الرئيسية » فيضان الفرات في دير الزور.. تداعيات خدمية واقتصادية وتساؤلات حول إدارة الأزمة

فيضان الفرات في دير الزور.. تداعيات خدمية واقتصادية وتساؤلات حول إدارة الأزمة

بواسطة Younes

بتول الحكيم

شهدت محافظة دير الزور فيضانات جراء ارتفاع منسوب مياه نهر الفرات، ما أدى إلى غمر مساحات زراعية وتعطل عدد من المرافق الخدمية وخروج جسور ومحطات مياه عن الخدمة في بعض المناطق؛ وفي الوقت الذي واصلت الجهات المعنية جهود الاستجابة واحتواء الأضرار، أثار الفيضان تساؤلات حول أسباب تفاقم آثاره، ومدى جاهزية البنية التحتية وإدارة الموارد المائية لمواجهة مثل هذه الأزمات.

وكان وزير الطاقة محمد البشير قد أكد أن تركيا أبلغت الجانب السوري عن عزمها فتح سد أتاتورك على نهر الفرات قبل أسبوع من فتحه؛ بهدف تصريف المياه الزائدة، ما أدى لفيضان نهر الفرات، وتضررت القرى الواقعة على ضفافه، حيث أعلن محافظ دير الزور زياد العايش عن خروج 60 محطة مياه عن الخدمة بشكل كلي أو جزئي، نتيجة ارتفاع منسوب النهر، وتضرر أكثر من خمسة آلاف دونم من الأراضي الزراعية، بفعل الغمر المائي لعدد من المناطق.

ويرى خبراء تحدثوا أن تداعيات فيضان الفرات الأخيرة تكشف تحديات متراكمة في إدارة الموارد المائية وتخطيط البنية التحتية والاستعداد لمخاطر الفيضانات. ويشيرون إلى أن حجم الأضرار التي خلّفها الفيضان يثير تساؤلات حول فعالية الإجراءات الوقائية والخطط الاستباقية، ومدى جاهزية الجهات المعنية للتعامل مع الأزمات المائية والحد من آثارها.

فيضان الفرات ليس مفاجئًا

يوضح الخبير في الموارد المائية والبيئية، المهندس بهاء ناشر النعم، أن فيضانات نهر الفرات الأخيرة ليست حادثة طارئة أو مفاجئة، ففيضان الفرات في الربيع والخريف أمر متوقع، وهي نتيجة طبيعية تجلت بهذا الشكل لتكشف هشاشة التخطيط المائي والهندسي في الرقة ودير الزور، وتفضح سنوات طويلة من الحلول الترقيعية والتعدي على حرم النهر وغياب إدارة المخاطر الحقيقية، مؤكدًا أن ما يحدث اليوم هو نتيجة تراكم أخطاء هندسية وإدارية ومائية على مدى سنوات، وليس فقط بسبب فتح بوابات السدود أو ارتفاع الوارد المائي.

ما يحدث اليوم هو نتيجة تراكم أخطاء هندسية وإدارية ومائية على مدى سنوات، وليس فقط بسبب فتح بوابات السدود أو ارتفاع الوارد المائي

ويشير ناشر النعم إلى أن الهندسة المائية تعتبر النهر نظامًا ديناميكيًا يمتلك ما يسمى بـ”الذاكرة الهيدرولوجية” تعود لعشرات وربما مئات السنين، ما يعني أن انخفاض المنسوب خلال فترات الجفاف لا يعني أن النهر فقد مجراه الفيضي الطبيعي. وأضاف أن مكمن الخطأ يتمثّل فيما حصل خلال السنوات الماضية من التوسع العشوائي في البناء داخل حرم الفرات، وتحويل مناطق الفيضانات الطبيعية إلى أحياء سكنية ومزارع ومرافق خدمية، ومحطات ضخ وطرق وجسور مؤقتة، وكأن النهر لن يعود يومًا إلى منسوبه التاريخي.

ولفت الخبير البيئي ناشر النعم إلى أنه مع أول موجة مائية كبيرة قادمة، نتيجة امتلاء السدود وغزارة الأمطار وذوبان الثلوج، استعاد الفرات مجراه الطبيعي، فغمرت المياه الأراضي المنخفضة، وانهارت الجسور الترابية، وتعطّلت محطات المياه، وانقطعت أوصال المدن بين الضفتين.

