الرئيسية » دمشق تُحدث سوقاً للعملات لتعزيز الاستقرار المالي

دمشق تُحدث سوقاً للعملات لتعزيز الاستقرار المالي

بواسطة Younes

محمد أمين

أحدثت الحكومة السورية سوقاً إلكترونية للعملات والذهب في العاصمة دمشق، في محاولة لتوحيد الأسعار وتعزيز الشفافية والحد من المضاربات، وتحقيق استقرار نقدي يدعم التعافي الاقتصادي في البلاد، التي لا تزال تعاني من أزمات خانقة تنعكس سلباً على الحالة المعيشية.

ونقلت وسائل إعلام محلية، اليوم الخميس، عن حاكم المصرف المركزي عبد القادر الحصرية، تأكيده إحداث “سوق دمشق للعملات الأجنبية والذهب”، مشيراً إلى أن هذه الخطوة محورية في مسار تطوير السياسة النقدية وتعزيز الاستقرار المالي تنفيذاً لاستراتيجية المصرف المركزي، لا سيما الركيزة الثانية المتمثلة في تحقيق سوق صرف متوازنة وشفافة، ولقرار رئاسة مجلس الوزراء رقم 189 لعام 2025.

وبيّن أن الهدف من هذه السوق الإلكترونية هو “تنظيم عمليات التداول وتوحيد مرجعية الأسعار بما يحدّ من التشوهات ويعكس قوى العرض والطلب بدقة وآنية”، مضيفاً أن السوق تسهم في تعزيز الشفافية عبر توفير بيانات موثوقة وتحديثات مستمرة، الأمر الذي يدعم ثقة المتعاملين ويحدّ من المضاربات غير المنظمة، ويسهم في القضاء على السوق السوداء لأول مرة منذ أكثر من سبعين عاماً، وأي أسواق موازية.

كما أوضح أن السوق المستحدثة “تُدار من خلال منصة تُحدَّث وفق المعايير الدولية، وبمشاركة أطراف ملتزمة بهذه المعايير، بما يوفر بيئة تداول حديثة تعتمد أفضل الممارسات العالمية، ويعزز كفاءة سوق القطع الأجنبي والذهب، ويخدم أهداف الاستقرار النقدي”. وقال إن هذا القرار “يأتي ضمن حزمة من القرارات التي اتخذناها لإعادة هيكلة سوق الصرف والمهن المالية المرتبطة به”، مؤكداً التزام المصرف المركزي بـ”مواصلة تنفيذ استراتيجيته الشاملة بما يحقق التوازن في سوق الصرف ويدعم مسيرة التعافي الاقتصادي”.

وجاءت هذه الخطوة في ظل تذبذب أسعار صرف الليرة السورية أمام العملات الأجنبية، لا سيما الدولار، الذي وصل، اليوم الخميس، إلى سقف 1300 ليرة للدولار الواحد، بحسب سعر الصرف الجديد بعد تغيير العملة. وتعليقاً على خطوة إحداث سوق للعملات، رأى الخبير الاقتصادي زياد عربش، في حديث مع “العربي الجديد”، أنها “خطوة محورية في الإصلاح النقدي والمالي ضمن استراتيجية المصرف الشاملة”، مضيفاً أن توحيد مرجعية الأسعار في سوق صرف مستقرة يعكس قوى العرض والطلب بدقة آنية.

وأشار عربش إلى أن السوق الإلكترونية، وهي الأولى من نوعها في سورية، “يفترض أن تعمل وفق المعايير الدولية”، لافتاً إلى ضرورة إدارتها عبر منصة حديثة بمشاركة أطراف ملتزمة بأفضل الممارسات العالمية، بما يعزز كفاءة العمليات المصرفية ويسهم في تطوير السياسة النقدية والاستقرار المالي. وتابع أن توفير بيانات موثوقة وتحديثات مستمرة من شأنه أن يساعد السوق الفعلية والرسمية على القضاء على السوق السوداء لأول مرة منذ أكثر من سبعين عاماً، وأي أسواق موازية، مع تعزيز الشفافية والامتثال للمعايير الدولية عبر التقنيات المتقدمة في التطبيق والمتابعة، إلى جانب برامج تدريبية للكوادر المصرفية.

