بينما بدأت سوريا تستعيد تدريجياً حضورها في أسواق التمويل الدولية بعد سنوات طويلة من العزلة، عاد ملف تمويل مشروعات إعادة الإعمار إلى واجهة النقاش الاقتصادي، لكن هذه المرة من زاوية تتجاوز حجم الاستثمارات المعلنة إلى طبيعة الضمانات التي تقف خلفها.
فقد أثارت الأنباء المتداولة عن انضمام بنك “جيه بي مورغان تشيس” إلى بنوك خليجية لترتيب تمويل يناهز سبعة مليارات دولار لصالح تحالف تقوده مجموعة “باور إنترناشيونال القابضة” وهي واحدة من أكبر التكتلات الاستثمارية القطرية والتي تعود ملكيتها لعائلة آل خياط، تساؤلات حول الكيفية التي ستُبنى بها هذه العملية التمويلية، وما إذا كانت ترتبط بأي أصول داخل سوريا، ولا سيما تلك التي تحمل صفة سيادية.
تفاصيل الصفقة ومشروعاتها الاستراتيجية
تشير المعلومات المتداولة إلى أن التمويل يستهدف تنفيذ مشاريع استراتيجية تشمل قطاع الكهرباء وأحد المطارات، بمشاركة كل من بنك قطر الوطني وبنك أبوظبي التجاري، في وقت امتنعت فيه الأطراف الرئيسية عن التعليق رسمياً على تفاصيل الصفقة أو هيكلها المالي أو الضمانات المرتبطة بها، وهو ما أبقى كثيراً من الأسئلة مفتوحة.
تستند هذه المشاريع إلى مذكرة تفاهم وُقعت في 29 مايو/أيار 2025 بين الحكومة السورية وائتلاف تقوده الشركة القطرية، تلاها توقيع اتفاقيات امتياز نهائية في 7 تشرين الثاني/ نوفمبر الماضي، تشمل بناء وتشغيل ثماني محطات توليد كهرباء جديدة بطاقة إجمالية تبلغ 5000 ميغاواط.

وتشمل هذه الاتفاقيات أربع محطات غازية دورة مركبة عالية الكفاءة في محافظات حلب ودير الزور وحماة، بالإضافة إلى مشاريع للطاقة الشمسية بقدرة 1000 ميغاواط موزعة على أربعة مواقع.
أما هيكل التمويل، فيقوم على تسهيل ائتماني يمتد لخمس سنوات، يحظى بضمان كامل من بنك قطر الوطني، الذي يُعد جهاز قطر للاستثمار، البالغة قيمة أصوله نحو 580 مليار دولار، أكبر مساهميه.
تمويل ضخم.. وأسئلة معلقة
نقلت وكالة “بلومبرغ” عن مصادر أشارت إلى أن التسهيل سيُسحب بالكامل منذ البداية، على أن تبلغ تكلفة الاقتراض الإجمالية نحو 370 نقطة أساس فوق معدل التمويل المضمون لليلة واحدة (SOFR)، موزعة بين هامش يبلغ 250 نقطة أساس ورسوم إضافية بنحو 120 نقطة أساس، ومع ذلك، فقد امتنع ممثلو كل من “جي بي مورغان” وبنك قطر الوطني عن التعليق على هذه التفاصيل، في حين لم يرد بنك أبوظبي التجاري و”باور إنترناشيونال القابضة” على طلبات التعليق الفورية.
يأتي هذا التمويل في مرحلة تحاول فيها الحكومة الانتقالية السورية الاندماج تدريجياً في أسواق المال العالمية بعد سنوات من العزلة، وجذب رؤوس الأموال الأجنبية لإعادة بناء اقتصاد أنهكته الحرب، وسط تقديرات دولية تشير إلى أن كلفة إعادة الإعمار تتجاوز نحو 216 مليار دولار، وفقاً لتقرير صادر عن البنك الدولي في تشرين الأول/ أكتوبر الماضي.
ويؤكد البنك الدولي أن إعادة بناء البنية التحتية والمساكن والمنشآت المتضررة تتطلب استثمارات ضخمة، وهو ما يجعل اللجوء إلى التمويل الخارجي أمراً شبه حتمي، لكنه في الوقت ذاته يفرض تحديات تتعلق بالحوكمة والشفافية وإدارة المخاطر، خصوصاً عندما يتعلق الأمر بمشروعات تمس قطاعات استراتيجية كالكهرباء والمطارات والاتصالات والطاقة.
