اعادت مشكلة المودعين في المصارف اللبنانية إلى الواجهة بعد مرور ست سنوات على بدئها، بالتزامن مع حديث عن توجه الدولة اللبنانية لإصدار سندات دين بدل إعطاء كل ذي حق حقه.
هذا الطرح واجه تحركات منددة بالقرار، إذ طالب المودعون الدولة اللبنانية بإيجاد حل عملي يمكنهم من استعادة ودائعهم، بدل إصدار التعاميم من قبل مصرف لبنان، والتي تتيح لهم الحصول على مبالغ شهرية لا تتعدى 300 دولار، علماً أن نسبة المودعين السوريين في المصارف اللبنانية تشكل نسبة كبيرة من إجمالي عدد المودعين.
وبحسب خبراء اقتصاديين، يشكل عدد كبير من أركان نظام الأسد البائد ومقربين منه نسبة كبيرة من المودعين السوريين، ولكن لا يقتصر إجمالي عدد المودعين السوريين عليهم، فهناك عدد كبير من المودعين الذين كانوا من معارضي النظام البائد ممن خسروا أموالهم في مصارف لبنان، وفق معلومات موقع تلفزيون سوريا.
كم تبلغ إيداعات السوريين؟
لا توجد أرقام دقيقة حول إيداعات السوريين في المصارف اللبنانية، وفق ما قال الخبير الاقتصادي يونس الكريم .
وبحسب الكريم، فإن الرقم المتداول حول تلك الإيداعات يتراوح بين 40 و50 مليار دولار، والسبب في عدم وجود رقم محدد للإيداعات وحركة الأموال، هو أن البنك المركزي اللبناني استخدم كقناة للتهرب من العقوبات الاقتصادية المفروضة على سوريا و تهريب أموال نظام الأسد المخلوع.
وكشف الكريم أن حاكم مصرف لبنان السابق رياض سلامة كان يملك قنوات كثيرة لفتح حسابات في دول العالم لتهريب الأموال السورية، الأمر الذي كان يشكل مساحة من الحرية المصرفية لنظام الأسد المخلوع.
وأضاف الكريم أن كثيراً من الحسابات المصرفية في لبنان تعود لأشخاص معاقبين دولياً، تم التحايل القانوني للتستر على حجم إيداعاتهم، وهذا يعد سبباً إضافياً للتكتم على حجم الإيداعات السورية في المصارف اللبنانية.
الغموض لم يقتصر على حجم الإيداعات السورية في مصارف لبنان، حيث لا توجد أرقام صريحة حول حجم الكتلة اللبنانية أيضاً، لكن يقال إن حجم الأموال السورية التي تأثرت بالأزمة اللبنانية يشكل 40% من حجم الأموال الكلية اللبنانية، أي ما يقارب 40 مليار دولار من الحجم الإجمالي الذي يبلغ حوالي 100 مليار دولار، ومع ذلك يعتبر هذا الرقم “تنبؤي”، بناء على تسريبات، وفق الكريم.
القانون أو المفاوضات
يؤكد المحامي تمام العلي، لموقع تلفزيون سوريا، أن ما ينطبق قانوناً على المودعين اللبنانيين ينطبق على المودعين السوريين.
وبحسب العلي، فإن السلطة اللبنانية، بدءاً من حكومة الرئيس الأسبق حسان دياب، مروراً بالحكومات اللبنانية التي تعاقبت بعدها، لم تتحمل مسؤولياتها عبر إصدار قانون كابيتال كونترول كان من الممكن أن يحل الازمة المصرفية من جذورها وينظم العلاقة بين المصارف والمودعين بحيث كان القطاع المصرفي نجح بالحفاظ على نشاطه، بل تركت السلطة الأمر إلى تعاميم مصرف لبنان الذي نظم مشكلة السحب من المصارف بطريقة، أذلت المودعين وبددت حقوق المودعين الكبار.
ولفت العلي إلى أنه يمكن للمودعين السوريين اتخاذ عدة أطر قانونية لاسترجاع أموالهم، منها التفاوض المباشر مع المصارف، وفي حال فشل المفاوضات، بإمكانهم اللجوء إلى القضاء اللبناني عبر تقديم دعاوى استرداد ودائع أمام قاضي الأمور المستعجلة، علماً أن القضاء اللبناني أصدر أكثر من حكم ألزم فيه المصارف بدفع ودائع لمودعين، ولكن هنا لا بد من الإشارة إلى أن التنفيذ على المصارف بطيء بعض الشيء، بحسب العلي.
