار الاقتصادي، وما إذا كان يتم ضمن أطر مؤسسية واضحة، أو عبر مسارات غير رسمية وشبكات ضيقة، في ظل غياب معايير معلنة في بعض الحالات.
في المقابل، يلفت متابعون إلى أن طريقة التفاعل مع هذه التصريحات، بما في ذلك بعض الردود التي تركّز على الدوافع الشخصية أو خلفيات الطرح، تعكس طبيعة الجدل الدائر، حيث ينتقل النقاش أحيانًا من مسألة آليات إدارة السوق إلى تقييم نوايا الأفراد.
ومع ذلك، يشير آخرون إلى أن خطاب عبود نفسه يواجه انتقادات تتعلق بأسلوب طرحه، لجهة المزج بين النقد الاقتصادي والتوصيفات الأوسع ذات الطابع الاجتماعي، ما قد يوسّع دائرة الجدل ويُدخله في اعتبارات تتجاوز الإطار الاقتصادي إلى أبعاد اجتماعية ورمزية.
يرى مراقبون أن الجدل الدائر حول تصريحات عبود يعكس، في جانب منه، توترًا مستمرًا في الخطاب العام بين رفض المقاربات المناطقية من جهة، واستدعاء مفرداتها في سياقات الدفاع أو الهجوم من جهة أخرى، ما يؤثر على طبيعة النقاش وحدوده.
وفي هذا الإطار، يلفت متابعون إلى أن جزءًا من التفاعل مع هذه التصريحات لا يركّز على تفكيك مضمونها بقدر ما يميل إلى ربطها بسياقات سياسية أوسع أو بدوافع شخصية، في ظل تداول اتهامات متعددة على منصات التواصل.
ويشير هؤلاء إلى أن بعض هذه القراءات قد يندرج ضمن التقدير السياسي، إلا أن غياب النقاش القائم على معايير واضحة أو تفنيد مؤسسي قد يعكس طبيعة مرحلة انتقالية لم تستقر فيها الأطر التنظيمية بشكل كامل، ما ينعكس على شكل التفاعل العام مع قضايا الاقتصاد والاستثمار.
وفي ظل ذلك، تتحول بعض الأسئلة المرتبطة بالشفافية أو بيئة الاستثمار إلى نقاط خلاف حادة، ما يعيد طرح تساؤلات أوسع حول كيفية بناء المنظومة الاقتصادية في سوريا وآليات إدارتها.
مساران في إدارة الاقتصاد
تشير معطيات متقاطعة من مصادر رسمية وتقارير إعلامية إلى أن مسار بناء الاقتصاد في سوريا يسير عبر اتجاهين متوازيين. المسار الأول يتمثل في الإطار الرسمي المعلن، ويشمل عمل الوزارات والهيئات الاقتصادية، إلى جانب التفاهمات مع دول مثل السعودية وتركيا، وإجراءات تتعلق برقمنة الجباية والإصلاح المالي، وإعادة تفعيل القنوات المصرفية، وتشجيع الاستثمار في قطاعات الطيران والاتصالات والطاقة والبنية التحتية، مع تأكيدات متكررة من وزارة المالية على دور القطاع الخاص في المرحلة المقبلة.
في المقابل، تتحدث تقارير إعلامية، بينها تحقيقات نشرتها رويترز، عن مسار آخر أقل وضوحًا، يتصل بآليات إدارة القرار الاقتصادي وتوزيع النفوذ، بما في ذلك الإشارة إلى أدوار غير رسمية لبعض الشخصيات في متابعة ملفات الاستثمار، ووجود ترتيبات تتعلق برجال أعمال من المرحلة السابقة، إلى جانب مقاربات لإعادة توزيع بعض الأصول الاقتصادية.
كما تناولت تقارير لاحقة توجهات داخلية للحد من ممارسات الفساد وتعزيز الشفافية، بما في ذلك دعوات لمسؤولين للإفصاح عن استثماراتهم وتنظيم العلاقة مع القطاع الخاص. في هذا السياق، لا بد من الإشارة إلى تقرير وكالة “رويترز”، الذي سلط الضوء على محاولات الرئيس الشرع ضبط سلوك الموالين ومنع تفشي الفساد، إذ “وبّخ المسؤولين وقادة الأعمال” متسائلًا عما إذا كانوا “قد ضعفوا أمام الإغراءات بهذه السرعة”، ولوّح بإجراءات تتعلق بـ”الكسب غير المشروع”. ويؤكد التقرير أنه شدد على “عدم التسامح مع أي شبهة فساد”، ضمن سعيه للتحول إلى حكم مدني دون تكرار نموذج النظام السابق. إلا أن الوقائع، وفق مقابلات أجرتها الوكالة، تشير إلى استمرار ممارسات مثل دفع الرشاوى ووجود “تسويات غامضة”، ما يعكس فجوة واضحة بين الخطاب الرسمي والتطبيق العملي.