تحذير من الضمانات غير المعلنة
في خضم هذا المشهد، حذر الباحث الاقتصادي يونس الكريم من التداعيات المحتملة لأي ترتيبات تمويلية قد تكون مرتبطة بأصول سيادية سورية، على خلفية المعلومات المتداولة.
وأوضح الكريم وفق منشور له عبر منصة “فيسبوك”، أن هذه المعلومات، في حال ثبتت صحتها، تثير تساؤلات قانونية واقتصادية بالغة الأهمية حول طبيعة الضمانات المقدمة للممولين، وحدود ارتباط الأصول العامة للدولة بعمليات تمويل خاصة.
وأشار إلى أن القروض الضخمة التي ترتبها المؤسسات المالية الدولية عادة ما تعتمد على هياكل تمويل معقدة وضمانات قوية تهدف إلى تقليل المخاطر الائتمانية، وهو ما يجعل مسألة الإفصاح عن طبيعة الضمانات أمراً أساسياً لضمان الشفافية وحماية المال العام.
وأضاف أن التجارب الدولية أظهرت أن تعثر المقترضين في سداد التزاماتهم ضمن صفقات التمويل المهيكل قد يفضي إلى نزاعات قانونية طويلة، أو إلى انتقال حقوق على أصول أو تدفقات مالية مرتبطة بالمشروعات الممولة، وهو ما يفرض، في حالة سوريا، ضرورة التأكد من أن أي أصول سيادية أو مرافق استراتيجية ليست جزءاً من أي ترتيبات ضمان قد تعرضها لمخاطر مستقبلية.
الشفافية.. صمام الأمان
تؤكد مبادئ التمويل السيادي التي تعتمدها المؤسسات المالية الدولية، إلى جانب الأدبيات الصادرة عن البنك الدولي وصندوق النقد الدولي، أهمية الفصل الواضح بين أصول الدولة والالتزامات التجارية الخاصة، بما يحفظ حقوق الحكومات ويجنب الثروات العامة أي مخاطر ناتجة عن تعثر المستثمرين أو الشركات.
وأشار الكريم إلى أن مصدر القلق لا يقتصر على احتمال تعثر المشروع، بل يمتد أيضاً إلى السيناريو المقابل في حال نجاحه، إذ إن غياب الشفافية بشأن هيكل التمويل وآلية توزيع العوائد قد يؤدي إلى استفادة المستثمرين والجهات الممولة من العوائد الاقتصادية، بينما تكون الدولة قد فقدت، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، جزءاً من سيطرتها على أصول استراتيجية أو على الإيرادات المستقبلية المرتبطة بها، وهو ما يستوجب إعلاناً واضحاً حول طبيعة الاتفاقات وحدودها القانونية.

وأكد أن حماية الأصول السيادية السورية تمثل مسؤولية وطنية لا تحتمل الغموض، داعياً إلى نشر جميع التفاصيل المتعلقة بأي ترتيبات تمويلية تمس استثمارات داخل سوريا، بما في ذلك هوية الضمانات والأصول المرتبطة بها، وآليات الرقابة القانونية عليها، بما ينسجم مع معايير الحوكمة والشفافية المعمول بها دولياً.
واختتم الكريم بالتأكيد على أن المسؤولية الوطنية تفرض على جميع رجال الأعمال السوريين المشاركين في مشاريع استثمارية كبرى، وفي مقدمتهم أيمن الأصفري بصفته رئيس مجلس “مدنية”، توضيح مواقفهم بصورة صريحة من أي ترتيبات تمويلية قد تمس الأصول السيادية السورية، والتأكيد للرأي العام أن أي استثمار أو تمويل ينبغي أن يسهم في دعم الاقتصاد الوطني، لا أن يكون على حساب حقوق الدولة أو مستقبل أصولها الاستراتيجية، مشدداً على أن الشفافية والإفصاح الكامل يشكلان الضمانة الأساسية لتعزيز ثقة المستثمرين وحماية المصالح الوطنية في مرحلة إعادة الإعمار والتنمية الاقتصادية.