ويرى ناشر النعم أن المشكلة الأخطر تتمثّل في فلسفة الإدارة نفسها، فبدلًا من بناء بنية تحتية مرنة وقادرة على التكيف مع سيناريوهات الفيضان، جرى الاعتماد لسنوات على “حلول إسعافية” قصيرة العمر، مثل الجسور الترابية المؤقتة والسواتر غير المدروسة هيدرولوجيًا، وإنشاء طرق ضمن المجرى الفيضي، بالإضافة إلى وضع محطات ضخ مباشرة ضمن مناطق الغمر، ما جعل أول فيضان حقيقي يطيح بكل هذه الحلول.

وأشار ناشر النعم إلى أن أي مدينة ترتبط ضفتاها بجسور مؤقتة، داخل المجرى الفيضي، هي مدينة تعيش فوق “خطر مؤجل”، مضيفًا أن غمر أكثر من 50 محطة مياه وخروجها عن الخدمة، يكشف عن خلل كبير في تخطيط البنية التحتية الحيوية، وفي هندسة المدن الحديثة، تُصنف محطات المياه، والكهرباء والصرف الصحي كمرافق “حرجة”، ويُمنع وضعها ضمن مناطق الخطر الفيضي، إلا مع أنظمة حماية عالية جدًا.

فقدان الشفافية يفاقم كارثة الفيضان

من جانبه، وصف مدير موقع “اقتصادي” يونس الكريم إعلان الحكومة أن منسوب نهر الفرات وصل إلى حده الأقصى من الارتفاع بالـ”مضلل” أو “الناقص على الأقل”، موضحًا أن النهر لا يحتاج إلى الارتفاع عموديًا فوق سطح الأرض، ليحدث ما يشبه أمواج البحر، ويكفي أن يتمدد أفقيًا، نتيجة غزارة المياه وسرعة الجريان ليبتلع الأراضي الزراعية والمنازل والتجمعات السكنية على ضفتيه.

وأضاف الخبير الاقتصادي الكريم أنه حتى الآن لا توجد شفافية كافية حول البيانات الحقيقية المتعلقة بسرعة تدفق المياه وغزارتها في مختلف النقاط والقرى، كما أنه لا توجد خرائط أو تقديرات توضّح اتجاه تمدد النهر والمناطق الأكثر عرضة للخطر، ما يترك الأهالي في حالة من القلق والفوضى، وانعدام القدرة على اتخاذ إجراءات وقائية فعّالة للحد من الخسائر.

وبيّن الكريم أن الحكومة لم توضّح آليات مساعدة المتضررين أو تعويض خسائرهم، أو كيفية التعامل مع الآثار البيئية المتوقعة بعد انحسار المياه، فالكوارث المائية تخلف بيئة مثالية لانتشار الأوبئة وأسراب البعوض في مناطق تعاني أصلًا من تهالك البنى التحتية.

ولفت الخبير الاقتصادي الكريم إلى أن الحكومة لم تشرح آليات تنظيم وإدارة قوافل المساعدات والإغاثة للمتضررين، مشيرًا إلى عدم صدور أي توضيح حقيقي بشأن مستوى التنسيق مع الجانب التركي؛ لتحمّل جزء من الأعباء والكلف الناتجة عن هذه الأزمة، سواء على المستوى الإنساني أو الفني، في ظل ارتباط ملف المياه أصلًا بتفاهمات وسياسات عابرة للحدود.

 حتى الآن لا توجد شفافية كافية حول البيانات الحقيقية المتعلقة بسرعة تدفق المياه وغزارتها في مختلف النقاط والقرى

وأبدى الكريم استغرابه من عدم توجه الحكومة لإعلان فتح تحقيق مباشر في حادثة فيضان الفرات، فيما تشير التسريبات المتداولة إلى أن ما جرى التعامل معه فعليًا هو ملف إنشاء جسر سياسي وبنية تحتية مرتبطة به، لا معالجة أسباب الفيضان أو تداعياته الإنسانية بشكل واضح، بالتزامن مع ما يتم تداوله، حول عودة الحديث عن تهجير أبناء دير الزور إلى و مناطق القامشلي لتخفيف آثار الضرر، في مشهد يعيد للذاكرة قضية “الغمر” التي شكّلت إحدى أكثر الملفات حساسية وتعقيدًا في عهد حافظ الأسد.

