الرئيسية » تعديلات في ميزانية البنتاغون الخاصة بسوريا.. ما علاقة روسيا وقسد؟

تعديلات في ميزانية البنتاغون الخاصة بسوريا.. ما علاقة روسيا وقسد؟

بواسطة Younes

هند خليفة

تعود سوريا إلى واجهة التشريع الدفاعي الأميركي عبر تعديلات أقرتها لجنة القوات المسلحة في مجلس النواب ضمن مشروع موازنة البنتاغون للعام المالي 2027، في جلسته الجمعة الماضي، والتي انتهت إلى تمرير المشروع بأغلبية 44 مقابل 12، بعد نحو 900 تعديل نوقشت خلال أكثر من 14 ساعة.

وفي قلب هذه الحزمة برزت تعديلات قدمها النائب الجمهوري جو ويلسون، ووضعت الوجود الروسي في سوريا، ومستقبل قوات سوريا الديمقراطية “قسد”، ومسألة إعادة بناء المؤسسة الأمنية السورية، في صلب نقاش تشريعي يتجاوز البعد السوري الضيق إلى اختبار أوسع لطبيعة المقاربة الأميركية في الشرق الأوسط بعد سقوط نظام بشار الأسد.

استهداف النفوذ الروسي

يتمحور التعديل الأول حول القواعد الروسية في حميميم وطرطوس، إذ يطلب من وزارة الدفاع الأميركية إعداد تقرير يقدم إلى لجنة القوات المسلحة قبل 31 كانون الأول/ديسمبر 2026، يتناول إمكان تعاون واشنطن مع الحكومة السورية الجديدة للحد من النفوذ الروسي أو الدفع نحو انسحاب القوات الروسية من القاعدتين.

كما يطلب التعديل تقييم التهديد الذي قد تشكله هذه القوات على القوات الأميركية في تركيا، ودراسة ما إذا كانت القواعد الروسية تُستخدم كمنصات لوجستية لتسليح وكلاء إيران في المنطقة، أو لتسهيل تجنيد ونقل مقاتلين من سوريا وأفريقيا ودول أخرى إلى الحرب الروسية في أوكرانيا، إلى جانب تقييم الدور الذي أدته القوات الروسية في قمع السوريين خلال حقبة الأسد، وهو ما يعكس  الرغبة في تحويل الوجود العسكري الروسي من ملف ثابت إلى ملف قابل للمساءلة الأميركية الدورية.

تعديلات القانون المقدمة من النائب الجمهوري جو ويلسون

وتكتسب هذه الإحالة التشريعية أهمية إضافية لأن الوقائع الميدانية نفسها ما تزال تمنحها مبررها السياسي، فقد أفادت تقارير دولية حديثة، استناداً إلى صور أقمار صناعية ومصادر أميركية، بأن سفينة الشحن الروسية “سبارتا” أوصلت إمدادات إلى قاعدة حميميم عبر مرفأ طرطوس في أيار/مايو، في أول عملية إعادة تموين معروفة منذ انهيار نظام الأسد، بما يوحي بأن موسكو لا تزال تسعى إلى تثبيت موطئ قدمها العسكري في الساحل السوري، وأن القاعدتين لم تتحولا بعد إلى مجرد بقايا رمزية من مرحلة سابقة.

ويفسر هذا التطور لماذا ينظر بعض أعضاء الكونغرس إلى الوجود الروسي في سوريا بوصفه ملفاً عسكرياً وإقليمياً لا يمكن فصله عن ساحات أخرى، من البحر المتوسط إلى أوكرانيا مروراً بترتيبات النفوذ الإيراني في المنطقة.

قسد في قلب الترتيبات الجديدة

أما التعديل الثاني فينقل النقاش من روسيا إلى بنية الدولة السورية نفسها، إذ يؤكد دعم الكونغرس لأهداف السياسة الأميركية المعلنة تجاه سوريا، أي إقامة بلد مستقر وخالٍ من الإرهاب، يعيش بسلام مع جيرانه، ويضمن حماية الأقليات العرقية والدينية.

وفي هذا الإطار، يدعم التعديل الجهود الرامية إلى دمج وحدات من “قسد” ضمن القوات المسلحة السورية، بما في ذلك تشكيلات بحجم لواء، مع إتاحة مواقع قيادية لشخصيات من هذه القوات داخل وزارة الدفاع السورية.