ويضيف العلي إلى أنه بإمكان المودعين أيضاً اللجوء إلى التحكيم المحلي والدولي، كما يمكنهم اللجوء إلى المطالبة بحقوقهم عبر القنوات الدبلوماسية السورية، علماً أن السلطات السورية الجديدة تقوم بهذا الدور على أكمل وجه.
لماذا اختار السوريون إيداع أموالهم في مصارف لبنان؟
توجه المودعون السوريون نحو المصارف اللبنانية لعدة أسباب، منها الاستقرار المالي والخبرة البنكية التي كان يتمتع بها لبنان قبل عام 2019 مقارنة بسوريا، وفق ما صرّح عدد منهم لموقع تلفزيون سوريا.
وأضاف المتحدثون أن سهولة التحويلات المالية من وإلى لبنان ومن ثم الى سوريا أو العكس، إضافة إلى سهولة الوصول الى البنوك عبر الحدود جعل لبنان بنظر المودعين السوريين، بوابتهم إلى العالم الخارجي، على عكس ما وواجه المودعون السوريون من صعوبات بالغة في إنشاء حسابات مصرفية وإيداع أموالهم في الدول المجاورة نتيجة لتشديد الإجراءات المصرفية، بسبب العقوبات الدولية التي كانت مفروضة على سوريا.
يضيف المودعون السوريون أن المنظمات الدولية العاملة بسوريا كانت تفضل العمل من لبنان نتيجة القنوات المصرفية المتاحة، إضافة إلى مسألة السرية المصرفية التي كان لبنان ملتزم بها، وهذا كان عامل جذب لهم.
اتحاد المودعين السوريين
شكّل المودعون السوريون ما يعرف ب “اتحاد المودعين السوريين في مصارف لبنان”، في شهر ديسمبر/كانون الأول من العام الفائت، وبحسب أعضاء الاتحاد، فإن الهدف من إنشائه هو استعادة أموال السوريين “المغتصبة” في مصارف لبنان على حد تعبيرهم.
وطالب الاتحاد السلطات السورية بالضغط على الحكومة اللبنانية من أجل الحصول على ودائعهم كونها أموال سورية، وإصدار قوانين وتشريعات تقضي بملاحقة أصحاب المصارف والموظفين المتورطين بهذه الجريمة باعتبارها عملية نصب واحتيال منظّمة.
كما وجه أعضاء الاتحاد رسالة إلى الرئيس السوري أحمد الشرع في وقت سابق، طالبوه من خلالها بربط إدخال الاستثمارات اللبنانية إلى سوريا بإعادة أموالهم من المصارف.
أزمة المصارف اللبنانية تتواصل
بعد التخلف عن سداد سنداته الدولية المستحقة البالغة 31 مليار دولار في مارس آذار 2020، تفاقمت الأزمة المالية في لبنان، مما أدى إلى استنزاف الميزانيات العمومية للبنوك وخسارة العملة 99 في المئة من قيمتها.
وانخفضت السندات إلى أقل من ستة سنتات مع تضاؤل الآمال في إعادة هيكلة الديون أو خطة إنقاذ حاسمة من صندوق النقد الدولي.
وفي أعقاب انتخاب البرلمان لرئيس جديد في يناير/كانون الثاني، أقر المشرعون في يوليو/تموز قانون إعادة هيكلة القطاع المصرفي الذي طال انتظاره، وهو واحد من عدة تشريعات ضرورية لإصلاح النظام المالي.
وقالت وكالة رويترز، إن أسعار السندات الحكومية اللبنانية، التي تعثرت الحكومة في سدادها، ارتفعت إلى أربعة أمثالها تقريبا خلال العام الماضي، إذ راهن المستثمرون على مؤشرات الانتعاش الاقتصادي لكن التباين الكبير في تقديرات قيمتها المحتملة بعد إعادة الهيكلة قد يكبح أي ارتفاع آخر.
ولن تصبح “قيمة الاسترداد” للسندات أكثر وضوحا حتى يقرر المشرعون مستوى الخسائر التي يتعين على البنوك المحلية المتعثرة أن تتحملها، وهو ما سيحدد بدوره مقدار الأموال التي تستطيع الحكومة تحويلها إلى حاملي السندات.
وارتفعت السندات من ستة سنتات فقط للدولار قبل عام إلى ما يقرب من 24 سنتا، في أعقاب انفراجة سياسية أنهت أكثر من عامين من الشلل الحكومي الذي أدى إلى تفاقم الأزمة الاقتصادية في لبنان.
المصدر : تلفزيون سوريا.