القطاعات الأكثر تضررًا بفيضان الفرات

وحول القطاعات الأكثر تضررًا بفعل فيضان الفرات، أوضح الخبير الاقتصادي محمد العلبي أن القطاع الزراعي هو المتضرر الأكبر من ارتفاع منسوب نهر الفرات، إذ غمرت المياه مساحات واسعة من الأراضي المزروعة، وألحقت أضرارًا مباشرة بالمحاصيل، لا سيما القمح الذي كانت أجزاء منه على أعتاب الحصاد، حيث امتدت الخسائر للثروة الحيوانية نتيجة تضرر المراعي، ونقص الأعلاف وصعوبة الوصول إلى الحظائر ومصادر المياه الآمنة، كما تأثرت التجارة المحلية، بسبب انقطاع بعض الطرق وتعطل حركة النقل بين القرى والأسواق، ما أدى إلى زيادة تكاليف نقل البضائع وتراجع النشاط التجاري.

أما القطاع الصناعي، فرغم أن أضراره المباشرة تتركّز أساسًا في الصناعات التحويلية والمنشآت الإنتاجية الصغيرة، فإنها وفقًا للعلبي، تبقى أقل من الأضرار التي لحقت بالقطاع الزراعي، غير أن أي خلل في شبكات النقل أو الكهرباء أو المياه، ينعكس سريعًا على الورش والمنشآت الصغيرة وسلاسل التوريد المرتبطة بها.

واعتبر الخبير الاقتصادي العلبي أن خطورة الفيضان الحالي تكمن في أنه ضرب منطقة تُعد من أهم السلال الزراعية في سوريا، وفي توقيت حساس من الموسم الزراعي، فغمر الأراضي بالمياه يؤدي إلى فقدان جزء من المحصول بشكل كامل، ويُتلف المحاصيل الجاهزة للحصاد أو القريبة منه، ما ينعكس مباشرة على دخل المزارعين، وإنتاج المنطقة من الحبوب والخضروات، كما يمثّل تهديدًا مباشرًا لسبل عيش آلاف العائلات في المنطقة المتضررة، التي تعتمد على الزراعة كمصدر رئيسي للدخل، ويُضعف في الوقت نفسه قدرة المنطقة على المساهمة في تأمين احتياجات سوريا من المواد الغذائية الأساسية.

ويرى العلبي أن أضرار البنية التحتية غالبًا ما تكون الأكثر تأثيرًا على المدى المتوسط، لأنها تُعطّل الحركة الاقتصادية حتى بعد انحسار المياه، فعندما تتضرر الطرق والجسور تصبح حركة نقل البضائع والمنتجات الزراعية أكثر صعوبة وكلفة، ويتأخر وصول السلع إلى الأسواق ومراكز التجميع، كما أن تضرر شبكات المياه والكهرباء ينعكس على النشاط الإنتاجي والتجاري والزراعي، إذ تعتمد معظم القطاعات الاقتصادية على استمرارية هذه الخدمات.

الاستجابة الفعالة للحد من الأضرار

وفي السياق ذاته، يوضح العلبي أن الاستجابة الاقتصادية الفعالة تبدأ بتقديم دعم مباشر للأسر المتضررة والمزارعين، الذين فقدوا محاصيلهم أو مصادر دخلهم، لأن تأخير التعويضات قد يدفع كثيرين إلى الخروج من الدورة الإنتاجية بالكامل، إلا أن الأولوية الأكثر إلحاحًا اليوم إنسانية وسكنية، لافتًا إلى أن التقديرات المتداولة تشير إلى تضرر نحو 2500 أسرة، كانت تقيم في مناطق واقعة ضمن سرير النهر أو في محيطه المباشر، وباحتساب متوسط 4 أفراد لكل أسرة، فإننا نتحدث عن نحو عشرة آلاف شخص، فقدوا مساكنهم أو اضطروا إلى مغادرتها خلال فترة قصيرة، حيث قد تم تأمين جزء من هؤلاء في مراكز إيواء مؤقتة، بينما لجأت أسر أخرى إلى الإقامة لدى أقاربها أو معارفها، في حين لا يزال بعض المتضررين، يواجهون حالة من عدم الاستقرار السكني، ما يجعل تأمين السكن الآمن لهؤلاء، على رأس أولويات التدخل العاجل.