تدعم التعديلات الجهود الرامية إلى دمج وحدات من “قسد” ضمن القوات المسلحة السورية- صورة من الإنترنت

كما يطلب التعديل من وكيل وزارة الدفاع لشؤون السياسة، بالتنسيق مع وكالة التعاون الأمني الدفاعي، إعداد تقرير إضافي بحلول 31 كانون الثاني/يناير 2027 يقيم جدوى استخدام برامج التعاون الأمني الأميركية لبناء القدرات المؤسسية لقوات الأمن السورية ورفع احترافيتها، بما يشمل التدريب العسكري، وقوانين الحرب، وحقوق الإنسان، وسيادة القانون، والرقابة المدنية على الجيش، فضلاً عن الصلاحيات القانونية المتاحة للبنتاغون ومدى انسجام هذه البرامج مع استراتيجية الدفاع الوطني الأميركية.

ويظل ملف العقوبات جزءاً من السياق نفسه، فمجلس الشيوخ الأميركي كان قد وافق في كانون الأول/ ديسمبر 2025 على مشروع قانون موازنة الدفاع للعام المالي 2026 متضمناً بنداً يقضي بإلغاء عقوبات “قيصر” على سوريا، في خطوة أكدت أن الملف السوري بات يُدار داخل واشنطن عبر بوابة الأمن والدفاع لا عبر السياسة الخارجية وحدها

وقد جاء ذلك بعد أن أشارت تقارير رسمية في مجلس الشيوخ إلى أن الإلغاء أُدرج ضمن قانون الدفاع السنوي، ثم أُحيل إلى الرئيس للتوقيع، وبذلك تصبح تعديلات 2026 امتداداً لمنحى تشريعي أوسع، يشمل تخفيف أدوات الضغط القديمة، مقابل فرض شروط جديدة تخص شكل الدولة السورية، ونمط علاقتها مع روسيا، وتركيبة مؤسستها العسكرية المقبلة.

رسائل أميركية

في السياق يرى الباحث الاقتصادي يونس الكريم أن هذه التعديلات، رغم أنها “نظرياً غير ملزمة” بالمعنى القانوني الصرف، فإنها تكتسب في العرف التشريعي الأميركي قوة عملية تجعل التعامل معها شبه واجب على وزارة الدفاع، ولا سيما أن أول تقرير مطلوب سيُرفع في كانون الأول/ديسمبر المقبل.

ويقرأ الكريم النص بوصفه مرآة لطريقة تفكير الشريحة المهتمة بالملف السوري داخل الكونغرس، حيث لا يُنظر إلى سوريا باعتبارها ساحة معزولة، بل باعتبارها مساحة تداخل بين النفوذ الروسي، والحسابات المرتبطة بإيران، ومسألة إعادة تركيب أجهزة الدولة، وعلى رأسها المؤسسة العسكرية.

ومن هنا، بحسب الكريم، فإن الحكومة السورية لا تستطيع أن تكتفي بمراقبة ما يخرج من واشنطن، بل تحتاج إلى أن تبادر إلى شرح أولوياتها السياسية والأمنية والاقتصادية لأعضاء مجلسي النواب والشيوخ، كي لا تتحول الترتيبات الأميركية إلى مسار أحادي يفرض شروطه من الخارج.

اختبار التوازنات السورية

يضيف الكريم أن التعديلين معاً يفتحان باباً على مرحلة شديدة الحساسية، من خلال ضغط واشنطن لتقليص الحضور الروسي، والدفع باتجاه دمج “قسد” وتحوير العقيدة الأمنية السورية نحو احترافية أكبر ورقابة مدنية، بينما تحاول دمشق أن تحافظ على هامش مناورة بين موسكو وكييف وبين التزاماتها الداخلية ومتطلبات الاعتراف الخارجي.

في قراءة الكريم، فإن الخطر لا يكمن فقط في مضمون التعديلات، بل في ما قد تخلقه من تداخل بين البنتاغون ووزارة الخارجية داخل الإدارة الأميركية نفسها، وبين مقاربات تريد اختصار الملف السوري في هندسة عسكرية جديدة، وأخرى تنظر إليه من زاوية التفاوض السياسي والضمانات الإقليمية.

وعليه، تبدو سوريا مقبلة على اختبار مزدوج، بين كيفية تفكيك إرث القواعد الروسية من دون أن تدخل في فراغ أمني، وكيفية إعادة صياغة المؤسسة العسكرية من دون أن تتحول إلى ساحة تنازع جديدة بين القوى المحلية والخارجية.

المصدر: الحل .

مقالات ذات صلة