من جانبه، رأى الباحث الاقتصادي يونس الكريم، في حديثه، أن إحداث “سوق دمشق للعملات الأجنبية والذهب” في سورية خطوة طموحة ومهمة، وتستحق الترحيب لكونها محاولة جادة لتنظيم سوق الصرف. وبرأيه، فإن نجاح هذا المشروع “لن يتحقق ما لم يُدرج ضمن حزمة إصلاحات أعمق تشمل السياسة النقدية، وإعادة هيكلة القطاع المصرفي، وتحسين بيئة الاستثمار، وتعزيز تدفقات القطع الأجنبي”، مضيفاً أن المنصة قد تكون أداة فعالة، لكنها لا يمكن أن تكون بديلاً عن معالجة الاختلالات البنيوية القائمة.

وأضاف أن هذا التوجه من المصرف المركزي يعكس رغبة واضحة في إعادة تنظيم سوق الصرف، معتبراً أنه تطور إيجابي نظرياً إذا ما طُبّق وفق معايير حقيقية من الشفافية والكفاءة، مشدداً على أن فعالية هذه الخطوة لا ترتبط بوجود المنصة بحد ذاتها، بل بالبيئة الاقتصادية والمؤسساتية التي ستعمل ضمنها. وأشار إلى أن الانتقال من تعدد أسعار الصرف إلى سوق موحدة أو شبه موحدة هدف اقتصادي سليم، لكنه يواجه تحديات جوهرية لا تزال قائمة.

ومن أبرز هذه التحديات، بحسب الكريم، “استمرار قيود تسليم الحوالات بالدولار وفرض استلامها بالليرة، ما يحدّ من تدفق العملات الأجنبية عبر القنوات الرسمية أو يخفضها، خاصة أن القرار لم يكن منسقاً مع جهات حكومية أخرى”. وأضاف أن من التحديات أيضاً “ضعف العرض الحقيقي من العملات الأجنبية نتيجة تراجع الصادرات والتحويلات وتقلص مصادر القطع، ونقص المعروض من الليرة الجديدة، مقابل الإلغاء غير الرسمي للطبعات القديمة من الليرة وإخراجها من التداول”.

وبرأيه، فإن الخطوة الجديدة من قبل المصرف المركزي “تواجه قيوداً على التحويلات والسحب عبر المصارف، وعرقلة تراخيص شركات الصرافة، ما يدفع المتعاملين نحو القنوات غير الرسمية، فضلاً عن تراجع الثقة بالليرة والسياسات النقدية، وهو ما يقلل من جاذبية أي سعر رسمي، مع اتساع الفجوة بين السعر الرسمي والسعر الفعلي”. وتابع أن تعدد أسعار الصرف شبه الرسمية (للحوالات، والمحروقات، وتسعير المركزي، وبعض القطاعات التجارية) “يكرّس بيئة سعرية غير موحدة”.

وأشار الكريم إلى أن “التجارب الدولية تظهر أن الأسواق الموازية لا تختفي بمجرد إطلاق منصات تنظيمية، حتى لو كانت متطورة، بل عندما تتوافر شروط أساسية، من بينها اعتماد سياسة واقعية ومرنة لتحرير سعر الصرف، وتوفر احتياطيات كافية من العملات الأجنبية والمحلية، وتقليص الفجوة بين السعر الرسمي والسعر في السوق، وتحقيق استقرار اقتصادي شامل، وتخفيف القيود التي تدفع المتعاملين إلى الخروج من النظام المصرفي”.

وقال إن “إنشاء سوق إلكترونية قد يسهم في تعزيز الشفافية وتوفير بيانات لحظية، وهو عنصر مهم في ضبط التوقعات والحد من المضاربات”، مستدركاً أن أثره سيبقى محدوداً إذا لم تعكس الأسعار تداولات فعلية، وإذا لم تُعالج جذور التشوهات في سوق القطع. وأضاف أن هذه الخطوة، بصيغتها الحالية، “قد تحمل مخاطر زيادة تعقيد مشهد سعر الصرف بدلاً من تبسيطه، إذا لم تُستكمل بإجراءات إصلاحية متكاملة”، مشيراً إلى أن “إرجاء إطلاق المنصة لحين استقرار تراخيص شركات الصرافة، وإعادة هيكلة بيئة عمل المصارف، والتأكد من عملية إطلاق الليرة الجديدة، قد يكون خياراً أكثر فاعلية من القفز السريع بين المراحل”.

العربي الجديد

مقالات ذات صلة