لا يمكن تحديد المسؤول المباشر عن كارثة الفيضان، إلا أن الفشل في اختيار الأدوات والسياسات المناسبة لإدارة الأزمة والتعامل مع آثارها يبدو جليًا

ومن المهم أيضًا، وفقًا للعلبي، أن تتجاوز الحلول منطق الخيام كلما أمكن ذلك، فالخيام قد تكون مناسبة للاستجابة الأولية خلال الساعات أو الأيام الأولى، لكنها لا تمثّل حلًا كريمًا أو مستدامًا لعائلات قد تبقى خارج منازلها لأسابيع أو أشهر، والأجدى هو البحث عن بدائل سكنية مؤقتة أكثر ملاءمة، سواء عبر استثمار المباني العامة غير المستخدمة أو إنشاء وحدات سكنية مؤقتة، تحفظ الحد الأدنى من الكرامة الإنسانية والاستقرار الاجتماعي، ريثما يتم إيجاد حلول دائمة.

وبالتوازي مع ذلك، يرى العلبي أن الحاجة تبرز إلى إعادة تأهيل الطرق والجسور، ومحطات المياه بصورة عاجلة؛ لإعادة الحياة الاقتصادية إلى طبيعتها بأسرع وقت ممكن، ففي القطاع الزراعي على سبيل المثال، ينبغي توفير البذار والأسمدة والمحروقات للمزارعين المتضررين، حتى لا تتحول أضرارهم إلى أزمة تمتد إلى الموسم القادم، مبينًا أن برامج النقد مقابل العمل، يمكن أن تلعب دورًا مهمًا في توفير دخل مؤقت للأسر المتضررة، والمساهمة بأعمال التنظيف وإعادة التأهيل.

وعلى المدى الأبعد، يؤكد العلبي أن هذه الأزمة تكشف عن الحاجة إلى بناء منظومة أكثر فعالية لإدارة المياه السطحية في عموم سوريا، وذلك عبر تخصيص وزارة لها مرة أخرى، فالمياه من أكثر المسائل سيادية في سوريا، إضافة إلى رصد ميزانية طوارئ تطور القدرة على التدخل، محذرًا من خطورة العودة إلى البناء العشوائي، وإعمار ما تهدم في المواقع نفسها؛ ما يعني إعادة إنتاج الخطر ذاته مستقبلًا، بينما يمكن تحويل هذه الأزمة إلى فرصة، لإيجاد حلول سكنية أكثر أمنًا وتنظيمًا، تضمن سلامة السكان وتحفظ حقوقهم وكرامتهم في الوقت نفسه.

وختم الخبير الاقتصادي العلبي حديثه لـ”الترا سوريا” بالإشارة إلى أنه لا يمكن تحديد المسؤول المباشر عن كارثة الفيضان، إلا أن الفشل في اختيار الأدوات والسياسات المناسبة لإدارة الأزمة والتعامل مع آثارها يبدو جليًا، فما يجري في حوض الفرات اليوم هو حصيلة كارثة مركبة ناتجة عن الحرب أولًا، وسوء إدارة الموارد ثانيًا.

وفي نهاية المطاف، بينما تتواصل جهود احتواء آثار الفيضان، تبدو الأزمة اختبارًا لقدرة المؤسسات على الانتقال من الاستجابة الطارئة إلى التخطيط طويل الأمد. فالتحديات التي كشفتها مياه الفرات تتجاوز الخسائر الآنية، لتطرح ملف إدارة الموارد المائية والبنية التحتية في صلب النقاش حول الحد من مخاطر الكوارث وتعزيز الجاهزية المستقبلية.

المصدر :الترا سوريا

مقالات ذات صلة