في المقابل، ذكر تقرير منفصل لـ”رويترز” أن إدارة إعادة هيكلة الاقتصاد في سوريا تتم عبر لجنة سرية يقودها شخص يُعرف باسم “أبو مريم الأسترالي”، وهو إبراهيم سكرية، ضمن دائرة ضيقة ترتبط مباشرة بحازم الشرع. وبحسب التحقيق، تعتمد هذه الدائرة على أسماء حركية وتعمل خارج الإطار المؤسسي المعلن، حيث تتولى التفاوض مع رجال أعمال والاستحواذ على أصول مصادرة تتجاوز قيمتها 1.6 مليار دولار. وأشارت الوكالة إلى أن نفوذ أبو مريم يتجاوز الدور التنفيذي ليصل إلى توجيه القرار الاقتصادي، ضمن شبكة غير رسمية تثير مخاوف متزايدة لدى المستثمرين والدبلوماسيين بشأن الشفافية والمساءلة.
ويعكس توازي هذه المعطيات استمرار النقاش حول طبيعة النموذج الاقتصادي الذي يتشكل في سوريا، بين مقاربة مؤسسية معلنة، وأخرى ترتبط بآليات إدارة القرار على نحو غير رسمي في بعض الحالات، وهو ما يضعف وضوح قواعد السوق ويحدّ من ثقة الفاعلين الاقتصاديين. كما يشير هذا التداخل إلى أن مسار الانفتاح الاستثماري لا يزال محكومًا بتوازنات غير مستقرة بين المؤسسات الرسمية ومراكز النفوذ، ما يطرح تحديات جدية أمام ترسيخ بيئة استثمارية قابلة للتنبؤ ومستندة إلى قواعد شفافة ومستقرة.
توزيع النفوذ والفرص
وفي هذا السياق، يرى الباحث الاقتصادي محمد عيسى أن جزءًا من الجدل الدائر يعكس طبيعة توزيع النفوذ الاقتصادي في المرحلة الحالية، مشيرًا إلى أن حصر بعض العطاءات والامتيازات ضمن دوائر محدودة قد أسهم في تعزيز حالة من التنافس والاحتقان بين الفاعلين الاقتصاديين. ويضيف أن محاولات توسيع المشاركة في بعض القطاعات لم تكن كافية، أو جرت بآليات يصفها بـ”غير المكتملة”، ما أدى إلى استمرار الشعور بعدم تكافؤ الفرص لدى شرائح مختلفة من رجال الأعمال.
كما يلفت إلى أن هذا الواقع يتقاطع مع غياب منظومة مؤسسية مكتملة لإدارة التوازن بين السلطات الاقتصادية، مشيرًا إلى أن تركّز القرار في دوائر محددة قد يحدّ من فعالية الأطر التنظيمية المفترضة في الاقتصادات الحديثة. وفي قراءته، لا ينفصل الجدل المرتبط بتصريحات غسان عبود عن هذا السياق، إذ يعكس، بحسب قوله، خلافات تتعلق بآليات توزيع الفرص الاقتصادية أكثر من كونها خلافات مبدئية حول طبيعة النموذج الاقتصادي المطلوب.
طبيعة الجدل والخطاب العام
وأمام ما راكمته الفترة السابقة من تساؤلات حول طبيعة إدارة الاقتصاد، يربط متابعون كُثر بين الجدل الذي أثارته تصريحات عبود وبين التحديات الأوسع المرتبطة بمرحلة إعادة تشكيل الاقتصاد في سوريا، في ظل تباين بين الخطاب الرسمي الداعي إلى الانفتاح الاستثماري، والتساؤلات المطروحة حول آليات تطبيقه على أرض الواقع.
وتشير هذه القراءة إلى أن هذا التباين ليس معزولًا، بل يرتبط بسمات شائعة في اقتصادات خارجة من الحرب، حيث يتقاطع السعي لجذب الاستثمارات مع الحاجة إلى ضبط مساراتها ضمن أطر تنظيمية واضحة، في وقت لم تستقر فيه بعد العلاقة بين المؤسسات الرسمية ومراكز التأثير غير الرسمية.
تتحول بعض الأسئلة المرتبطة بالشفافية أو بيئة الاستثمار إلى نقاط خلاف حادة، ما يعيد طرح تساؤلات أوسع حول كيفية بناء المنظومة الاقتصادية في سوريا وآليات إدارتها
لذلك، يُنظر إلى الجدل حول عبود بوصفه مؤشرًا على طبيعة التفاعل بين الدولة والقطاع الخاص، واختبارًا لمدى قدرة البيئة الاقتصادية على استيعاب انتقادات داخلية، ولآليات تنظيم السوق وحدودها.
كما يلفت متابعون إلى أن تقييم خطاب عبود نفسه لا ينفصل عن الجدل الأوسع، إذ تتقاطع الانتقادات الموجهة إليه مع ملاحظات تتعلق بأسلوب الطرح، في مقابل نقاش موازٍ حول طبيعة الردود عليه ومدى استنادها إلى معايير مؤسسية واضحة.
وفي ظل ذلك، تبقى تساؤلات أساسية مطروحة حول مسار بناء المنظومة الاقتصادية في سوريا، وطبيعة النموذج الذي يتشكل فيها، بين مقاربة مؤسسية قائمة على قواعد شفافة، وأخرى ترتبط بآليات إدارة القرار ضمن دوائر أكثر ضيقًا في بعض الحالات.
حتى الآن، لا تزال هذه الأسئلة مفتوحة دون إجابات مؤسسية حاسمة، في وقت يرجّح فيه مراقبون أن استمرار هذا التداخل قد يؤدي إلى تكرار جدالات مشابهة في المستقبل، مع بروز قضايا جديدة تعكس الإشكاليات ذاتها.
المصدر : الترا سوريا

